الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حلم ثقافي -- جليس مقهى

محمد التهامي بنيس

2017 / 5 / 13
الادب والفن


حلم ثقافي
جليس مقهى
في مجلسنا اليومي للترويح عن النفس . ذات لحظة , شعرت بملل مما سمعته من حديث بعض جلساء المقهى . المقهى التي كان قد جذبني إلى فضائها بعض روادها ممن يمر خيط التفاهم بيننا ويستفيد بعضنا من بعض , فتوطدت علاقاتنا كما لو أن كلا منا انتقى إخوانا وأصحابا في مجلسنا فيها . مللت حديث الغيبة والنميمة والنبش في الأعراض . كما مللت الكلام المباح وتقيؤ ما في جرائد الصباح . ومللت الخوض فيما يغذي البطن وإهمال غذاء العقل . فلاحظ أحد الجلساء تعبيري عن الامتعاض بالتثاؤب . ولمح إلى أن مجلسنا لم يعد كما عهد فيه وقد افتقد تلك الأجواء التي ظلت تميزه . فما كان مني إلا أن عقبت على ملاحظته , بترديد ما أنشده أبو عبد الله الأعرابي ( صاحب الغريب . وهو علامة من أهل الكوفة ) حيث قال :

لنا جلساء ما نمل حديثهم ألباء مأمونون غيبا ومشهدا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا
بلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة ولا نتقي منهم لسانا ولا يدا
شكرني جليس حميم على أدب تحويل النقاش إلى ما يرفع شأنه بيننا . مرددا مع إسماعيل الكاتب قوله : خير الكلام قليل على كثير , دليل
والعي معنى قصير يحويه لفظ طويل
وانخرط ثالثنا في تقديم رأيه في نوعية الحديث المنبوذ في مجلسنا , ودون أن يشير أو يجرح أحدا . فقال على لسان ابن أبي حازم
أوجع من وقعة السنان لذي الحجا , وخزة اللسان
وقال رابعنا مازحا . الحمد لله أن ما يجمعنا هو الصداقة ولسنا من عشيرة واحدة . وإلا لكان حديث أبي أيوب الأنصاري كافيا لنفض مجمعنا , لأنه ينصح بأن من أراد أن يكثر علمه , فليجالس غير عشيرته , ونحن لسنا من عشيرة واحدة وتجمعنا صداقة لا نريد أن يعكرها كلام تافه أو ساقط . اللهم من بعض المستملحات التي نحمض بها متى أحسسنا الملل والتعب
فتدخلت مذكرا بأننا اقترحنا على مالك المقهى – وهو يوفر للزبائن أهم الصحف يوميا – أن يجعل منها ما يشبه ناديا ثقافيا . ولكنه فضل كغيره هامش الربح فجعل منها ميدانا رياضيا تشاهد المباريات على شاشة ضخمة . ورغم ذلك . فالمقهى من حيث الموقع الجغرافي , أنسب لمجمعنا ومجالسنا واهتماماتنا . لا زلنا نفضلها على غيرها . وما يجمعنا فيها هو الألفة القائمة بيننا واستئناسنا بوجوه بعضنا البعض . وغضنا الطرف على ما دون ذلك . وإني أعتبر المقهى حيزنا اليومي كمتقاعدين , لتذوق طعم الحروف ونكهة الكلمات ومناقشة أجود النغمات وأعمق الأفكار مع تقييم ما يقرأ سواء في جريدة أو كتاب أو حتى على شاشة هاتف محمول أو لوحة

إلكترونية قدر لنا أن نتعايش مع تقنياتها ونتبادل خبراتها ومستجدات الاستفادة منها . لملء الفراغ الذي أوقعه التقاعد على حياتنا , وهذا لعمري نابع من روح الإخاء الذي يلخصه قول شاعر : اصحب خيار الناس حيث لقيتهم خير الصحاب من يكون عفيفا ونطمع أن تدوم هذه الأخوة بيننا ما دام المرء منا مجبولا على الاقتداء بجليسه وتأثر كل منا بالآخر وبعلمه ومدى استقامته , فلا شيء أدل على شيء من الصاحب لصاحبه , ولله در من قال : عن المرء لا تسل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي

وبدون استئذان . فرض الحوار نفسه على الجلساء . فانضم إلينا فنان عازف كمان وأستاذ في موسيقى الآلة , وهو يحفظ لكثير من الشعراء العرب . فقال لنا على لسان شاعر آخر : عقل الفتى ممن يجالسه الفتى فاجعل جليسك أفضل الجلساء
وزاد معقبا . خلوة الإنسان خير من جليس السوء . وجليس الخير في مجلسكم خير من جلوس المرء وحده . فحقا أقول : إنكم ترفعون شأن المجلس ولو أنه في مقهى عمومية . وإذا رضيتم بانضمامي , فإني أقترح عليكم . أن نتناول في كل أسبوع موضوعا , نعطيه حقه مما نعرف عنه . وإذا تجلت أهميته نوثق له ونعمل على إغنائه . ونفكر في طريقة لتعميم فائدته
فرد عليه أكثر من متدخل مرحبين بانضمامه . ولكن أحد الجلساء اشترط أن يكون الموضوع مقبولا لدى ثلاثة على الأقل , حتى يكون الانتقاء شبه جماعي , ويترأس كل جلسة أحد الثلاثة على أن يتم التطوع للقيام بمهمة المقرر أو يقع الاتفاق عليه حفاظا على روح الإخاء والتوافق وإبعادا لكل هيمنة قد تخل بعفاف البقية
وعلى غير المتوقع لوحظ انسحاب أصحاب الأحاديث المائعة من تلقاء أنفسهم . لأن الغربال الذي فرض نفسه , هو الرغبة في المشاركة فيما يرفع شأن المجلس , والقدرة على تبادل الإفادة. وذاع صيت المجلس بين رواد المقهى على تنوع مشاربهم وانشغالاتهم . حتى أنهم ومن تلقاء أنفسهم تركوا ذاك الحيز الذي لوحظ اعتيادنا على الجلوس فيه – ما عدا خلال أيام نقل مباراة في كرة القدم – حيث تتحول القاعة المتسعة إلى مناصري الفريقين المتباريين ويكثر ضجيج التشجيع وتحليل الأخطاء . مما يجعلنا نغادر أو نتفرج على جمهور المقهى واستراق بعض النظرات إلى الشاشة وخاصة إذا كانت هناك لقطة تستحق الإعادة
ولعل كل ذلك لم يفسد للود قضية . فلا زالت مجموعة المجلس تلتقي على الخير . ولا زال كل يوم يحمل جديد جلسته . وأصبح المجلس ملجأ للمشورة وتبادل الآراء ومناقشة الأفكار . ولو في ظروفه التي لا تناسب . في انتظار أن يتوفر في العاصمة العلمية , صالونا أو مقهى ثقافيا حتى لا أقول علميا

فاس . محمد التهامي بنيس

13 – 5 – 2017








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عام على رحيل مصطفى درويش.. آخر ما قاله الفنان الراحل


.. أفلام رسوم متحركة للأطفال بمخيمات النزوح في قطاع غزة




.. أبطال السرب يشاهدون الفيلم مع أسرهم بعد طرحه فى السينمات


.. تفاعلكم | أغاني وحوار مع الفنانة كنزة مرسلي




.. مرضي الخَمعلي: سباقات الهجن تدعم السياحة الثقافية سواء بشكل