الحوار المتمدن - موبايل


أسطورة المنهج في علم السياسة: الجزائر نموذجا

بوناب كمال

2017 / 2 / 27
مواضيع وابحاث سياسية


أزمةٌ حقيقية تشهدها أقسام العلوم السياسية بالجزائر، إذْ، وفي حالة وُصفت بالنادرة، بات عدد الأساتذة أضعاف عدد الطلبة. البعض أرجع هذا النفور إلى عدم توافق التخصص مع متطلبات الشغل، في حين ألقى آخرون باللوم على السياسة الحكومية، بيد أن الأمر يبدو أعقد من ذلك في حقيقته.
مناهج تدريس علم السياسة في الجزائر تبدو عاجزة على مواكبة التطورات التي عرفها الحقل؛ أو بالأحرى تتماهى كاريكاتوريا مع الهيمنة الغربية المركزية رغم اعتراف باحثي أمريكا الشمالية ذاتهم بأن مقاربات الحرب العالمية الثانية باتت غير مجدية لحل مشاكل العالم الثالث في فترة ما بعد الحرب الباردة. فعلى سبيل المثال، ولفترة ليست بالقصيرة كانت المدرسة الإنجليزية English school توسم بأنها "الأسوأ صيتا" في تاريخ المنهجية، لا لشيء سوى لأن أحد روادها هيدلي بول Hedley Bull كان قد دعا إلى مدخل تأويلي في التحقيق العلمي يراعي اعتبارات الفلسفة، الفن، الثقافة في تحليل علم العلاقات الدولية؛ طبعا نبوءات هيدلي بول حول " العصر الوسيط الجديد" كانت كفيلة بأن تنتصر على " الحزم الكمي السلوكي"؛ وفي ذلك لم يتم رد الاعتبار لفكر المدرسة الإنجليزية فقط، بل أن البعض رفعها إلى مصاف " النظريات البديلة" كما هو شأن باري بوزان Barry Buzan في 2014.
لم يتوافر إجماع بعد حول وجود " مدرسة صينية" Chinese school في العلاقات الدولية، بفعل أن " الطهارة الكونفوشيوسية" تضع أمام الباحثين الصينيين عوائقا تتعلق أساسا بالترجمة والاحتكاك المعرفي بالآخر، غير أنه بالمقابل لا خلاف حول صعود ناري لـ " الدراسات ما بعد الكولونيالية" التي جعلت من الباحث الهندي ـ الأمريكي محمد أيوب متميزا في طروحاته حول علاقة الدولة بالأقليات؛ اللافت للنظر أن ما بعد الاستعمارية المتشككة في " التسامي الكانطي" و " الكوزمبوليتنانية الخَلاصية" تدين في وجودها بشكل ما لـكتابات الثائر الجزائري فرانتز فانون Frantz Fanon.
إذن، هناك مراجعات كونية حثيثة لمقال ستانلي هوفمان Stanley Hoffman المثير للجدل سنة 1978 الموسوم بـ " العلاقات الدولية: علم اجتماع أمريكي"، فالأكيد أنه لم يعد كذلك، لقد كان باري بوزان سبّاقا في الترويج لـ " المساهمات المهملة" The neglected contributions التي غُيّبت بفعل مركزية التنظير وأحيانا عنصريته، وباستعارة كتابات برتراند بادي Bertrand Badie فإن العلوم السياسية تتركب من مجموعة من الرؤى والفلسفات الهامشية والمستبعدة، هذه الرؤى تشبه " الضاحية" بالنسبة لـ " الحكمة العالمية".
في أقسام العلوم السياسية بالجزائر حين يتم تدريس " الديمقراطية وحقوق الإنسان" مثلا، غالبا ما تُستحضر ثورتا القرن الثامن عشر (الفرنسية والأمريكية) كـ " لحظتين تاريخيتين" حاسمتين، غير أنه نادرا ما يكون هناك إرشاد لـ " ثورة العبيد" في هاييتي 1791 التي قد تكون هي الوحيدة المستوفية للمفاهيم المعيارية الثورية، ناهيك عن ثورة البلد الأم التي قدّمت أكثر من مليون شهيد، مثْل هذا التجاهل كان له " إغراق " سلبي لمفاهيم أصيلة كـ " الإمبريالية" و " البعد الحضاري"، هذه المعاني صنّفت في الجزائر ضمن خانة المصطلحات " الشعبوية" التي لا ترقى إلى مصاف " الأكاديمية".
تميل النزعة المهيمنة على منهاج علم السياسة في الجزائر إلى إقصاء أي اعتبارات للقانون الدولي والفلسفة؛ الحقيقة أن هذا الإقصاء تعسفي غير مبرر وربما ارتجالي؛ لقد كان فيلسوف علم العلاقات الدولية أولي وايفر Ole Waever حاسما في وصف التخصص بـ " المؤسسة" التي لديها قابلية الاستيعاب لباقي التخصصات الوافدة، لذلك ليس غريبا أن يبدو عدد ليس بالقليل من أساتذة العلوم السياسية في الجزائر غير ملمّ بأبعاد نضالية في السياسة الخارجية الجزائرية مستقاة أساسا من فلسفات قانونية تدعو ، كما هو شأن محمد بجاوي، إلى تغيير جذري في هيكلية النظام الاقتصادي الدولي، تلك الدعوة التي التقطها روبرت جاكسون Robert Jackson( أحد رواد المدرسة الإنجليزية) تحت مسمى " لحظة غروسيوس الجديدة".
هناك هندسة تعددية تصاغ للتخصص، غير أن الجزائر تراهن على السير في سياق " سطوة المسيطِر" تحت غطاء " صرامة المنهج العلمي"، مثل هذه الصرامة جعلت الأقسام خاوية على عروشها، ومالم تتم أقْلمة ومسايقة المعارف بما يتوافق وخصوصيات الدولة الثقافية والحضارية والاقتصادية فإن العلوم السياسية في الجزائر ستكون نهايتها على أيدي نفس الكليات "الكبرى" التي قامت ذات سنة باستيرادها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عن عمر ناهز 166 عاما.. رحيل أكبر معمرة أمريكية


.. النووي الإيراني.. طهران ترفض بالكامل مبدأ خطوة بخطوة


.. شاهد: فرق الإطفاء تحاول السيطرة على حرائق الغابات في جنوب إف




.. الصين والولايات المتحدة تتعهدان بالتعاون المناخي | #رمضان_ال


.. أندية الدوري الانجليزي تعلن انسحابها من دوري السوبر الأوروبي