الحوار المتمدن - موبايل


في فقه انتفاضة يناير

راجي مهدي

2017 / 1 / 28
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


لا أعرف لماذا تحب مصر البوح في يناير ، لماذا يخرج الشعب المصري عن صمته في أحلك لحظات البرد ؟ لكن الأكيد أن مصر حين تتحدث في يناير ، لا تعود الأمور الي سابق عهدها . حدثان يفصل بينهما حقبة تاريخية هي الأكثر سوءا في تاريخ مصر الحديث ، من 1977 الي 2011 جرت مياه كثيرة ، كنست معها ما ظننا أنه من المكتسبات والثوابت التي لا تكنس.

منذ أيام قليلة حلت ذكري انتفاضة الخبز 18 ، 19 يناير وها نحن نحيا ذكريات 25 يناير 2011 . وليس هذا المقال احياءا سرديا لذكرياتنا الثورية بقدر ما هو نقدا – أدعي أنه علمي – للانتفاضتين وما آلت اليه الأمور في مصر .

لم يكن خروج الطبقة العاملة والبرجوازية الصغيرة في المدينة مجرد رد فعل لاجراءات القيسوني اليمينية آنذاك بتحريك أسعار السلع الأساسية ورفع الدعم عنها . صحيح ان تلك الاجراءات كانت الشرارة ، الا أن الجماهير الشعبية في مصر كانت منذ بداية السبعينيات تتعرض لضغط استيلاء البرجوازية البيروقراطية علي السلطة وما جلبته من انفتاح كلل هزيمة المشروع الناصري واستسلامه للامبريالية وانبطاحه في عملية استسلام ذليلة للكيان الصهيوني . حمل المشروع بذور الهزيمة في جذوره ، ولعب عبدالناصر لعبة التوازن بين الأجنحة داخل سلطته ، رافضا الحسم ومعتمدا علي قدرته علي ضبط الموازين داخل نظام يحاول بناء الاشتراكية بوزارات يرأسها زكريا محي الدين رجل الامريكان في مصر . ليس هذا وفقط ، بل ان فشله في ايجاد صيغة لادارة الصراع مع الماركسيين تتجاوز القمع والاصرار المزمن علي تصفيتهم تنظيميا ، حرم مصر امكانية مقاومة منظمة لما تلا وفاته من انتصار ساحق للبرجوازية البيروقراطية التي نمت تحت ابطه . أقول ان عبدالناصر هو من فشل ، باعتباره الطرف الأقوي ، وباعتباره ظل متمسكا بحرمان الماركسيين المصريين ميزة التنظيم ، وباعتباره استخدم آلة السحق البوليسية ضدهم الي آخر مداها .

دخلت مصر السبعينيات مثقلة بالهزيمة العسكرية ، والانتصار السياسي للبرجوازية البيروقراطية الذي تمثل في ضربة مايو 1971 . وفوق هذا دخلت مصر السبعينيات بطلائع سياسية أنهكتها الملاحقة الأمنية ، كما أنهكتها اخفاقاتها التنظيمية والنظرية . لكن السادات كان مضطرا في كل منعطف أن يواجه مقاومة شعبية تمتلك البوصلة لكنها تفتقد التنظيم . كان المناخ السائد في مصر يساريا ، نظرا للشعارات الاشتراكية للسلطة ، ولأن الماركسيين كانوا يملأون مصر ضجيجا . كانت كل الشعارات المرفوعة بدءا من احتجاجات 1972 و 1973 مرورا بـ 1975 وانتهاءا بهبة يناير 1977 ، تشير الي مجرم واحد ، واضح لا تخطؤه عين : الكمبرادور المصري المنبطح لاسياده في واشنطن وتل أبيب ، المتحالف مع ممالك الرجعية في الخليج . لكن ورغم فوران الحركة الشعبية في مصر طوال السبعينيات ، أدي ضعف اليسار الماركسي لأسباب ذاتية وموضوعية الي فشله في عمل تراكم يؤدي الي كسر النظام . كانت الشعارات طبقية ، وكانت الطبقة العاملة والطلاب أكثر القطاعات نشاطا في مواجهة سلطة السادات ، كان الجو ثوريا جدا لكن التنظيم الثوري كان هشا ، ولم يستطع تحريك الجماهير علي مهام واضحة بهدف كسر النظام والاستيلاء علي السلطة . لكن الجوهر الطبقي للانتفاضة كان يتجلي في كل لحظة ، الجماهير المحرومة في مواجهة الأغنياء . مهاجمة كل رموز الثراء من فنادق ومحال تجارية فخمة وكل ماله علاقة بالانفتاح الساداتي ، وحين خرج جهاز الشرطة لخدمة أسياده ومحاولة بسط سيطرته ، هاجمت الجماهير اقسام البوليس واستولت علي السلاح وانهار الذراع الأمني للدولة التي سرعان ما سقطت مشلولة فاستعان السادات بالاحتياطي الأخير :الدبابات .

