الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


في شروط إعادة بناء اليسار.. ملاحظات أولية

أحمد زوبدي

2017 / 6 / 12
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


اليسار اليوم في حاجة إلى إعادة انطلاقه لأجل مد جسور سلطة مضادة لتغيير ميزان القوى لصالح الطبقات الشعبية المتضررة من السياسات النيوليبرالية ومن الفساد المستشري في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية.
إعادة بناء اليسار الراديكالي، حتى أميزه عن اليسار اليميني (الذي يطبق سياسات اليمين)، بشكل عام واليسار المغربي بشكل خاص، يستدعي كذلك الانطلاق من الشارع من خلال توعية الناس بتنظيم لقاءات باستمرار وتثقيفهم لأجل الاحتجاج. ثقافة الاحتجاج من الوسائل العصرية لانتزاع الحقوق .
كل التجارب الديمقراطية التي عرفها التاريخ جعلت من الجماهير الأداة الأولى لتحقيق الوصول إلى الحكم وتسيير الشأن العام.
في اعتقادي الشرط الأول والأساسي لبناء اليسار يتعلق بالجانب الفكري . الفكر اليساري يحتاج إلى إنتاج النظرية لمحاورة الواقع .الفكر اليساري في المغرب لم يستطع بعد وضع حتى مسودة مستنسخة من الفكر السابق لينطلق على مستوى النظرية. لقد بقي حبيس الفكر الكنائسي والأصولي يردد الشعارات والأفكار البالية التي لا تفيد في شيئ بل تقف حجر عثرة في وجه الإبداع.
المثقف الملتزم مدعو اليوم إلى قراءة الواقع من زاوية مختلفة عما سبق. الواقع المغربي عرف استفحالا غير مسبوق. سياسة العبث والضحك على الذقون والشعوذة أصبحت هي العملة السائدة.
أزعم أن الجانب الثقافي يشكل المدخل الرئيسي لتوعية وتأطير الجماهير سياسيا. اليسار المغربي الراديكالي يتوفر على كوادر ومثقفين كثيرين مؤهلين لأداء هذه المهمة الشاقة والصعبة . يكفي أن يجتمع هؤلاء لنقاش الأفكار لتدقيق المفاهيم والبحث في سجلات المعرفة السياسية عما يمكن أن ينير الطريق في الممارسة ، فلذي اليقين أن اليسار الراديكالي المتنور سينجح في هذه المهمة. أزعم أن مداولة الأفكار ستسمح بتخطي الكثير من الخلافات وذلك من خلال إنتاج المعرفة منها مثلا لا الحصر شكل اليسار المنوط له مهمة التغيير ؛ الديمقراطية كشكل من أشكال تداول السلطة، هل تحتاج إلى تطوير أم أصبحت متجاوزة؛ الحزب هل مازال أداة للنضال من أجل التغيير أم يحتاج إلى تجاوز بنيته التقليدية ؛ الحركات الاجتماعية التي باتت الأداة الطيعة للتغيير؛إلخ . حين يدلي قارئ بفكرة للنقاش، فذلك يدفع ويحفز للنقاش وللجدل وللسجال. المثقف الملتزم المستقل و ليس الحزبي هو الذي يمكن من أداء هذه المهمة الشاقة والصعبة في آن واحد وذلك بتنسيق مع المثقف الحزبي والمناضل القيادي والقاعدي. هذه الشبكة الثقافية الهادفة لكي تنجح أكثر عليها أن تنسج علاقات حوار متبادل مع الشباب ومع عموم الناس. هذا الأداء المستمر والكثيف لليسار يسمح بأن يبني نفسه و يؤثث إطاراته و يخلق ثوره ثقافية داخل بنياته في أفق القيام بها داخل المجتمع .كل هذا يجعل الناس ينصتون للأفكار الجديدة لهذا الإطار الجماهيري التي تدعو للوعي وللثقافة وتهدف لدحض ثقافة فن الممكن والمصالح. المثقف بأشكاله المستقل والحزبي ، المناضل القيادي والقاعدي، كلهم مدعوون ليعطوا المثل في التواضع ونكران الذات.هذا المناخ سيؤهل، ولعمري، اليسار الراديكالي المتنور في المستقبل المنظور ليكون حاملا لمشروع التغيير لأن قواعده ستصبح أكيد تضاهي نقيضه أي الطبقة المسيطرة. أما أخذ غمار المشاركة في الانتخابات، كما تقوم بذلك فدرالية اليسار، هذا التكتل الهام ، ففي رأيي ذاك تاكتيك غير مجدي . ما الفائدة من الحصول على مقعدين داخل البرلمان ؟ هذا الرقم لا يؤهل لشيء فضلا على أن الفدرالية هي خصم كل من حولها ولا يمكن لها ربط أي شكل من أشكال التنسيق.
توسيع القاعدة الشعبية يعني التواصل مع الجماهير من خلال تنظيم لقاءات والدعوة إلى الإحتجاجات ؛ توزيع مناشير تدعو للوعي وللثقافة وغيرها من الوسائل التعبوية والتواصلية. وحين تنضج العلاقة بين الفاعل السياسي والجماهير بالملموس، مثلا حين تكون هناك دعوة للتظاهر أو للإحتجاج وتلتف كل الفئات الشعبية حول هذا النداء ، هنا يكون حزب الشعب أنه كسب المعركة.

