الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


زمانان في عالم واحد ام عالمان في زمن واحد؟!!

عبدالله نقرش

2017 / 1 / 29
مواضيع وابحاث سياسية


نذكر في معرض حديثه عن الثورة الايرانية في أواخر سبعينيات القرن الماضي قال الأستاذ محمد حسنين هيكل عن الخميني أنه سهم انلق من القرون الوسطى ليستقر في القرن العشرين . ومع أن حلم الخميني بولايه الفقيه ارتد اليوم الى القرن التاسع الميلادي وفي عهد الدولة الساسانية الفارسية الا أن أدوات تحقيق الحلم تمزج بين القديم والحديث بامتياز . ولربما ينطبق هذا الوصف على ما يجري في العالم العربي اليوم فهنالك الكثير من السهام التي انطلقت في القرون الوسطى وربما ما قبلها وبعدها . ولكنها كلها ليست من سهام القرن الواحد والعشرين الا سهماً واحداً هو سهم الأمة الذي وصف بأنه "ربيع " وان اختلط به لون الورد مع لون الدم .
إن أمعان النظر فيما يحدث في العالم العربي من تفاعلات وأحداث ووقائع حتى على مستوى التفاصيل يكشف عن أن العالم العربي لا يتفق مع السياق العالمي لا من حيث طبيعة ما يحدث ولا من حيث التوافق الزمني والظروف التي تشكل نسق المجتمع الدولي واهتماماته وغاياته, الأمر الذي يجعل العالم العربي يبدو وكأنه يعيش خارج الزمن التاريخي الراهن ويتناقض مع طبيعته وبنيته.
يعيش عالم اليوم, وفي اغلب مكوناته ومنظوماته, في ظل عناوين رئيسية انبثقت عن تراكم التجارب التاريخية الإنسانية و في سياق متواصل من الخبرات والانجازات التي حققتها الشعوب وتحرص على بقائها وتطورها. ومع أن هذه العناوين لا تمثل الـخلاصات الايجابية وحسب, وإنما تعكس العبر الايجابية من التجارب السلبية, إلا أنها تشكل بمجموعها نسقاَ منضبطاَ وهادياَ لمسيرة التقدم الإنساني. ومع وجود تحفظات قوية على كثير من مفردات الخطاب الدولي الراهن الا أن خلاصته تفيد بامكانية تحقيق تقدم انساني في مجالات عدة .
فعنوان حتمية التقدم يفرض نفسه كغاية لمختلف الشعوب وهو من الشمول والتنوع بحيث يتصل بكل مناحي الحياة ولمختلف أطوارها ويشكل قيمة إنسانية تجتهد وتجاهد كل الشعوب لتحقيقها وباستمرار. وفي السعي نحو التقدم تواجه المجتمعات تحديات الفكر والثقافة والقيم علاوة على التحديات المادية والمعيشية والارتقاء الإنساني. بمعنى التأكيد على كل ما من شأنه أن يتجاوز أوجه التخلف المحسوس والمستتر. وفي سبيل هذه الغاية تعتمد المجتمعات على نفسها وعلى غيرها وعلى تنمية قدراتها وتطورها النوعي, والتقدم يعني الإنسان الفرد بكل ما هو عليه والمجتمع بكل ما فيه , والتقدم لابد وان يشمل علاقة الإنسان بأخيه الإنسان وعلاقته بالطبيعة وعلاقته بالزمن بحيث تتأكد إنسانية الإنسان كفرد وكجماعة وايجابيته في علاقته بالأشياء وإدراكه لمركزية البعد الزمني في الحياة الخاصة والعامة.
هذا ما نستطيع لمس حقيقته بوضوح وجديه في معظم بقاع العالم، بينما لسنا متأكدين منه في كثير من بيئات الوطن العربي،فالإنسان الذي يجسد التقدم المادي والمعنوي والإنسانيحقيقةكونية لا يستوجب البحث عنها الكثير من الشك والتنقيب، بينما الإنسان العربي المتقدم تتلاشى معالمه ومؤشرات حضوره،تحت وقع ما يحدث من وقائع تؤكد سيادة التخلف والهامشية واللاوعي التاريخي لمسيرة الزمن. ويتصل بحركة التقدم عنوان التنمية الذي أتى بعد أن تبين للجميع بأن شروط الحياة الأفضل والأكثر إنتاجا ورخاءاً والاعدل توزيعاَ هي البيئة المناسبة لحياة الكل، حيث تنعكس خيرات الحياة العامة على مزايا الحياة الخاصة ايجابياَ وخلق مجتمع السلام الاجتماعي وتنأى به عن مجتمع الصراع الطبقي او الفئوي او العنصري.