في تأريخهم للانتفاضة ، يحاول البعض رد الانتهاء السريع للاحداث الي خروج الجيش وانتشاره في الشوارع . لكن الحقيقة من وجهة نظري مخالفة لذلك . فتراجع السلطة عن القرارات الأخيرة بشكل سريع كشف عن مأساة الانتفاضة ، غياب التنظيم القائد . ما يعني أن العفوية سيطرت علي الحركة ، و الا ما عاد الناس الي منازلهم الا وقد مزقوا النظام اربا ، لأن الأمر كان واضحا للعيان ، تراجع السادات كان تكتيكيا ، وما لبث أن استعاد المبادرة وهاجم علي كل جبهة مقيدا مصر بقيود التبعية للغرب والكيان الصهيوني ، فاتحا الطريق أمام كنس كل مكتسبات ما بعد ثورة يوليو . هجوم السادات كان شرسا بقدر ما كان يشعر من غُبن المصريين الذين نسوا بسرعة أنه بطل الحرب ، كان السادات يظن أن تمثيلية أكتوبر سوف تشفع له عما يقترفه من اجرام في حق البلد وبالتالي نزلت ضربة يناير كالصاعقة عليه وعلي كبريائه ، والأهم أنها كشفت للبرجوازية المصرية عما يمكن أن تفعله الجماهير الشعبية ، فاندفع النظام نحو الغرب بلا قيد ولا شرط كنظام خائن يبحث عن أمانه في أحضان أعدائنا .

و ان كانت انتفاضة 1977 قد نشبت في زمن هيمنت فيه شعارات اليسار مع عجز تنظيماته عن الفعل المباشر والمؤثر في لحظة الحركة ، فان انتفاضة يناير 2011 قد نشبت في اقصي واقسي حالات التصحر السياسي المصري حيث انسحب اليسار عمليا علي مدي طويل منذ نهاية الثمانينيات ، و ساد تشوش تام حول القضايا التي كانت بديهية حين خرجت مصر تبصق في وجه السادات عام 1977. خرجت مصر في يناير 2011 – وكان بديهيا أن تخرج – لتجد الناشط قد حل محل المناضل ، والمركز الحقوقي حل محل الحزب أو المنظمة الشعبية . خرجت مصر تصرخ تحت شعارات شديدة العمومية لا يمكنها أن تفرز يمينا من يسارا . فالشعارات التي سادت ابان انتفاضة الخبز – أود الاشارة علي أن تسمية هبة 1977 بانتفاضة الخبز تطمس الطابع الوطني المقاوم للانتفاضة لمجرد أن التحرك جاء بعد قرارات رفع الدعم ، لكن الحقيقة أن الجماهير كانت بوضوح في مواجهة طبقة تسرق قوتها وتخون القضية الوطنية تماما كما هو الوضع في 2011 – كانت الشعارات مثل " قولوا للحاكم في عابدين فين العدل وفين الدين " ، " هما بياكلوا حمام وفراخ واحنا الفول دوخنا وداخ " ، " هما بيلبسوا آخر موضة واحنا بنسكن سبعة ف أوضة " ، " سيد مرعي يا سيد بيه كيلو اللحم بقي بجنيه " . هكذا بوضوح : هم ونحن . بينما كانت الشعارات السائدة في 2011 تقبل التأويل وفضفاضة لتتسع لكل اتجاه سياسي ، فـ " الشعب يريد اسقاط النظام " تسمح بألف احتمال تبعا للاجابة علي السؤال الجوهري : ما هوالنظام ؟ لم يكن ذلك واضحا أبدا في رؤوس القوم وهم يهتفون به ، فمن موقعي ، اعتبرت النظام هو مجمل التشكيلة الاقتصادية - الاجتماعية ، أما التروتسك فلم يميزوا بين النظام والدولة ، بينما الاخوان يعتبرون أن النظام هو السلطة والسلطة هي النظام مثلهم كمثل كل المجموعات التي تنتمي لليمين . كما أن الشعار المطالب " بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية " يحتمل ما احتمل الشعار السابق . قد يفسر البعض اختلاف طبيعة الشعارات باختلاف المهام التي كانت ملقاة علي الحدثين . لكن هذا القول لا يجد ما يدعمه في الواقع ، فالنظام الذي كان يشق طريقه اليميني في 1977 بصعوبة بالغة ، تحول الي حالة من العفن اليميني التام في 2011 ما كان يستلزم المزيد من الجذرية في الشعارات وآليات الفعل . النظام الذي خرجت مصر تواجهه في 1977 وتنهب رموزه التجارية وتكسر ذراعه الأمنية وتطرح السلطة علي قارعة الطريق ، تحول الي دوجما شديدة التحوصل والديكتاتورية والطبقية وبالطبع التبعية للغرب في 2011 ، ما كان يستوجب المزيد من الفرز والخندقة والوضوح في الموقف لا أن تتحول الانتفاضة الي ما يشبه المهرجان الذي ترتع فيه الخيانة وتمرح فوق جثث الناس الذين لم يملكوا سوي ان يقدموا دماءهم فداءا لوطن مخطوف لعله يتحرر . كان واقع غياب التنظيم أشد وطأة في يناير 2011 لأنه جاء علي خلفية خواء سياسي واستعداد امبريالي محكم لتلك اللحظة . ان واقع اختراق الغرب لمفاصل مصر يعد أحد أكثر المشاهد دراماتيكية وسوداوية علي مر تاريخ النضال المصري كله . شعب تم حرمانه من طلائعه ، يتم سلب حقه في الحياة ، يدفع نحو الانفجار ثم لا يجد من يقوده سوي قوادين صنعوا صنعا لأجل تلك اللحظة بالذات .

