الحوار المتمدن - موبايل


يطلب من الحافي نعال

رياض محمد سعيد
(Riyadh M. S.)

2017 / 7 / 15
كتابات ساخرة


يطلب من الحافي نعال
عذرا عن العنوان لكنه مثل عراقي معروف ومتداول تاريخيا بين اوساط الشعب العراقي وبمختلف فئاته ومكوناته ، وتعتبر الامثال الشعبية من الامور القليلة التي يتفق عليها العراقيين وتتوافق افكارهم حول معانيها ومسوغاتها ، هذا المثل خطرعلى بالي بعد ان قرأت عدد كبير من التعليقات و المقالات حول احداث تحرير او تدمير الموصل وحول الانتصار على داعش باسلوب الفوضى القتالية والارض المحروقة والتي قد يكون العراق مجبر على استخدام هذه الطريقة والا فأن المعارك كان من المحتمل ان تستمر وتمتد حتى صيف 2018 القادم لقتال داعش . ولا احد ينكر ان الفوضى الاخلاقية كانت ظاهرة وحاضرة في معارك الموصل كما في معارك تحرير المدن السابقة مع داعش ، ونعلم ان في خضم الحرب والمعارك لا يمكن ان يلتزم المقاتل بالمعايير او المقاييس الاخلاقية التي تدرس في صفوف التدريب و محاضرات التعبئة والتوعية (هذا اذا كانت مدرجة ضمن برامج التدريب) ، فالمعروف ان المقاتلين يكونو تحت ضغط اجواء المعركة وقساوتها والضروف الملازمة لها خصوصا عند مواجهة عدو شرس متوحش لا يفهم لغة الانسانية و الحضارة . اضف الى ذلك البيئة التي جاء منها المقاتل وما يحمله من تراث متراكم فكريا ودينيا وطائفيا وعرقيا وبمفاهيم اخرى لا تعد و لا تحصى والتي تختلف من فرد لأخر والتي في حصيلتها تشكل شخصية الفرد العراقي . وهناك الكثير من المقالات والتحليلات مكتوبة بلغة رصينة و جميلة من اساتذة و مثقفين يصفون هذا التشتت والاختلاف والتعقيد في الشخصية العراقية وان السبب يعود الى طبيعة البيئة الاجتماعية المتناقضة التي يعيشها الفرد .. ويمكن تشبيه التناقضات على انها قوى متنافرة و متجاذبة ومتعاكسة في الاتجاه تتصارع داخل الشخصية ، وعادة ما تكون محصلتها كارثية على المكون الشخصي والنفسي للفرد العراقي.
بعبارة اخرى ستنعكس تلك الصراعات النفسية المحكومة بقواعد الموروث الديني و التاريخي المليئة بالحرمان والتحريم والامتناع عن مغريات الحياة فيكون الناتج شخص ذو مزاج متقلب و احيانا متناقض في القرارات، مرة تجده في اقصى حالات الخشوع والايمان و التقوى ومن المنادين بالالتزام الديني وتطبيق الشريعة . ومرة تجده في اقصى حالات التحرر ويتبنى مواقف الحرية الشخصية والمدافع عنها.
على كل حال فان ما نريد ذكره يفهمه العراقيين وقادرين على وصفه بشكل افضل واوسع ، والجدير بالذكر ان خير من وصف التناقض في الشخصية العراقية الكاتب العراقي الكبير وعالم الاجتماع المرحوم الاستاذ الدكتور علي الوردي في كتابه شخصية الفرد العراقي الذي كان على شكل محاضرة كتبت لتلقى في حفل عام الا انها تطورت لتصدر بكتاب ثمين ، و الامثلة الواقعية على ذلك التناقض كثيرة و متنوعة ونجدها في مختلف مجالات الحياة العامة و الخاصة و تجدها اكثر وضوحا في التخبط السياسي ، فحين تنتخى المعارضة قوى الغرب والامريكان لتحضر بقواتها العسكرية من اجل اسقاط النظام تراها بعد فترة تشكل مليشيات لضرب هذه القوى الغربية وتهتف في المناسبات الدينية بمعاداتها وتطالب بمقاتلتها وطردها. والشواهد التاريخية كثيرة جدا ، منها ما هو موغل في القدم مثل الترحيب على استقدام الامام الحسين (ع) ثم التخلي عنه و الانقلاب عليه ، اما التاريخ الحديث فالبشاعة اكبر مثل الاحتفال بالملوك وقتلهم واخرهم القتل الوحشي للملك فيصل الثاني مع افراد عائلته وكذلك نوري السعيد وعبدالكريم قاسم انتهاءا بصدام حسين .. كلهم يحتفل بهم ويعلى شأنهم ثم يحقرون ويقتلون بالايادي و يحرقون .