أما العنوان الأخر والمهم أيضا، فهو العنوان الديمقراطي، وهو عنوان لعلاقة الإنسانبالإنسان، وعلاقة الإنسان الفرد أو الجماعة بالسلطة السياسية التي تحكم او تدير شؤونه.
لم يتحقق هذا العنوان للشعوب إلا بعد صراعات مريرة بين أولئك الذين احتكروا السلطة تاريخياً واؤلئك الذين سعوا للمشاركة فيها وتنظيمممارستها بشكل سلمي على العموم.وفي هذا الخصوص حيث لا مجال لزيادة التنظير يبدو العنوان الديمقراطي شائعاَ في العالم ويحقق الاستقرار والتقدم للشعوب، ويؤكد على النزعة الإنسانية للسلطة والمسؤولية، ويضمن الحرية كقيمة مركزية لحياة الفرد والمجتمع، إلا أنه في العالم العربي ما زال يقبع خلف أنساق من العلاقات البدائية اللاانسانية التي تؤكد صيغ الاغتصاب والتملك والاحتكار والعبودية. وهي صيغ أقل ما يقال فيها أنها تعكس علاقة القوة المتوحشة مع الوجود الإنساني الذليل والمشلول .
ومع أن الديمقراطية لم تزل في حدها الأدنى كنظام أقل سوءاً من الأنظمة الأخرى - كما قيل – الا أنها بالرغم من ذلك ما زالت النظام الأنسب لادارة علاقات السلطة في المجتمعات الحديثة و تحتاج الى التطوير والابداع.
أما عنوان حقوق الإنسان الذي يشكل نبراساً للإنسان المتقدم والراقي في العالم الراهن، فهو لم يأتي صدفة ولا نزوعاَ مثالياَ، وإنما جاء بعد أن تبين ظلم الإنسان لأخيه الإنسان وتجاوزه على طبيعته وحقوقه. ولهذا فمن خلال الرؤية الجماعية والموقف العام للذين أدركوا أهمية الإنسان كانسان وسعياً منهم لمأسسة حقوقه وخصائصه الايجابية، تقرر أن العالم المتحضر لم يعد يحتمل التجاوز على الإنسان وحقوقه وتحت أية ذريعة كانت. وبقدر ما تنعكس ثقافة حقوق الإنسان وتطبيقاتها في الحياة العامة للفرد والمجتمع وفي الحياة الخاصة لكليهما، بقدر ما يكون الفرد والمجتمع في عداد المجتمعات الحضارية المتقدمة وذات النزعة الإنسانية الكريمة.
وعنوان التقدم التكنولوجي جاء محصلة للتقدم العلمي وإكتشاف الأدوات والآليات التي تجعل من شروط الحياة وظروفها ووسائلها أكثر ملائمة وفعالية وخدمة للإنسان، وتوفر له إمكانات أفضل وأرقى في إدارة الموارد وتعظيم الإنتاج، واستثمار الوقت وضمان اكبر قدر من الراحة والتيسير والتسيير.
وعنوان التعاون الدولي والإنساني لم يتحقق إلا بعد أن ارتقى الفكر الإنساني ليجعل من الحياة المشتركة والإنسانية مصلحة للجميع وتتسع لكل البشر على اختلافاتهم التفصيلية، والاكتفاء بمجتمعهم الإنساني كقاسم مشترك لحياتهم كمجتمع إنساني.
وكذا فعنوان العولمة الإيجابي والمشاركة في الاستثمار والإنتاج والتوزيع وأوجهالإدارة وضوابط الحركة ووسائل الاتصال... كلها لم تأتي صدفة-وإنما سياقاَ متصلا من سنن التطور الايجابي لحياة الإنسان، مطلق إنسان،وحتمية انضوائه كوحدة او خلية في تكوين عالمي، يفترض انه يتعايش في بيئة مناسبة ويتحمل نفس المسؤولية ويقدم ما يستطيعه من مساهمة لخدمة الحياة الأفضل لبني البشر ولنفسه ولدائرته الاجتماعية التي ينتمي إليها.