يناير 2011 عالقة بذهني ، لازلت أتذكر كافة التفاصيل ، قنابل الغاز ، الرصاص الحي والمطاطي ، السخط علي الشرطة ، كسر الشرطة ، القلق من الجيش ، خثة المجلس الأعلي ، الهرب من برد الليل بالتحلق حول النار ، نوبات الحراسة ومناورات الدبابات للتضييق ، مسيرة 28 التي انطلقت بعد الجمعة لتصل الميدان في السابعة ، القناصة ، معركة لاظوغلي ، الدساسين ، الشائعات عن الفض ، خطابات الخائن الأكبر ، خيانات المجموعات المتآمرة ، الرفاق ،، أبي .. وكل شئ ، يربطني بيناير 2011 أني كنت هناك ، يتفتح وعيي في مواجهة جاءت عكس ما كنت ارسم بذهني ، ليست تلك هي الثورة ، أين التنظيم ؟ هل نسقط النظام بلا تنظيم ، ثم ماذا ؟ اليس الاخوان هم البديل ؟ أنا واحد من هؤلاء الذين ينامون في عراء الميدان أحلم مثل ما يحلمون بسحق الديكتاتور ، لكن الأسئلة تؤرقني ، أظن أنها كانت تؤرق كل من فكر بها في 1977 ، لكنها لم تمنعني من اول مشاركة واعية لي في مظاهرة تتحول بالصدفة البحتة عكس أشد التوقعات تفاؤلا الي انتفاضة تستبدل سُلطة بسُلطة .

وقد كانت الانتفاضة كاشفة لحجم التفسخ الذي أصاب الحياة السياسية المصرية ، التي تخلت عن انضباطها الحزبي حتي وان كان سريا وتحولت الي ملهي للنشطاء . انتجت الامبريالية كيانات سياسية ، اتضح فيما بعد حجم ما تلقت من تجهيز لأجل تلك اللحظة التي كانت حتما سوف تجئ ، مجموعات وظيفية تؤدي نفس الوظيفة علي الرغم من تنوع خطابها السياسي لترضي كل الأذواق ، وتحول وسط البلد بمقاهيه الي مستعمرة لجيوش النشطاء الذين يعتبرون الثورة "فهلوة".