أما المشاركة في الانتخابات و الدخول إلى المجالس الترابية والبرلمان بحفنة من المنتخبين تجد نفسها في أي لحظة مقصاة دلقراطيا، كما قال المرحوم المنجرة، فهذا لعمري، هي قمة التمخزن والمخزنة !
اليوم، اليسار الذي يتخندق مع الجماهير مبدئيا عليه أن يتحرك لتعبئتها و تأطيرها على مستوى الممارسة قبل الخوض في الانتخابات. هذا الاختيار يبقى الاستراتيجية المثلى للضغط على النظام ليتراجع عن القرارات الرجعية. تصوروا أن الجماهير خرجت إلى الشارع بشكل مكثف منددة بسياساتة في المدن الرئيسية بدءا بالدار البيضاء والرباط وفاس ومراكش وبنى ملال ووجدة وآسفي و أكادير وطنجة والناضور... أكيد أن الجماهير ستخرج في مسيرات سلمية للإحتجاج من أجل إسقاط الفساد وإسقاط الاستبداد مدعومة بالمثقفين الملتزمين والمناضلين الحزبيين والنقابيين المخلصين.وقد سبق أن قامت الجماهير إياها بذلك . فهذا لعمري أقل ما يمكن فعله . ثقافة الاحتجاج و رفض الأمر الواقع هو سلوك أصبح في الدول الغربية أمرا مؤلوفا بل أصبح شكلا من الأشكال الثقافية.
حركة "الليل واقفون" في فرنسا مثلا وغيرها من الحركات الاجتماعية في دول أخرى فرضت على الحكومات التراجع عن السياسات اللاشعبية و مكنت الطبقات المهمشة والهشة من فرض سياسة اجتماعية على الأقل تضمن ولوج المرافق الأساسية. الفرنسيون أو قل الأوروبيون لا يمكن لهم أن يتنازلوا عن الحد الأدنى وإلا تنفجر الأوضاع.
فدرالية اليسار الديموقراطي عليها إذن أن تنطلق من هذه التجارب والعبر وأن تتحلى بالجرأة السياسية وشيئا من الطوباوية لأجل نهج استراتيجية تسمح لها لتكون حاضرة بين الجماهير وذلك بالتنسيق مع الحركات الاجتماعية التي أضحت الأداة المركزية في النضال من أجل التغيير، أما الهرولة للمشاركة في الانتخابات لأجل بعض المقاعد، فهذا في اعتقادي غير مجدي و له صبغة انتهازية ليس إلا !
تجدر الإشارة أنه لا يجب تقديس الجماهير إن لم تكن في مستوى مواكبتها. معنى ذلك أن الجماهير، أو قل السكان، إن لم تكن مستعدة لتغيير وضعها الاقتصادي أولا فلا بد للفاعل السياسي أن يبحث عن صيغة أخرى للتغيير. الفاعل السياسي يكون مجبرا للنبش في النخب بكل أشكالها . باختصار شديد لأن الموضوع معقد نظريا وسياسيا على الفاعل السياسي أن يقوم بخلخلة بنية الفئات الاجتماعية وبجس نبضها لتأهيلها في أفق تأطيرها وتوعيتها ولو كلفه ذلك رد فعل سلبي منها ! ولأن الموضوع معقد للغاية، كما أشرت سالفا، لذلك قلت أن البحث في عالم الفكر يمكن من تجاوز الكثير من المشاكل لأن الفكر الذي يقوم بجولات في حفريات المعرفة أكيد أنه يصل إلى إجابات تنير الطريق في اتجاه التغيير.
اليوم الفكر اليساري في أوربا لا يعاني من أزمة النظرية التي تجاوزها منذ فترة أي بعد انهيار التجربة الاشتراكية. لقد استعاد عافيته اليوم في هذه المنطقة وانطلق يبحث عن مفاهيم تسعفه لفهم ما يجري هنا وهناك.
أقرأ بين الفينة والأخرى أشياء ولا أقول أفكارا تدعو إلى وحدة اليسار بما فيه اليسار الذي سبق له أن تكلف بتسيير الشأن الحكومي .هذا السلوك هو مستفز أكثر من مرة لأنه بصراحة لا علاقة لهذا اليسار لا بالنضال ولا باليسار لأنه حين تكلف بتسيير الشأن العام لم يف بالالتزام وانحرف جملة وتفصيلا. راكم أصحابه الأموال بشتى الأشكال وإن كذبوني، يصرحوا بممتلكاتهم، كما يدعو إلى ذلك قانون البلاد. هذا يسار مزيف والتحالف معه سيعرقل برنامج ومشروع اليسار الراديكالي المتنور . لا غرابة أن يكون التحالف في القضايا الكبرى مثلا لمواجهة الأخطار التي تهدد أمن البلاد، أما أن يكون التحالف مع أحزاب تنكرت للمبادئ وانجرت إلى أحضان المخزن حتى النخاع في قضايا تهم تدبير السياسات العمومية بل قل تهم مصير البلاد ، فهذا لعمري، غير مقبول ومن يتبناه فليلتحق بصفوف اليسار الانتهازي ليحقق مآربه. لكن من قام بنقد ذاتي وكانت يديه نظيفتين ، فليس هناك ما يمنعه للإلتحاق بهذا التكتل .