أما عناوين الأمن والسلام والرفاه وان بقيت ما زالت غايات تتحقق بشكل نسبي في مكان ما وبصورة ما ، ولا تتحقق بشكل مناسب او لا تتحقق فعلاً في مكان آخر وبصورة أخرى... إلاأنها في جميع الحالات تبقى غايات مطلقة والسعي لتحقيقها يبقى جهداَ جماعياَ ومتواصلاَ ودائماَ.
وهنالك أيضا في هذا العالم عناوين فرعية يفترض أن البشرية او قطاعات منها تسعى لتحقيقها، كالحد من الكوارث الإنسانية او الطبيعية المحتملة، والاجتهاد في التعامل مع الظروف الإنسانية الصعبة، كالفقر والبطالة والمرض والجهل، او المساهمة في تحقيق التقدم العلمي والذي يخدم البشرية بصورة أكثر تطوراَ مما هو قائم، او السعي المنظم والشامل الذي يستهدف التدخل لتنظيم العلاقة بين حياة البشر وأنظمة الكون من بيئة وكواكب وزمن وسرعة وما الى ذلك مما يفترض من تحديات.
كل هذه العناوين وغيرها يجتهد العالم المتقدم والساعي للتقدم للتعامل معها والمساهمة في أن تنعكس على الحياة الإنسانية بصورها الايجابية، وهذه النتيجة هي التي تحدد مستوى حضارية المجتمع ومستوى إنسانيته، وبقدر ما يتوفر البعد الإنساني في حياة المجتمع، ونشاطاته ،واهتماماته ،وغاياته، بقدر مايكون المجتمع إنسانياً وايجابياً وقابلاً للحياة والاستمرار، وبقدر ما يضيف في السياق العالمي الزمني والواقعي. وفي غير هذا السياق سيكون من الصعب أن يحظى أي مجتمع بوصف إنساني او حضاري او ايجابي وحيوي او قابلاَ للبقاء.
وبالعودة إلى بداية المقال، سنحاول أن نشير فقط لما يعرفه الجميع ويسود كعناوين واضحة في الزمن العربي الراهن، وفي الذهن المعرفي، والسياسي، والثقافي، والاجتماعي، الذي يعبر عن نفسه بصورة يومية في مناحي كثيرة من العالم العربي. وبغض النظر على أدب المجاملة والنسبية والاحتمالات وما نتذرع به عادة من اختلاف في الرؤى والاجتهادات والتفاسير، إن ما يتفاعل في الساحات العربية من عناوين لا تتصل أبداً بالسياق العالمي لا من حيث الزمن ولا من حيث الطبيعة. وإن محاولة حصر العناوين المحتمل إيرادها هنا باعتبارها ذات مرجعية واقعية، لا يعني (وللأسف) بالضرورة أنها لا تنطبق على الحالات التي لم يكشف عنها الواقع بعد.
إن ما يجري في سوريا او في العراق او في اليمن او في ليبيا او حتى في مصر,.... وما يمكن أن تنبئ عنه الأحداث في مواطن عربية أخرى كثيرة، تبرز به عناوين لا علاقة لها بالسياق العالمي وبالذهن العالمي، وهي مجرد حالات نكوص إلى التاريخ غير الإنساني في حياة البشرية.