يسود عن انتفاضة يناير 2011 وعي مغلوط يعكس مستوي الخطاب السياسي في مصر ، فالانتفاضة التي لم تتجرأ علي الخروج عن اطار الانتفاضة يوما ما ، يتم الاشارة لها في كل الأدبيات السياسية الصادرة عن تجمعات يمينية أو تدعي اليسارية علي أنها ثورة . " ثورة " يناير !! هكذا بكل بساطة تحول فعل جماهيري عفوي جدا يفتقد القيادة وبالتالي يفتقد القدرة علي الهجوم ، يفتقد الخطة وبالتالي لم يخرج عن خانة رد الفعل ولم يمتلك المبادرة سوي في لحظة الخروج الي الشارع ، هكذا تحولت يناير الي اعظم ثورة في التاريخ المصري الحديث !! . " الثورة " التي تمترست في الميادين ، وتركت لأعدائها المفترضين حرية الحركة والتصرف وامتلاك المبادرة بعد ذهول الايام الأولي ، تحولت في القاموس السياسي لنشطاء يناير الي أعظم ثورة في التاريخ المصري الحديث . لعل أعظم ما في يناير شيئين : دماء شهدائها الذين سقطوا في مواجهة ميليشيا النظام الرسمية والغير رسمية ، هؤلاء الذين تصدروا الصفوف بصدور عارية لم تخش رصاص الشرطة ، هم أشرف ما في يناير ، هذا أولا . ثانيا : أن انتفاضة يناير هي من فعل الشعب المصري ، الانتفاضة ، أي الخروج الي الشارع للمواجهة ، أما ما حدث من ترتيبات ومناورات وخيانات ومساومات فهذا لا يخص هؤلاء الذين ناموا علي الاسفلت وماتوا في المواجهات أو أصيبوا .

لانتفاضة 2011 مجتمع خاص اكتسب شرعيته منها ، واكسبها طابعه الخاص ، مجتمع النشطاء الذي أشرت اليه ، يتميز طبقيا بأنه مجتمع من البرجوازية الصغيرة و المتوسطة . أود قبل الخوض في هذا المجتمع الإشارة الي أن انتفاضة يناير 2011 تميزت بغلبة البرجوازية الصغيرة في تكوينها ، الشرائح الدنيا من البرجوازية الصغيرة المدينية والريفية ، والبروليتاريا الرثة القاطنة في عشوائيات المدينة ، بالاضافة الي تماس شرائح من البرجوازية المتوسطة ، هذا عن الفعل في الشارع ، اما علي مستوي القمة ، فان الانتفاضة كانت فرصة لاعادة ترتيب التوازنات داخل الطبقة الحاكمة باستخدام هذا الحشد الغير منظم في الشارع .

بالعودة الي مجتمع النشطاء سوف نجد أن هناك سطحية شديدة في تناول الانتفاضة ، سطحية شديدة لا يمكن ردها سوي الي أن هذا المجتمع هو مجتمع جيل ضائع ، جيل تفتح وعيه علي انسحاق الكل تحت الحذاء الامريكي ، حيث العالم يموج بصخب عن انتهاء عصر الأيدولوجيات ، بل وانتهاء أفق التطور الاجتماعي بالرأسمالية . هذا الجيل الذي اقتنع بالفعل أنه صاحب الكلمة الفاصلة وأن مأساة مصر تكمن في أن أجيالا سابقة قد ضيعت البلد وبالتالي يجب عزلها . تحولت الانتفاضة في أذهان الغالبية العظمي من النشطاء الي صراع بين الأجيال ، وتم اعتبار أن الخلاص يكمن في ازاحة سلطة مبارك واقامة انتخابات ديمقراطية . هكذا تدهور الوعي السياسي في مصر ، من ادراك أن الكمبرادور المصري هو وكيل الرأسمال العالمي وأنه يسعي لتقييدنا بالمركز الإمبريالي الي اعتبار الهبة العفوية ثورة ، والسلطة مرادفا للنظام والصراع الطبقي من مخلفات الماضي السحيق وصراع الأجيال هو المعركة الرئيسية . في هذا المجتمع لا يعتبر التمويل الأجنبي جريمة ، فهو بالأساس مجتمع ممولين تم صنعه حرفيا في أروقة وبأموال أجهزة الاستخبارات العالمية . وبناء علي هذا تجد أن القضية الوطنية غائبة تماما عن خطاب النشطاء ، لا حضور لكامب ديفيد ، ولا التبعية الاقتصادية والارتهان للأجنبي . الملاحظة الأخري ، أنه في هذا المجتمع ، تختفي الحدود تماما بين المكونات اليسارية واليمينية ، الأسماء والعناوين هي مجرد أسماء وعناوين ، أما المضمون فهو يميني بامتياز .

