الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قرغيزيا جنكيز أيتماتوف: الماضي الحاضر أبدًا

عماد الدين رائف

2017 / 8 / 10
الادب والفن


خلال إحدى رحلاته إلى قرغيزستان، يتحدّث الباحث الإثنوغرافي الروسي قنسطنطين كوسكين عن تعرّفه إلى رواة الملاحم الشفهيّة (آكين)، ويروي حكاية مذهلة، عن كيف بات راويًا لملحمة ماناس (ماناستشي)، التي تعدّ الملحمة الشفهية الأطول في العالم. يصدّر كوسكين حكايته بحادثة تاريخية، يقول: في ثلاثينيّات القرن الماضي، أراد الرفيق [جوزف] ستالين أن يدوّن ملحمة ماناس، كأحد الإنجازات الكبرى للاتحاد السوفياتي. وبالفعل أرسل ستّ فرقٍ علمية إلى قرغيزيا، حيث عملت تلك الفرق كلّا على حدة ثماني ساعات يوميًا ولمدة نصف سنة على تدوين الملحمة. وقد تابعت تلك الفرق رواة الملحمة حيث يكونون، وهم يروون الملحمة في مناسبات مختلفة، فكانوا مثلًا يحضرون الأعراس، حيث يروي الماناستشي أبياتًا من الملحمة عن حبّ ماناس لزوجته، أو يحضرون ذكرى موت أو تأبين فيستمعون إلى الأبيات التي تروي عن موت ماناس... وفي المحصّلة دوّنت كل فرقة روايتها الخاصة للملحمة، والمفاجأة كانت أنه عندما قوبلت النسخات الستّ ببعضها البعض جاءت متطابقة!

للوهلة الأولى، عند مشاهدة كوسكين متحدّثًا عبر الفيديو (يعود تاريخه إلى 13 كانون الثاني/ يناير 2016)، تبدو هذه القصّة غير قابلة للتصديق، ربّما لطريقته في الحديث بين الهزل والجدّ، المترافقة مع ضحكات متقطّعة، تجعل الحكاية مسلّية ومشوّقة لجلسائه. وكان يهدف من خلال إدراجها التمهيد لحكاية أكثر خطورة وإثارة. وفي العادة تحاك هذه الحكاية بالكثير من الغموض والرموز المنبعثة من الملحمة نفسها أو الدائرة في فلكها.

الأرض واللغة الأم والزمن

فلنترك حكاية كوسكين قليلًا، ولنعتبرها من عنديّاته. إلا أنّنا نلمس حضور التاريخ الأسطوري متجسّدًا في أعمال الفنانين القرغيز ومتكاثفًا تكاثف ارتباطهم بأرضهم وبلغتهم الأم.. وتلك هي حال الكاتب الكبير جنكيز أيتماتوف، وقد استمدّ العناصر المكوّنة لشخصيّته ككاتب ذي أبعاد إنسانية من شخصين عرّفاه بجذوره - بالتاريخ القريب لعائلته، يقول: "إني مدين في المقام الأول لجدتي أم أبي إيمكان ساتان-كيزي، وابنتها عمتي كارغيز ايتماتوفا... وأنا ممتنٌ للأقدار لأنها مكّنتني من أن أرى وأعرف هاتين المرأتين الرائعتين الحكيمتين الجميلتين. لقد كانتا جميلتين حقًا، وكانتا مرشدتين لي فيما يخصُّ أخبار عائلتنا وتاريخها" . لذا، حين نراه يقول مثلًا: "على أطراف قريتنا شكر في وادي طلس بناحية كيروف، يوجد حتّى الآن عند منعطف نهر كوركوريو حجر طاحونة قديم غائض في الأرض. وهو يتفتت من عام لآخر ويغوص في الأرض إلى أعمق. ذلك هو موقع طاحونة جدّي..." ؛ ثم نجد الصدى المُجسّد لتلك الناحية في قصّة "المعلّم الأوّل"، فيحدّد موقع القرية ثم يحوك قصّته ويعود إليها غير مرة ، يلامسها بكلمات ذات روح شفافة حانية على الأحجار والأشجار القمم المحيطة بها، والسهوب الكازاخية المترامية البعيد. هنا، على سبيل المثال لا الحصر، يمكننا أن نقف شهودًا على ما حُفر في ذاكرته وربطه بالأرض حين كان طفلًا، وكان رباطًا وثيقًا لا حلّ له إلا في رحاب العالمية، حين يبثُّ ذلك الحبّ العميق على الإنسانيّة جمعاء. وكانت تلك الأفكار أبدًا باللغة الأمّ، إذ لا يمكن التعبير بغيرها عن عمق المشاعر الإنسانية، وهذا من دفق خيرات جدته عليه، يضيف أيتماتوف: لعلّ جدتي قد غرست في نفسي دون قصد حبّ اللغة الأم. اللغة الأم.. ما أكثر ما كتب عنها. إنها معجزة الكلام باللغة الأم لا سبيل إلى توضيحها. ولا ترتوي النفس بالشاعرية النابعة من خبرة الشعب إلا عن طريق الكلمة الأصلية التي يستوعبها المرء في الطفولة، وليس هناك غير الكلمة ما يستطيع أن يبعث في الإنسان المنابع الأولى للعزة الوطنية ويمنحه المتعة الجمالية بتعدّد أبعاد ومعاني لغة الأسلاف . والطفولة "ليست مجرّد عهد رائع. فالطفولة تنطوي على نواة شخصيّة الإنسان الحقة، وفيها ترسو المعرفة الحقيقية للغة الأم (الممتزجة بالتراث الشفهي والحكايات والأساطير والملاحم). ففي ذلك العهد يتحسّس الإنسان انتماءه للآخرين وللطبيعة المحيطة به ولثقافة معيّنة"، كما يقول أيتماتوف.