إن الطائفية او التعبير الطائفي عن الوجود الاجتماعي والسياسي للفرد او للجماعة هو مجرد نسبته أو نسبتها إلى أفكار مجردة مغلقة لا تنسجم مع شمولية العقائد والأفكار والتوجهات، ولا تستوعب حالات المشاركة والتداخل الإنساني. ومع أنها لا يقينيةفي معظم الحالات إلا أنها تضع الإنسان /الفرد او الجماعة في هذه الحالة في قوقعة مغلقة لا يرى من حوله ولا يعيش في بيئته العامة ولا تنكشف خصوصيته, مما يرتب بحكم التعصب موقفاَ عدائياَ لكل ما هو خارج القوقعة. وهذا يعني احتمال التصادم الدائم مع الغير أياً كان هذا الغير ومهما كان معيار تصنيفه. ومثل هذه الحالة لا يمكن أن توجد في مجتمعات إنسانية مدنية حديثة من سماتها تلك العناوين التي ذكرت في بداية المقال. إن الطائفية حالة خارج السياق الزمني والواقعي وتعود في أصولها إلى موقف تاريخي تجاوزه الزمن، والعودة إليه نكوص إلى الوراء يتعارض مع سمة الحياة التي تستهدف التقدم إلى الإمام والتطور. كما انه يخلو من البعد الإنساني، وما يقتضيه من عمومية وقبول واحترام وانتظام قيمي مع الخير والايجابية والإنسانية، ولهذا فالطائفية لا يمكن أن تكون موضوعاً للمنطق ولا للحوار ولا للتعميم ولا للمستقبل، ولا للإنسانية. إنها في حالتها الراهنة في العالم العربي مجرد سهم انطلق من حالة الإنحياز "المانوي"والتعصب التي هيمنت على العقل العدائي الفئوي إزاء الأعم أو "الأغلب" أو وجدت للتبرير والدفاع عن الذات كردة فعل على حالة العداء المفترض من الآخر، ثم التوسع في تفسيرها وتبنيها والاجتهاد فيها، حتى غدت وكأنها منهجية قائمة بذاتها. إن الطائفية في المنطقة العربية مجرد حالة نكوص وانحياز غير عقلاني وغير مبرر وغير إنساني، وخارج السياق العالمي بالعناوين الرئيسية التي ذكرت. إنها أمر لا يمكن لعاقل ان يقره او يبرره، فكيف يتقاتل الناس من اجله وبسببه؟!
أما القبلية والعشائرية والفئوية أياَ كان تصنيفها، فهي لا تعدوان تكون كالطائفية مجرد حالة نكوصلشكل أو لبنية أو لمكون اجتماعي محدد ومحصور ومعرف بذاتيته، لا يتطابق أبداً مع فكر أو ثقافة أو مصلحة أو طبيعة أي مفهوم يعبر عن مجتمع، فأي مجتمع لا يكون مجتمعاً يستحق الوصف إلاإذا كانت خصائصه تستوعب خصائص وحداتهالمكونة له. ويقوم المجتمع على الشمول والمشاركة والتعاونوإرادة العيش المشترك، وهذه كلها شروط موضوعية تدفع باتجاه الوحدة الاجتماعية، ومن طبيعة المنطق الجمعي ان لا تتطابق فيه الشروط الموضوعية للعمومعلى الشروط الخاصة أو الذاتية. فحالة القبلية أو العشائرية التي تقوم على عنصر ذاتي (عامل القرابة بالدم) لا تتطابق مع المجتمع الذي يقوم على إرادة العيش المشترك مثلاً - لذا فما ينصرف على القبيلة لا ينصرف بالنتيجة على المجتمع. وإذا حاولنا أنننظر إلى المجتمع عبر قبائله وعشائره فهذا يعني أننا ننفي عنه صفة المجتمع ،بل ونلغي كينونته حتى لو زعمنا غير ذلك. ولهذا كان القانون كقواعد عامة مجردة وضعية واتفاقية هو الذي يدير شؤون المجتمع. وكان العرف العشائري هو الذي يدير شؤون القبيلة،ولهذا قامت المدينة و المدنية والحضارة على القانون وعلى المجتمع الذي يتكون من أفراد مهما بلغ عددهم ولا يتكون من وحدات اجتماعية مهما تأكدت خصوصيتها.
لذا عندما نرى ما يحدث في اليمن على سبيل المثال، ونبحث فيه عن دور القبيلة أو دور الطائفة فهذا يعني بالضبط أننا نبحث عن حالة اجتماعية اقل من المجتمع، وبالتالي نبحث عن حيازات جغرافية للقبائل اليمنية وعن يمن متعددالحيازات وليس عن يمن واحد. بالضبط كما لو أننا نحاول أن نعطي الشرعية للتجزئة ليس مهماً بعدها كيف تكون، على أساس طائفي أو عشائري أو جهوي أو خلافه, ففي منطق الاعتماد على القبيلة والعشيرة نلغي المجتمع.