في مقابل اليسار الانتهازي هناك اليسار المغامر . اليسار المغامر يطمح إلى الثورة دون نضج شروط هذه النقلة المجتمعية النوعية.هذا اليسار يعرف أن ميزان القوى ليس في صالحه، ورغم ذلك يستمر في أخذ معارك يخسر فيها على مستوى المكتسبات وإن كان يربح على المستوى الرمزي لكونه يحضى بتعاطف من قبل الذين لهم نفس القناعات وإن كانوا يصرفونها بشكل مغاير. اليسار المغامر لم يستفد من التجارب التاريخية التي أبانت عن الفشل الذريع لكل الحركات التي تبنت خيار العنف الثوري الذي كتب عنه لينين والذي قال عنه أنه يجب أن يستوفي لشروط معينة أي ميزان القوى الذي يجب أن يكون في صالح القوى الملتفة حول المشروع الثوري.اليوم هذه الشروط ليست متوفرة خصوصا مع الوضع الدولي الذي تهيمن فيه الإمبريالية وشبه غياب لقوى تحررية دولية مضادة. مما يدعو إلى النضال بشكل يأخذ في الحسبان أن كل تحرك عنيف ستواجهه الامبريالية والصهيونية بشكل أعنف. عودة إلى اليسار الانتهازي، لأقول أنه أخطر من اليسار المغامر بل قل فهو نقيضه لأنه في أي وقت يصبح جزءا من النظام، كما عشنا مع تجربة التناوب المخزني، أكذوبة القرن كما وصفها الفقيد العزيز المناضل الفذ أحمد بنجلون.
في نهاية هذه الورقة ذات الطابع السجالي، أشير إلى ظاهرة الارتزاق السياسي . هذه الظاهرة نجدها في
في عدة أشكال . الشكل الأول هو الارتزاق في السياسة بشكل مباشر ومكشوف وهو ما تقوم مجموعة من اليساريين القدامى الذين عانقوا أحزاب السلطة والقصر وجعلوا من هذه الحرفة نشاطا مربحا من خلال السطو على خيرات وأمول الشعب. هذه الكائنات الدمى التي لا ملة لها ولا حس إنساني والتي وصفها عالم الاجتماع بيير بورديو بالحيوانات السياسية هي جزء من النظام تقتات منه وبفضلها يستمر في الوجود. أصحاب هذا الشكل من الارتزاق السياسي يصبحون أثرياء لكن مع الأسف لا يعرفون ذوق الحياة لأنهم يدركون أن المال الذي يملكون هو مال سرقوه للشعب. الشكل الثاني من الارتزاق السياسي هو الذي تقوم به الأحزاب التي تخندق نفسها عبثا في اليسار. أصحاب هذا السلوك السياسي الارتزاقي الذين يريدون الزبدة ونقود الزبدة هم أكثر خطورة لأنهم يشكلون عرقلة في التغيير.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - inkorporierter Zustand
Maximilian.weber ( 2018 / 2 / 23 - 15:03 )
تحية خاصة إليك .
bourdieu هذا
تابع العمل العرقي الميداني في المستعمرة بالكامل انداك،دولة Algérie
وكان تواجده هناك بمثابة عقوبة بسبب سلوك ما داخل فرنسا
خير الكلام ما قل ودل :.
ان كلامه متناقض في حالات كثيرة ..أني جد متأسف ان أفكاره
تفرض الْيَوْمَ على ارض المغرب ،كمجال التعليم
morcenary .

اخر الافلام

.. تسرب غاز نورد ستريم: لماذا شبهة التخريب ولمن توجه أصابع الات


.. مصر.. ممرض يتحرش بفتاة داخل إحدى المستشفيات بعد إجرائها عملي


.. أفغانستان تتهم أمريكا بانتهاك أجوائها بعد تحليق طائراتها في




.. مسؤولون أوروبيون: تسرّب غاز نورد ستريم مفتعل والمتسبب سيدفع


.. شاهد| اشتباكات مسلحة بين قوات الاحتلال وفلسطينيين في مخيم جن