الحوار المتمدن - موبايل


التسامي في الحب عند رابعة العدوية

كريم الوائلي
(Karim Alwaili )

2017 / 3 / 27
الادب والفن


التسامي في الحب عند رابعة العدوية
الدكتور كريم الوائلي

لا يصمد الرأي الذي أرساه كارلو نلينو للنقاش حين أكد ان الزهد نشأ في العصر الجاهلي ،واستشهد بأبيات شعرية لعدي بن زيد العبادي ، تشتمل على نظرة تأملية للحياة والموت والفناء والزوال ، لأن هذه الأفكار عامة لدى شعراء لا علاقة لهم بالديانات السماوية ، وأكثر من هذا أن الزهد تأسس على فلسفة خاصة هي جزء من رؤية للعالم والمجتمع والإنسان .

وإذا كانت أفكار نلينو تتسم بالمبالغة في إرجاع الزهد إلى مصدر وحيد هو الجذور الدينية المسيحية بحجة أن عدي بن زيد العبادي كان نصرانيا ، فإننا لا نبالغ كمبالغته فنرجع كل جذور الزهد إلى مصدر واحد ، إذ لا شك ان عناصر عديدة أسهمت في تطوره ونموه وتحوله من ثم إلى تصوف . صحيح ان العقيدة الإسلامية صبغت الزهد والتصوف بملامح عامة ، غير أن هناك مؤثرات تأتت من مكونات هندية وبوذية ومسيحية وغيرها .

وقد أسهمت عناصر جوهرية في تطور الزهد ، وبخاصة في العراق في العصرين الأموي والعباسي ، فلقد أسهمت عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية ، وكان العامل السياسي أكثرها فاعلية ، حيث كان لحكام الدولة الأموية دور كبير في تطور الزهد بوصفه ظاهرة متميزة ، فقد كان يتعامل الحكام والولاة الأمويون مع الرعية بطريقة لا تخلو من القمع والعنف والاستبداد ، وبخاصة مع خصومهم ومعارضيهم، الأمر الذي دفع بعض الناس إلى الانسحاب من الحياة والتجائهم إلى الله لينقذهم مما يعانونه من عنت واستبداد ، وربما ارجع بعض الباحثين هذه الحالة إلى مرحلة زمانية سابقة .

واسهم المجون والترف بوصفهما أبرز مظاهر المروق عن الدين في ردة فعل جعلت بعض الناس يميلون إلى الزهد ، إذ ان لك فعل رد فعل يقابله في الطبيعة ويعارضه في الاتجاه ، كما ان التفاوت الطبقي الذي وزع الأمة إلى طبقتين مترفة بيدها كل مظاهر الترف والحكم أيضا ، ومسحوقة تعاني الفاقة والعوز والجوع ، قد اسهم تحت تأثير الحاجة إلى زهد بعض الزاهدين .

واتخذ الزهد شكلين في العصر العباسي ، الزهد السلبي والزهد الإيجابي ، أما الزهد السلبي فهو انكفاء على الذات وانسحاب من الحياة واعتكاف عن ممارسات أي نشاط ، إذ ليس للزهد من دور في الحياة الاجتماعية ، ولقد اسهم أبو العتاهية في كلا النمطين ، حيث يقول في النمط الأول :



دعـني مـن ذكــر أب وجـــد ونســب يعليـك ســور المجــد

مـا الفخـر إلا فـي التـقى والزهد وطاعـة تعطــي جنــان الخلــد

إذ يبتعد الشاعر تماما عن كل مظاهر الحياة التي تتأسس على أساس التفاضل بين الناس على أساس عرقي أو سياسي أو اقتصادي ، ويرجع التمايز إلى « الطاعة ، والتقوى ، والزهد » .

