الحوار المتمدن - موبايل


إيران ونحن ... ما العمل؟

خالد الحروب

2017 / 3 / 26
مواضيع وابحاث سياسية



تناقش هذه المداخلة اربعة احتمالات، غير حصرية، مستقبلية إزاء علاقة العرب بإيران وهي: اولاً، تطور وتصاعد المواجهات والصراعات الحالية إلى مستوى حروب اقليمية وشاملة ومدمرة. ثانياً، استمرار وضع المواجهات والصراعات على المستوى الراهن والذي يعني استدامة الاستنزاف والإنهاك المُتبادل. ثالثاً، التبريد التدريجي والإحتواء المُتبادل. رابعاً، حل الصراعات والانتقال إلى التعاون الجماعي الشامل ضمن نظام امن اقليمي. في المدى المنظور تغلب فرص الإحتمالين الاولين، برغم ان هذا لا يعني انعدام فرص الإحتمالين الآخرين. وترتبط فرصة كل واحد من هذه الإحتمالات الاربعة على مدى رغبة وقدرة الاطراف السياسية المختلفة في تغليب حسابات البراغماتية السياسية على النزعات الأيديولوجية والتوسعية وإغراءاتها، وعلى مدى بروز خطاب وممارسة سياسية اقليمية قائمة على المساومات والرهان على التعاون المستقبلي الذي يشترط تقديم الجميع لتنازلات معينة لقاء مكاسب التعاون الاقليمي.
ما تزال المنطقة العربية تتعرض لتدهور اقليمي وتفكك متزايد، خاصة وان عددا من بلدانها الرئيسة تقع في قلب العاصفة الاقليمية التي لم تهدأ في المنطقة، والتي تنخرط فيها ايران بشكل او بآخر، منذ الحرب الامريكية على العراق سنة 2003 على اقل تقدير، ثم ما تلا ذلك من حروب طاحنة وصلت مراحل متقدمة من الدمار سواء في سورية او العراق او اليمن. منذ ذلك التاريخ وحتى الآن لعبت ايران ولا زالت تلعب ادواراً متفاوتة في الازمات والحروب القائمة على اراض عربية، وهي الحروب التي تدفع فاتورتها وخسائرها بلدان ومجتمعات عربية. وفي خضم مصفوفة الازمات والتحالفات وحروب الوكالة والاحتمالات الغامضة وتبدل موازين القوى ومعها تبدل حضور وانسحاب قوى عالمية للمنطقة، تنفتح مستقبلات الشرق الاوسط والمنطقة على احتمالات عديدة. وتصطف غالبية هذه الاحتمالات في جانب المزيد من التدهور، خاصة في ظل التفكك العربي وغياب مواقف متماسكة وموحدة حتى ضمن منظومة مجلس التعاون الخليجي وهي المنظومة الوحيدة في المنطقة العربية التي ابقت على قدر معقول من التماسك والتضامن الداخلي.
الفكرة الاساسية التي تقدمها هذه المداخلة تتأسس على انه ليس بالإمكان تغيير الجغرافية الإقليمية، اي ان الجوار الإيراني ـ العربي مسألة حتمية ومتأبدة ولا يمكن تغييرها، لكن من يمكن تغييره والتأثير فيه هو التاريخ والسياسة. على ذلك فإن مصلحة العرب وإيران تكمن في انهاء مرحلة الصراعات والتوجه نحو مرحلة التعاون والامن الاقليمي. البقاء في مرحلة الصراعات لا يعني سوى المزيد من الإنهاك والمزيد من الدمار.
في مقاربة الخيارات المطروحة الحالية والمستقبلية، اعلاه، من المهم الإنطلاق، عربياً، من محاولة فهم إيران وما الذي تريده، وكذا الخليج العربي وما الذي يريده. يمكن القول اولا بأننا إزاء عدة هويات سياسية وايديولوجية وتعريفية لإيران وليس ثمة هوية او تعريف حصري واحد يُجمع إيران وكأنها كتلة صلدة واحدة ومتناغمة. الهوية الإيرانية الاولى هي هوية الدولة الدينية المتحفزة شيعياً، والمُقادة من قبل الحرس الثوري، والمُتسمة بالرغبة الجارفة نحو التوسع ومد النفوذ. وهذه الهوية تستفز الجوار العربي والاقليمي بطبيعة الحال، كما تستفز رد فعل سلفي ديني على المستوى الاقليمي يعزز من الإنشطار الطائفي. الهوية الثانية هي الهوية الفارسية القومية متنوعة التشدد، والسمة الاساسية لهذه الهوية، لجهة العلاقة مع العرب والجوار، هو العداء القومي تجاه العرب والنزعة الامبرطورية المتضخمة، وتتلاقى هذه الهوية مع الهوية الدينية في توجهات التوسع وبسط النفوذ الاقليمي. والهوية الإيرانية الثالثة منطلقة من وتحوم حول الدولة الوطنية nation state والتي تتحرك وتعيش وفق قوانين الدول الوطنية في البحث عن المصالح والاستراتيجيات وتعتمد البراغماتية السياسية. هذه الهوية هي التي توفر نافذة لمستقبل افضل نحو التعاون الاقليمي القائم على قاعدة المصالح المشتركة.