ما نريد قوله مقابل هذا الوصف للشخصية العراقية اننا نجد بين الحين والاخر من يطالب عبر مقالات تنشر في مختلف وسائل الاعلام و مواقع التواصل الاجتماعي .. من يطالب بما يشبه الهدنة لغرض الحصول على فرصة للوصول الى الحد الادنى من التوافق لمواجهة كارثة او مصاب كبير يهم مصير الوطن العراقي و الشعب ومع ذلك فـ لا حياة لمن تنادي ، احيانا قد يتظاهرون بالتهدئة و الموافقة على تخفيف الخلافات الا انهم في الحقيقة يعملون على التقاط الانفاس للهجوم من جديد ، و واحدة من مبررات هذا السلوك هو الممارسات الدينية و التوجيهية التي تؤخذ كمعيار لمبررات السلوك المتناقض ونقصد بها (التقية) وهو الكذب المشروع من اجل غاية نبيلة. لذلك فأن مبدأ التهدئة و الاتفاق الوقتي من اجل اجتياز مرحلة حساسة و مهمة او لتوحيد الصفوف لمواجهة خطر كبير (داعش مثلا) .. مثل هذه الاتفاقات لا يمكن ان تنجح او ان تستمر مع العراقيين لأن اعضاءها خلقو لكي لا يتفقو بدليل ان مسألة المذهبية في العراق مضى عليها الان اكثر من 1400 سنة والكل يتندر في خطاباته بالاخوه و مقت الطائفية ويلعن من يتداولها ، ومع ذلك لا زالت الطائفية تقتل من الشعب اكثر ما تقتله الحروب والكوارث الطبيعية . وخير ما توصف به مثل هذه الدعوات التي يتقدم بها بعض حسني النوايا و المثقفين في عباراتهم حين يهتفون .. [ يا شعبنا العراقي العزيز لنعمل على التهدئة و نتفق ولو بهدنة مؤقته من اجل مواجهة الخطر الذي يهدد كيان و وجود العراق] .. هذه المحاولات توصف بـ كمن يطلب من الحافي نعال ، فالعراقي مخلوق خلق من اجل الخلاف و الاختلاف ولا يملك اي من مقومات الهدنة للاتفاق . والعراقيون هم خير من ذكرهم الله تعالى في قوله "( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ)" [الرعد: 11] . لذلك نقول ان المثل الشعبي هو خير ما يصف حالنا وفق الموروث الشعبي العراقي ، فعندما نطلب من العراقيين ما لا يملكوه و لا يعرفو معناه من اجل التهدئة وتوحيد الصفوف ، سنكون كمن يطلب من الحافي نعال. انه واقع مر و حقيقي نعيشه ونتعايش معه ونقبل بما يدره علينا من بلاء فهو قدرنا و شعبنا و وطننا
وكما نقل لنا التاريخ ما قاله الشريف قتادة ابو عزيز والي امارة مكة عام 608 هـ عن واقعة مقتل الحجاج العراقيين .
بلادي وإن جارت علي عزيزة .. وأهلي وإن ضنو علي كرام.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الفنان السعودي خالد عبدالرحمن


.. الممثلة اللبنانية #إلسا_زغيب تفوز على #أمل_طالب في حلقة قوية


.. يوميات رمضان من القاهرة مع الفنان التشكيلي محمد عبلة..




.. إيرادات السينما العالمية تنخفض بـ80 بالمئة جراء إجراءات كورو


.. #لورنس_العرب.. السينما العالمية تطارد المغامر الإنكليزي في ا