ومن الغريب أن أكثر الشعراء الزهاد والمتصوفة ينحدرون من أصول غير عربية ، إذ ربما يشعرون بوضاعة أصولهم ، ولكن ما كان سببا للزهد قد يكون سببا للمجون ، فإن أغلب المجان ، كانوا أيضا من أصول غير عربية .وقد تكون هذه الأصول بدفع بهم إلى أحد التيارين المتعارضين .

أما الزهد الإيجابي فهو المشاركة بالحياة العامة الاجتماعية والسياسية ، وكان لأبي العتاهية الدور الأكبر في ذلك يقول :

مـا أقبــح التزهيـد مـن واعـظ يزهد الناس فـي الدنيـا ولا يزهــد

لـو كـان فـي تزهيـده صادقــا أضحــى وأمسـى بيتـه المسجــد

ويقول في الملوك :

إن الملـوك بـلاء حيثمــا حلــوا فـلا يكـن لـك في أكنافهـم ظــل

ماذا ترجـى بقـوم إن هـم غضبـوا جاروا عليك وإن أرضيتهـم ملــوا

فاستغـن بـالله عـن أبوابهـم كرما إن الوقــوف عــلى أبوابهـم ذل

أو يتحدث عن الظروف الاقتصادية :

مـن مبلــغ عنـي الإمـــام نصائحــا متــواليــــة

إنـــي أرى الأســــــعــــــار أسعــار الرعيـة غاليــة

وأرى المكـــاسـب نــزرة وارى الضــرورة فاشيــة

وأرى همـــوم الــدهـــر رائحــة تمــر وغاديــة

وأرى اليتـامــى والأرامــل فــي البيــوت الخاليــة



ويلتقي الدارس مقطوعات زهدية تفيض صدقا ورقة ، كما هو في قول البهلول :

يـا مـن تمتـع بالدنيـا ولذتهــا ولا تنــام عـن اللـذات عينــاه

شغـلت نفسـك فيمــا لا تدركـه تقــول لله مــاذا حــين تلقـاه

ولعل اكثر القصائد صدقا تلك التي أبدعها شعراء تابوا بعد مجون وفسق كبيرين ، ومن ذلك زهديات أبى نواس ،يقول :

يـا رب إن عظمـت ذنوبـي كـثرة فلقـد علمت بـأن عفـوك أعظـم

إن كـان لا يرجـوك إلا محســـن فبمـن يلـوذ ويستجـــير المجـرم

أدعــوك رب كمـا أمـرت تضرعـا فـإذا رددت يـدي فمـن ذا يرحـم

مـالي إليـك وسيلــة إلاالرجـــا وجميـل عفـوك ثـم أنـي مسلــم



وتمثل رابعة العدوية منعطفا في شعر الزهد والتصوف ،إذ أسهمت في تأصيل مفاهيم صوفية ، وانتقلت من الزهد إلى العشق الإلهي ، ولعل اشهر مقطوعاتها :



احبــك حبيــن حـب الهـوى وحبـــا لأنـك أهــل لـذاكـا

فأمـا الـذي هـو حـب الهـوى فشغـلي بذكـرك عمـن سواكـا

وأمـا الذي أنـت أهـل لـــه فكشفــك للحجـب حـتى اراكـا

فـلا الحمـد فـي ذا وذاك لـي ولكــن لك الحمـد في ذا وذاكـا

وتشتمل الأبيات الشعرية على التسامي في حب الذات الإلهية ، والفناء في هذا الحب والاستغراق المنطوي على الوله والاشتياق ، حيث يكون الله تعالى الغاية التي ليس بعدها غاية يطلبها المريدون يشغف ولهفة المحب إلى لقاء حبيبه ، وتنتابه نزعة الشوق إلى قربه كل حين .

وتعكس هذه الأبيات انطباع الإنسان نحو الله لتعرض نوعين من الحب الإلهي ، يتمثل أحدهما في شكره وحمده على إنعامه الجزيل الذي أسداه على خلقه ، ويتمثل الثاني في المضمون الصوفي الذي يرى ان الله يتجلى للمخلصين من مريديه ، فيكشف لهم الحجاب ، حين ينظرون اليه .