ومن العناوين المطروحة فيما يتفاعل على الساحات العربية، يبرز دور العسكرتاريا ولا نعني به مجرد وجود مؤسسة الجيش بقدر ما نعني توجه الجيش لصبغ الدولة بصبغته كمؤسسة حاكمة وليس كمؤسسة محكومة.وهذا المكون الذي لا يبدو طائفياً ولا قبلياً و يرتبط بصورة ما، بمعنى المؤسسة الرسمية أو الوطنية أو الأمنية،يحمل أيضا في ذاته تناقضه مع منطق الدولة الحديثة والمعاصرة. الأصل أن الجيش أداة سياسية، أي أداة من أدوات الدولة لإدارة شؤونها في السياسة الخارجية تحديداً وفي حالات يستعمل فيها العنف المشروع ،وهنا تبدو المهمة مقدسة وشرعية وحاسمة.
أما أن تكون الجيوش أداة من أدوات السياسة الداخلية، فهذا خروج عن النظام المألوف وعن الوظيفة الأصيلة، أو أن تكون الجيوش هي ذاتها جهاز إدارة الدولة فهذا خروج عن منطق الدولة نفسه. فالدولة مؤسسة مدنية بالتعريف لأنها دولة شعب ما، وهذا الشعب ليس(اسبارطياً), انه شعب عمومي التكوين من حيثالأجناس والأعمار و الأعراق والأفكار والمعتقدات وكل فرد فيه وحدة قائمة بذاتها، تتسق مع البناء الاجتماعي لهيئة الدولة من المواطنين المتنوعين. وفي هذه الحالة تكون العسكرتاريا نقيضاً للحالة المدنية بدل أن تتوافق معها . فالعسكرية كنهج و كمؤسسة تقوم على الضبط والنمطية والتخصيص ووحدة التكوين والوظيفة والغاية، لا يمكن أن تشكل مجتمعاً ولا يجب أن تكون، أنها حالة خاصة مؤسسة بذاتها أكثر خصوصية من أي بنية اجتماعية أخرى. لذلك لا يجوز أن تكون لا بديلاً عن المجتمع ولا مناطاً لإدارته وبالنتيجة ليس من حقها ولا من وظيفتها أن تقرر سياسة الدولة ولا أن تقودها.
كيف يقبل المجتمع الحديث أن تقوده مؤسسة عسكرية؟ هذا لا يجوز وان جاز أن يحكم فريق عسكري دولة ما، فذلك لظروف طارئة ولفترة محدودة ولا يشكل ذلك حكماً بقدر ما يشكل ضبطاً للحركة باتجاه خلق حالة الاستقرار الضرورية للحكم والإدارة.
إن المؤسسة العسكرية وعلى الرغم من قدمها في تكوين المؤسسة الرسمية الحاكمة في التاريخ الإنساني إلا أنها ارتبطت بعوامل الصراع أكثر مما ارتبطت بعوامل الاستقرار والسلام، بل على العكس من ذلك أضحى المطلوب من هذه المؤسسة المتخصصة القائمة على تعابير القوة والضبط أن تضمن سلام المجتمع وسلامته، وان تحمي كينونته كهوية ووطن ودولة. فاحتكار القوة الذي تستأثر به يضعها في موقع المنافس مع ما يناظرها من القوى الدولية الأخرى وليس مع القوى الداخلية الأضعف قدرة وتكويناً. فهذه لها عوامل ضبطها الداخلية ومن هنا جاءت المؤسسات الأمنية الاجتماعية.
وفي عناوين المرحلة الراهنة عربياَ يبرز عنوان السلفيةبمختلف مكوناتها و أنواعها (سلفية دينية أو قومية ،أو اجتماعية ،أو فكرية )وهي تجمع عنوة بين القديم والحديث، والماضي والمستقبل، والايدولوجيا والبرامج والفرد والجماعة، والسياسي والعقائدي،والنكوص الى التاريخية والإصلاحات التقدمية، كفكر وتنظيمات، وهي تطرح نفسها كبديل عن أوجه الحداثة الأخرى او كبديل عن صيغ الحكم والإدارة،أو كبديل عن الأنساق الدولية المجربة. وهذه السلفية التجميعية تبدو بنظر البعض وكأنها الاستجابة الحتمية على كل أشكال ومضامين وتحديات الحاضر المعاش او المستقبل المرتقب/ المأمول.
