الحوار المتمدن - موبايل


الثورة البيضاء : نحو مقاطعة فلسطينية جادة للمنتجات الإسرائيلية .

حسن عطا الرضيع

2017 / 5 / 27
الادارة و الاقتصاد


الثورة البيضاء : نحو مقاطعة فلسطينية جادة للمنتجات الإسرائيلية .
تعتبر المقاطعة الاقتصادية أو ما تُسمى بالثورة البيضاء أحد أبرز أساليب المقاومة للاحتلال عبر تطاول العصور وكر الدهور, حيث ساهمت المقاطعة الاقتصادية التي قام بها الشعب الهندي ضد منتجات الاحتلال البريطاني وخصوصاً الملح دوراً مركزياً في إنهاء الاحتلال ونيل الاستقلال السياسي للشعب الهندي.
إذ شكلت مسيرة الملح الذي قادها غاندي وآلاف الهنود في 12 مارس 1930 تحدياً كبيراً للإنجليز وحققت أضراراً حقيقية للمستعمر البريطاني.
إن مسيرة الملح التي نظمها غاندي لم تكن مجرد مسرحية سياسية, ففي عملية تحدٍ بسيطة قام آلاف الهنود بالسير إلى البحر وجمعوا ملحهم بأيديهم , وبذلك خرقوا قوانين الضريبة التي فرضت على الملح, ورغم بساطة تلك العملية إلا أنها شكلت نموذج حي يُقتدى بها للشعوب النامية والتي تعاني من ويلات الاحتلال, ومنهم الشعب الفلسطيني الذي يخضع للاحتلال بكافة أشكاله, حيث لا يقتصر على الاحتلال العسكري, بل الارتهان والتبعية لاقتصاد السوق الإسرائيلي الذي رهن قوت وحياة الفلسطينيين لسياسات وزارات الأمن والاقتصاد والتجارة الخارجية وإجراءات البنك المركزي الإسرائيلي والذي كبحت جماح نمو الاقتصاد وتحسين مستويات معيشة الفلسطينيين خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
يعاني متخذي وصانعي القرار السياسي الفلسطيني لحكمة وحنكة غاندي من الناحية السياسية والاقتصادية, حيث شكلت العقلية التي يتسم بها غاندي نذيراً بالثورة والتمرد الناعم ضد الاحتلال, فخلال ساعات قطع غاندي مع أتباعه 241 ميلاً إلى أن وصلوا إلى مدينة داندي على البحر, احتجاجاً على احتكار الحكومة البريطانية المستعمرة لصناعة الملح في الهند, وفرضها ضريبة باهضة عليه, مما جعله خارج متناول الأغلبية العظمي من الناس, ووصف غاندي تلك الضريبة بأنها " أكثر ضريبة لا إنسانية يمكن أن تتفتق عنها عبقرية الإنسان".
إن اسلوب المقاطعة الاقتصادية للمنتجات الإسرائيلية بات ضرورياً في الحالة الفلسطينية, وتعتبر الحملات المناهضة للاقتصاد الإسرائيلي نماذج وأساليب حضارية ذات قيمة ومردود إيجابي على المدى الطويل لا تقل أهمية عن نتائج الكفاح المسلح والعمل التفاوضي والمقاومة السلمية حيث أن لكلاً منهم دور في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي, إذ لا يمكن فصل المقاومة الاقتصادية عن أنواع المقاومة الأخرى.
كما وتُعتبر أحد أوجه المواجهة والمقاومة المشروعة ضد الاحتلال حتى تنال الشعوب حريتها واستقلالها. ويمكن تعريف المقاطعة (الاقتصادية) بمفهومها العام: إيقاف التبادل السلعي والخدماتي بشكل كلي أو جزئي مع الطرف المراد مقاطعته بما يخدم مصالح وأهداف الطرف الداعي للمقاطعة ، ويشمل التعامل الاقتصادي والخدماتي بكافة أشكاله أي وقف التبادل السلعي والخدماتي مع الطرف المطلوب مقاطعته وخاصة في أوقات الأزمات بهدف التأثير عليه سياسياً أو أضعافه عسكرياً واقتصادياً ، وغالباً ما يتم اتخاذ قرار مقاطعة طرف أو أكثر في حالة وقوع الأزمات السياسية أو الحروب أو حتى الاختلافات العقائدية بهدف إحداث الضغط والتأثير على الطرف الآخر بما يخدم المصالح العليا العامة وليس مصالح بعض الأفراد ؛ ومن أروع صور المقاطعة بالتاريخ الفلسطيني الحديث ( إضراب عام 1936) الذي قام بتنفيذه الشعب والثوار الفلسطينيون ضد اليهود والاحتلال البريطاني وقد استمر هذا الإضراب لمدة ستة أشهر مسجلا أطول وأفضل إضراب (مقاطعة ) في التاريخ.