إن هذا الحب يمثل الحب الأسمى عند رابعة ، وعند المتصوفين عموما ، لأن الله أهل له ، سواء أنعم على العباد أو لم ينعم ، وبهذا يكون الغاية في العبادة والخشوع .

إن ثنائية الأنا/ الشاعرة ، والآخر / المطلق ، تتجلى واضحة لتعبر عن تلاحم البشري بالسماوي ، في لحظة اتحاد يسمو فيها الإنسان إلى خالقه ، حيث يحتمي الفرع بأصله ، ويرجع المحب / الإنسان إلى المطلق ، ليستمد منه الرحمة والحنان والحب والجمال ، ومن هنا يتم تفسير وله المتصوفة بالذات الإلهية وانشغالهم المفرط بالله إلى درجة العيش على هامش الحياة بعيدا عن رغباتها وشهواتها .

وتعبر الأنا / الشاعرة عن وجودها وكينونتها عبر فعل قلبي « احبك » ، لأن التجربة الصوفية تجربة وجدانية يحكي فيها الصوفي عن نفسه ، وإن لهذه اللفظة ثلاثة أبعاد:

1 ـ فعل المحبة في الزمنين الحالي والآتي ، بمعنى العيش في زمن استغراق الفعل .

2 ـ فاعل الفعل الذي يعبر عن التجربة الوجدانية المحبة .

3 ـ ما وقع ليه فعل المحبة « الله » الذي تم التعبير عنه ، بوصفه موجودا مخاطبا مفردا .

ويتبدى الحب لدى رابعة في نمطين ،يؤكد هذه الثنائية المتلاحمة ، أولها حب الهوى الذي تكون فيه الشاعرة فاعلة ،لانشغالها بذكر المحبوب وحده دون سواه ، أي أنها علاقة توحد تتجاوز الاشتراك ، فهي متوحدة منفردة تتوحد بالذات الإلهية ، وثانيهما : الحب اللائق بالذات الإلهية ، الذي يقوم فيه بكشف الحجب عن المحب ، كي يتمكن من رؤية محبوبه ، رؤية قلبية لا تعرف التحدد والتجسيد .

وتكشف الشاعرة عن أناها عبر ضمير الأنا ، وعن المطلق بضمير المفرد المخاطب ،« أحبك » ويتوحد المكونان ، الأنا والأنت ، من حيث الدلالة ، ومن حيث الرسم اللغوي «أحب + ك » ويبدو ان الشاعرة تؤكد توحدها بمحبوبها على الرغم من محدودية وجودها ، ومحدودية التعبير اللغوي ، فالشاعرة محدودة بوصفها جسما مخلوقا ، تكشف عن أناها بـ « أحبك » ، وتمتزج كاف الخطاب ،بالمحب ، وتقع الأنا بين فعل الحب والمخاطب ، « أحب أنا أنت » .

إن قافية القصيدة تشتمل على حرف الروي « الكاف » وألف الإطلاق ، وكأن التشكيل اللغوي يبدأ من المحدود في أول البيت يتصل بالمطلق عبر ألف الإطلاق ، وليس خافيا ان الألف بوصفه رمزا تدل عند المتصوفة على المطلق ، ولقد أكثرت الشاعرة من لفظتي الهوى والحب لأنهما أوسع دلالة بحيث مكنا الشاعرة ان تحلق بهما إلى ابعد مجالات الخيال .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صباح العربية | مشروع سعودي لترميم الذاكرة السينمائية


.. صباح العربية | فيلم الأنمي -قاتل الشياطين- قريبا في المنطقة


.. الممثل الأمريكي جيف بريدجز يعلن إصابته بسرطان الغدد الليمفاو




.. هل تصدق الرواية الألمانية عن طفلة الروضة؟ ولماذا غضب الائتلا


.. رائعة الشاعر الاديب فراس الوائلي البلابل السوداء