إن المنطق التاريخي لا يؤكد بأن أمر ما في زمن سلف وفي ظروف تختلف يمكن أن يكون خياراً ملائماً لزمن آخر وأن يحقق ذات النتائج. كما أن المنطق الواقعي الذي له حيثياته الكثيرة والمعقدة والمستجدة لا يشير إلى أن النقل التاريخي لوصفة معينة يمكن أن تستوعب ما هو قائم وتداعياته.
وأكثر من ذلك أن النزوع إلى الإكراهبالقوة لفرض القناعات والتجارب والتطورات لا يمكن أن يحظى بالإجماع المناسب. بالضبط كما أن الحتميات لا يمكن أن تستجيب للحوار أو حتى تعترف بالآخر او بالأفكاروالأعمالالأخرى . إن العالم لم يتشكل تاريخياً ولا واقعاً ولا مستقبلاً على صورة نمطية محددة ومعرفة سلفاً. إن العالم تشكل عبر صراع التناقضات،وإذا كان لكل فكرة نقيضها ولكل سلوك سلوكاً مغايراً له, فالمنطقي إن النتائج تختلف وبشكل متواتر، ومسار النتائج وأثارها هي التي شكلت الصيرورة التاريخية للبشرية، وليس الافتراضات المسبقة والحتميات المتخيلة.
أما وقد كان استعمال القوة غير المشروعةبواسطةالاستبداد في الحكم و الادارة أو بواسطةالارهاب هو الخيار المتاح أمام بعض حالات السلفية التجميعية لفرض رؤيتها النظرية وفرض نفسها كتشخيص لهذه الرؤية، وكبديل لما هو قائم ولما يحتمل ان يقوم، ان هذا الاستعمال غير المشروع للقوة حكم على المشروع السلفي برمته بالفشل. ذلك انه يتناقض مع طبيعة الحوار الوجودي القائم على التطور والتدرج والاختيار الأسلم، ويتناقض مع الواقع الذي هو حالة تجاوز لظروف المشروع السلفي وخياراته ،ويتناقض حكما مع المستقبل الذي أما أن يكون مخرجاً من مخرجات الواقع أو انه سياقا يتناقض مع حتميات مرجعياتها تاريخيه حكماً. لذلك يمكن القول بوضوح شديد أن المشروع السلفي في الحكم والإدارة وصياغة المستقبل يبقى مجرد محاولة للاشتباك في الصراع الدائر تعكس توجها نحو النكوص والخروج من السياق التاريخي العالمي، لا يتفق مع طبيعة الأشياء ولا مع طبائع الإنسان.
أما أن يكون التراث الإنساني والديني فيه خاصة مرجعية لأخلاقياتحميدة ،فهذا أمر إنساني، تقبله مدنية الإنسان وتحضره ونزوعه نحو الانسنة والتعايش، فالقيم التي تحكم السلوك الفردي والمجتمعي قد تتكامل ولا تتطابق بالضرورة معتلك التي تصلح لإدارة الانسان ولإدارة شؤونه وموارده وعلاقاته على الإجمال.
ومن عناوين المرحلة الراهنة جملة من العناوين الفرعية، منها الافتراض بأن بنية سلطوية ما تستطيع أنتقوم نصاب الأمور باتجاهات أكثر شرعية وعقلانية وفاعلية، ويمكن أن تقدم أنموذجا لخدمة الاستقرار والازدهار والحرية والإنسانية. إن التعويل على بنى السلطة المكرسة راهناً وتعود جذورها وصيغ العلاقات بين أطرافهاوالآخرينإلى ما كان هو النمط السائد في القرون الوسطى لا يمكن أن تقوم بالوظيفة المتطورة لبنية السلطة الحديثة. فليس من المعقول مثلا أن تقدم فئة مذهبية حاكمة نموذجا للحكم و للعلاقات وللتقدم وللنزوع الإنساني يتفق وجملة العناوين التي يمثلها السياق العالمي. فهل يا ترى تستطيع الفئات الحاكمة في أي قطر عربي أن تقدم أنموذجاً حديثاً وفاعلاً ومستقبلياً لنظام سياسي وأن تكون مرجعيتها بنفس الوقت ذات الرؤية الثيوقراطية أو المثولوجية التي أنشأت النظام أو بررت وجوده عبر الزمن؟
بل وهل من المعقول أن تقدم السلفية التجميعية على جملة من الإصلاحات يتحول فيها النظام الحاكم في مكان ما إلى نظام سياسي حديث مكتمل الشروط التحديثية الديمقراطية والملتزمة بحقوق الإنسان والتنمية والعدالة ... وما إلى ذلك؟
وهل يعقل أن تقوم طغمة عسكرية بتحقيق تلك الفرصة التاريخية وإيجاد نظام سياسي تشاركي إنساني النزعة يحقق السلام الاجتماعي والأمن الإنساني؟ مع العلم أن الخبرة الانسانية في مختلف بقاع الأرض تؤكد عكس ذلك .