فبدون تملّك عنصري الأرض واللغة الأم من نفسه منذ الطفولة، وكونه فنّانًا عابرًا ناقلًا للأفكار والمشاعر بين زمنين، ما كان ليتمكّن من بث مستوى عالٍ من الشاعريّة الماسّة بقلوب القرّاء عبر كلماته في "المعلّم الأول"، ومنها وهو في حال ترقّب، حين قال: وكم من مرّة عدت من الأصقاع البعيدة إلى كوركوريو كنت أفكّر دائما في حزن ممض: هل سأرى شجرتي الحور التوأمين قريبًا (شجرتا المعلم ديوشين والتلميذة ألتيناي، كما في القصة)؟ حبّذا لو أصل إلى القرية سريعًا، وأهرع إلى الرابية حيث الشجرتان ثم أطيل الوقوف تحتهما، وأسمع حفيف الأوراق في تلذّذ" . وفي القصة مزجٌ لذيذ بين الواقع بقسوته وغموض الأسطورة، وذلك ما يقرّب أدب أيتماتوف القصصي أكثر منّا كقرّاء. وممّا يؤسف له أن مترجم مجموعة مقالات ومقابلات جنكيز أيتماتوف إلى العربية، الأستاذ خيري الضامن قد أهمل أحد تلك المقالات المحوريّة في ترجمته الصادرة عن دار التقدّم في العام 1988. ذلك أن أيتماتوف، وقبل أن يتحدّث عن نفسه في مقالة "صفحات من حياتي" (في الطبعة الروسيّة الصادرة في العام عينه أدرج مقالة له بعنوان "كان يعرف مليون مصرع من ملحمة ماناس الموسوعيّة"، ويعود تاريخ المقالة إلى العام 1971، والمعنيّ بها الماناستشي والشاعر الكبير ساياقباي كارالايف (1894-1971)، فلمَ يقدّم أيتماتوف راوي ملحمة ماناس الأشهر في زمنه على نفسه؟ لأنه وكلّ ما كتب قبل انهيار الاتحاد السوفياتي وما كتب بعده، كما أعتقد، جزءٌ من غناء ملحميّ مستمرّ مادته الأولى الإنسان والأرض، أما الزمن وتسلسل أحداث الملحمة فهو ما اختزنته صورٌ شهريّة متناثرة في قصصه الكثيرة.

نجمع تلك الصور الشعريّة عبر قراءتنا في المعاني الإنسانية الخالدة، من "وداعًا يا غولساري" فنعيد قراءة الصفحات التي أراد فيها أيتماتوف أن يؤنسن مأساة الحصان، نعيد قراءتها مرّات ومرّات، ثمّ نعودُ إلى "المعلّم الأوّل" فنقرأها بعيني رسّام يحتار في موضوع لوحة يمكنها أن تجسّد كل المعاني التي بثّتها التيناي سليمانوفا في رسالتها إليه، وهل هنالك أجمل من مشهد الحورتين! ونتردّدُ للامسة صفاء العشق مع "شجيرتي في منديل أحمر"، أو مع "جميلة".. تتناثر الصور الشعرية ثم تتجمّع من جديد، لتستكمل فصلًا من فصول ملحمة لا تنتهي، بدأت مع الملك المحارب الأسطوري ماناس، إلا أنّها، كما قال ايتماتوف "تناقلتها الأجيال من قرن إلى قرن شفاهًا من راوٍ إلى راوٍ، فتقولبت وتجدّدت وتطوّرت، وتخفّفت من أحمال زائدة، وولجت مساحات استيعاب جديدة وتلقّحت بعناصر ضروريّة لاستمرارها ولبعثها المتجدّد".
----
في حضرة ماناس برفقة جنكيز أيتماتوف (الحلقة الثانية) - قرغيزيا جنكيز أيتماتوف: الماضي الحاضر أبدًا








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مت فى 10 أيام.. قصة زواج الفنان أحمد عبد الوهاب من ابنة صبحى


.. الفنانة ميار الببلاوي تنهار خلال بث مباشر بعد اتهامات داعية




.. كلمة -وقفة-.. زلة لسان جديدة لبايدن على المسرح


.. شارك فى فيلم عن الفروسية فى مصر حكايات الفارس أحمد السقا 1




.. ملتقى دولي في الجزاي?ر حول الموسيقى الكلاسيكية بعد تراجع مكا