هذه الهويات الايرانية الثلاث منخرطة في علاقة ودينامية معقدة ومركبة بين بعضها البعض، تتنافس حول مساحات، وتلتقي في مساحات اخرى، لكن لا تتناغم بالضرورة حول كل السياسات والقضايا وفي كل الاوقات. وثمة توتر دائم بين هوية الدولة الوطنية والهويتين الاخريين. كما ان لكل واحدة من هذه "الايرانات" فاعلين في التراتبية السياسية والعسكرية. وخارجياً تشتغل هذه الايرانات في السياسة الخارجية اقليميا ودوليا بشكل يتبدى وكأنه تقسيم ادوار لكن ليس بالضرورة ان يكون ذلك بتخطيط وتنظيم مسبق ومحكم. ومن وجهة نظر عربية مُستقبلية تتركز الرغبة في التعامل مع ايران كدول وطنية، ومع الاطراف الداخلية التي تعبر عن هذه الايران على حساب إيران التوسعية والامبرطورية سواء أكانت الدينية ام الفارسية. وتنامي واستقواء إيران الدولة الوطنية وترسخها مقابل الهويات الاخرى هو احد الأسس الضرورية لبسط مساحات التعاون الاقليمي المستقبلي. ذلك ان إيران الهويات الاخرى، الدينية والامبرطورية، لا تعرفان على وجه التحديد ما الذي تريدانه بعيدا عن الشعارات الكبرى والاحساس بالمجد والتفوق على الاخرين. في المقابل يمكننا تصور ان الدولة الوطنية الايرانية اكثر عقلانية وادراكا لما تريد كالامن والاستقرار والاقتصاد والتنمية، وهذا بالإمكان ترجمته عبر تعاون اقليمي ودور فاعل في المنطقة من دون اين مصحوبا بالنفوذ والسيطرة، وهذه الاهداف مشروعة وهي نفس الاهداف التي تريد الدول العربي ة ودول الخليج تحقيقها لنفسها.

عند تناول نفس السؤال حول تعريف وهوية الدولة في منطقة الخليج العربي يمكن القول ان ليس ثمة التباس هنا، ذلك ان تعريف هذه الدول لذاتها او هويتها السياسية (بخلاف حالة ايران)، قائم وبوضوح وصرامة على فكرة الدولة الوطنية. ليس هناك ايديولوحيا توسعية لا دينية ولا قومية. التيارات السلفية الجهادية وغير الجهادية منها تتحرك في اغلب الحالات على الضد من الدول الوطنية، واحيانا كثيرة تهاجمها. كما ان القومية العربية ليس لها فاعلية تذكر في تحديد الهوية السياسية لهذه الدول. وتدرك هذه الدول بأنها لا تريد مواجهة ايران ثلاثية الابعاد: الشيعية، والقومية، والدولة الوطنية، كما انها في حالة توازن غير متماثل معها من ناحية القوة العسكرية وربما النووية. لكن هذا لا يعني ان ميزان القوى العسكري محسوم لصالح ايران، إذ من المعروف ان عقود الحصار العسكري والاقتصادي انهكت المؤسسة العسكرية كما انهكنت الاقتصاد الايراني. لكن المحصلة النهائية الراهنة هي وجود القدرة والإمكانية على الانخراط في صراعات استنزاف طويلة الامد، مدمرة للطرفين معاً.
من اجل ذلك وبسببه من المهم دفع العلاقة العربية ـ الايرانية الى مربع العلاقات التبادلية بين دول وطنية، وليس بين دول وطنية ودولة امبرطورية او توسعية. ورغم ان هذا الكلام يبدو حالما وطوباوياً لكنه في الجوهر سياسي وبراغماتي ومُمكن، لأنه يطرح السيناريو الوحيد الذي يمكن ان ينأى بالمنطقة كلها من دمار شامل وطويل الامد. في قلب هذا السيناريو الإقرار المتبادل بالحفاظ على السيادات وتأسيس علاقات اقتصادية تقود البلدان إلى استقرار وتنمية في الخليج وفي ايران لأن غياب التنمية وانهاك الاقتصاد لا يعني إلا بروز سياسات راديكالية وتطرف يدمر الذات والاخرين. ليس من مصلحة العرب وجود ايران، كدولة وطنية، منهكة داخلياً ومحطمة اقتصاديا ومُنتجة للتطرف والافكار التوسعية. وليس من مصلحة ايران دمار الجوار العربي في العراق والخليج واليمن لأن هذا ايضا معناه تناسل التطرف الديني والطائفي إلى ما لا نهاية. من مصلحة الطرفين اللجوء إلى منطق الدولة الوطنية التي تكبح جماح تطرفها، وتنزع نحو المصلحة المشتركة مع الجوار.

لا يبلغ العداء الحالي بين ايران والخليج العربي عشر العداء الالماني ـ الفرنسي ولا الالماني ـ البريطاني عقب الحرب العالمية الاولى والثانية، والذي خلفت اكثر من مائة مليون قتيل. ومع ذلك وبعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب انخرطت هذه الدول في نظام تعاون اقليمي اقتصادي وامني على قاعدة المصالح المشتركة، وعلى قاعدة تقديم تنازلات كبيرة، وإنهاء مزاعم ورغبات النفوذ والسيطرة. وكانت النتيجة هي قيام اكبر كتلة اقتصادية فعالة في العالم هي الاتحاد الاوروبي. الدرس الاوروبي يقدم لنا مثالاً جذابا وجديرا بالتأمل العميق في تحويل العداء إلى علاقة تعاون مشترك. ما يواجهه العرب وايران واحد من مسارين: الاستمرار في التدمير المشترك، او الإنطلاق نحو التعاون المشترك.



** مداخلة في ندوة "منطقة الخليج العربي والتحديات الاقليمية"، بتنظيم النادي الثقافي، مسقط ١٥ مارس ٢٠١٧








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إسرائيل تدمر برج -الجلاء- في غزة


.. فلسطين وإسرائيل/900 معتقل من فلسطينيي 48


.. غارة إسرائيلية تدمر برج -الجلاء- في غزة




.. شاهد | لحظة قصف وانهيار المبنى الذي يضمن مكتب قناة الجزيرة ف


.. شاهد.. لحظة تدمير برج الجلاء المؤلف من 11 طابقا في غزة