أم هل يمكن لقبيلة ما أو مجموعة قبائل أن تصوغ حالة سياسية حديثة يسود فيها القانون وتتوزع فيها المكاسب وتنشط فيها الأحزاب السياسية كإطار للعمل السياسي المنظم والمستقر، وكوعاء لتداول السلطة بالانتخاب وبحرية الاختيار؟!
بل هل يمكن لمجموعة من الموتورين المرتبطين بدوائر خارجية وبثقافات نخبوية مفرطة في التقليد والنمذجة والإرتهان،أن تقيم نظاما عاما للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية قوامه المواطنين، كل المواطنين ووفق أنساق تتفق مع قناعاتهم وتعدديتهم؟
إن احتمالات الحسم لما يجري في العالم العربي يمكن أن تفضي إلى هذه الفئة أو تلك، من تلك التكوينات المتصارعة في دول العالم العربي، فهناك في مكان ما احتمال لان تحسم الموقف قوى تحالف فئات حاكمة تقليدية المرجعية والبنية والتطلع، وفي مكان آخر يمكن أن يحسم الموقف طغمة عسكرية موغلة في التعصب والانغلاق مولغةفي الدم والقتل والتدمير، وفي مكان ثالث هنالك احتمال لان تحسم الموقف بنية قبلية عشائرية تعرف ما لها ولا تعرف ما عليها، وهنالك احتمال أن تحسم الموقف في مكان رابع طائفة او تكويناً سلفياً او مجموعة إرهابية...،وربما هنالك من يعتقد انه ببعض الإصلاحات الشكلية والتجميلية يمكن أن يحسم الموقف لمصلحته؟!
كل هذه الفئات يحتمل أن تحسم موقفاً معيناً في بعض بؤر الصراعات الدائرة، ولكن السؤال الأهم، هل هنالك بين هذه الفئات من هو مؤهل لإدارة الدولة والمجتمع وإيجاد الصيغة المدنية لكينونة سياسية اجتماعية ما؟
هل بين هذه الفئات من كان يجسد خياراً محتملاً لتلك القوى الاجتماعية النظيفة والغالبة التي تحركت في الربيع العربي؟!
من يمكن أن ينقذ الأمة من هذا الجحيم المتنوع المصادر والتكوينات والمشروعات؟!
من يستطيع أن يخرج الأمة من مأزق التناقضات الذي يتفاعل على حسابها؟!
من يستطيع أن يضع الأمة في المسار التاريخي الصحيح وفي السياق العالمي الشامل؟!
بتقديرينا، هنالك مخرج واحد، هو العودة إلى روح وحركة وتطلعات وجماهير الربيع العربي.
الربيع العربي، كان حلما شرعيا للأمة استوفى شروط الولادة السليمة ولكنه لم يستوفِ شروط الحياة الملائمة.
أن شباب هذه الأمة مدعوون إلى إعادة النظر وبالتزام وحسم وبصيرة، ليستعيدوا فرصتهم بصياغة مستقبلهم وفقاًلرؤاهم ومصالحهم وتطلعاتهم، هذا هو الخيار السليم. أما تلك الخيارات التي يحتمل ان تكسب الجولة الراهنة في الصراع فقد تكون الجحيم المنتظر مستقبلاً كما أنها الجحيم القائم حالياً








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما الأوضاع في إدلب السورية والمناطق المحيطة بها بعد الزلزال


.. الكارثة في تركيا التي خلفها الزلزال أكبر مما هو متوقع وما هو




.. بداية تنازلات الحكومة الفرنسية في مشروع إصلاح نظام التقاعد؟


.. الجمعية الوطنية الفرنسية تناقش مشروع إصلاح نظام التقاعد وسط




.. في شمال غرب سوريا.. الزلزال المدمر يضاعف معاناة السكان ويعقد