لم ينشأ هذا المجتمع بعد انتفاضة يناير ، بل كان ظهوره قبلها بعدة سنوات ، كانت البداية الحقيقية له هي تراجع اليسار المقاوم علي المستوي التنظيمي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي ، انحسر اليسار تنظيميا ، حتي وان ظل حاضرا كروح في لحظات الانتفاضة الثانية وحرب العراق ، لكن خطاب اليسار كان في مرحلة الأزمة الشاملة ، وقد كان طبيعيا أن تحل التشكيلات اليمينية محل اليسار ، فكان نفوذ اليمين الديني في تصاعد مستمر ، وبدأت موجة المراكز الحقوقية تضرب بكثافة في بداية القرن ، ثم تلي ذلك ظهور لجماعات وظيفية ، اتضح بعد ذلك أنه تم تجهيز أفرادها في الخارج كي يلعبوا دورا مرسوما في الانفجار الشعبي المحتمل . هكذا تم احلال النخبة الاجنبية محل الطليعة الشعبية مع ما يرافق هذا الاحلال من تبديل في الوعي ، وتخلف التربية السياسية لدي الجماهير ، هكذا جاءت انتفاضة يناير كي يتبلور جيش كامل من موظفي الاستخبارات في استقبالها .

التعامل مع يناير بمنطق النشطاء ضار جدا بقضية هذا الشعب ، بقضية تحرره الاجتماعي والوطني ، تلك القضية التي يلعب مجتمع النشطاء دورا معاديا لها باعتباره مجتمع ينتمي مباشرة للأعداء المباشرين للشعب المصري . ففشل يناير في تحقيق أي تقدم علي الصعيد الاجتماعي والوطني للأغلبية الكاسحة من المصريين ، ليس بسبب الأعداء الأشرار ، فالأشرار طوال التاريخ كانوا يقاومون انتفاضات الشعوب بكل ما توفر تحت أيديهم من أسلحة . ان يناير فشلت لأنها كان مكتوبا عليها الفشل بسبب تناقضاتها المميتة ، وعلي رأسها ، غياب القيادة الثورية . لذا فالبكائيات التي تنساب كالسيول في ذكري الانتفاضة من كل عام غرضها تكريس حالة من الشعور بالعجز والانهزام علي الشعب المصري أن يحذر منها . يناير ليست ثورة وهي أبعد ما تكون عن الثورة ، هذه هي النقطة الأساسية التي يجب التركيز عليها في تناول يناير كأحد حلقات الكفاح المصري المجهض . هذا ما يجنب الجماهير الفخ الذي ينصب لهم . الثورة هي شئ آخر وهي الحل الوحيد والنهائي لقضيتنا ، وهي عنيفة . لا وجود للتغيير السلمي سوي في أذهان البرجوازيين والبيروقراطيين . اذا كنت تسعي لحل جذري للأزمة الاجتماعية ، اذا كنت تسعي لانهاء المذلة الوطنية فأنت بحاجة الي تنظيم ثوري مرتبط بجماهيره ، ليقودهم في كفاح شعبي مسلح يستهدف سلب الرأسمالية المصرية كافة امتيازاتها وسحقها كطبقة ساقطة تاريخيا ، هذا الكفاح الثوري لا يمكنه أن ينتظر لينا من أعدائه ، والفشل لا يمكن تبريره بمكر الأعداء ونذالتهم .

يجب استخدام يناير كدلالة علي قدرة الشعب المصري علي التحدي والمواجهة ، الجماهير التي كسرت جهاز الشرطة ، و ردت جزءا من الدين المتراكم عليها لهذا الجهاز يوم 28 يناير ، ومزقته في شوارع القاهرة وكافة أنحاء الجمهورية ، بأدوات بسيطة ، هي جماهير قادرة اذا ما توافرت لديها الأدوات الثورية : الحزب ، فانها قادرة علي تطرح الرأسمالية في مزبلة التاريخ . الجماهير التي تمسكت بوحدة نسيج الشعب المصري الواقع تحت الضغط الطائفي ، تلك الجماهير انما بينت الطاقات الكامنة لديها ، والتي تستدعي جميعها تحت المواجهة . ان الفشل في يناير ، 1977 كما في 2011 ، انما هو تراكم للخبرة التاريخية لهذا الشعب ، تراكم يحتاج الي طليعة تزيح عنه التراب ، وتستلهم منه دروسا صالحة للتغيير الجماهيري في كل عصر و تحت أي ظرف .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الظابط زكريا يونس عرف يوصل للإرهابي قبل تفجير عبوة ناسفة وسط


.. شاهد: الشرطة الأمريكية تفرق بالقوة متظاهرين غاضبين من قتلها


.. فيديو: الشيوعيون يحيون الذكرى 60 لرحلة يوري غاغارين إلى الفض




.. قناة -ذاكرة الأنصار- الحلقة رقم 74 -أمسية المسرحيين الأنصار


.. العراق .. رسائل لرئيس الوزراء الكاظمي نحو الجوار ونحو المتظا