شهدت الأراضي الفلسطينية وتيرة متسارعة لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية وتحديداً منتجات المستوطنات في السنوات الأخيرة وإن كانت في الضفة الغربية أكثر من قطاع غزة.
وتعتبر المقاطعة الاقتصادية سلاح مهم في وقف العدوان وتحميل إسرائيل للمزيد من الخسائر الاقتصادية لأسباب منها تراجع استهلاك المنتجات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية حيث سيزيد العبء على الاقتصاد الإسرائيلي , خصوصاً أن الأراضي الفلسطينية تستحوذ على 8-10% من الشيكل الُمصدر من البنك المركزي الإسرائيلي , وبالإمكان مستقبلا التأثير على ذلك بإحلال بدائل أخرى وأهمها إصدار الجنيه الفلسطيني والذي يحتاج لاستقلال كامل للأراضي الفلسطينية ولاقتصاد منتج ولغطاء من الإنتاج الوطني , وكون النمو الاقتصادي الإسرائيلي يعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات, والسوق الفلسطيني هو الأكبر بالنسبة لإسرائيل فمن الممكن تأثره وبشكل محدود وبشكل أكبر في حالة استمرار المقاطعة الدولية للمنتجات الإسرائيلية.
إن صعوبة نجاح حملات المقاطعة بغزة يعود لأسباب منها ما تؤكده المؤشرات الاقتصادية الكلية من وجود اختلال هيكلي وبنيوي في الاقتصاد الفلسطيني وسيادة الطابع الاستهلاكي حيث يزيد الاستهلاك عن الدخل, وكذلك فشل خطط الحكومات المتتالية لبناء اقتصاد منتج وسوي قائم على تعظيم الموارد المحلية وتنمية قيم التنوير والإنتاجية على حساب قيم النهب والسرقة والتسول , والاعتماد بشكل كبير لموازنات السلطة على ضرائب القيمة المضافة والتي يتم جبايتها من الفقراء, والمساعدات الخارجية وضعف جباية ضرائب الدخل المباشرة محليا لتراجع حجم الإنتاج وبسبب الانقسام السياسي, وافتقار سياسات السلطة الفلسطينية لدعم الإنتاج الوطني , والابتعاد تدريجياً عن فلسفة الاعتماد على الذات وغياب رؤى الحكومات عن الحكمة الصينية القائلة " لا تعطيني كل يوم سمكة , وإنما علمني كيف اصطادها.
إن نجاح حملة المقاطعة الاقتصادية الفلسطينية للمنتجات الإسرائيلية يحتاج لإرادة سياسية ولإرادة المستهلك الفلسطيني, وكذلك توفر المنتج الوطني البديل ذو الجودة التي تضاهي جودة المنتج الإسرائيلي وبأسعار مناسبة لمستويات المعيشة في الأراضي الفلسطينية , ولحجم معين من الإنتاج قادر على سد النقص الموجود, أي بإمكانك جلب الحصان إلى النهر, لكن لا تستطيع إجباره على الشرب , تلك الفلسفة التي يمكن إسقاطها على حجم اقبال الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية على برامج المقاطعة الاقتصادية للمنتجات الإسرائيلية التي لا زالت تغزو السوق الفلسطيني وبشرعية بروتوكول باريس الاقتصادي .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الولايات المتحدة والصين.. تاريخ من الخلافات الاقتصادية | #عا


.. بؤر ساخنة لوباء كورونا ترفع القيود وتعود لحياتها الطبيعية |


.. أولوية اقتصادية وأمنية.. المجلس الأطلسي يفسر اهتمام الإدارة




.. تعافي متوقع للاقتصاد العالمي لكن بشروط | #الاقتصاد


.. علي النجمي: بجانب الحروب وباء كورونا أدى إلى تدمير متاحف الع