الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أشكال التجاوز، وتداخل الثقافات في خطاب د. نهاد صليحة النقدي عن الرؤى والاتجاهات الطليعية المعاصرة

محمد سمير عبد السلام

2017 / 8 / 29
الادب والفن


قدمت الدكتورة نهاد صليحة – عبر مسيرتها النقدية، والفكرية – خطابا نقديا متجاوزا، ومغايرا، وتعدديا في لغته، وفي تأويلاته للعلامة بأشكالها المتنوعة بين النص، والعرض، والكشف عن مدى تفاعل النسق التكويني الإبداعي مع الرؤى الفلسفية، والحضارية التي تجمع بين المحلي، والعالمي في سياق طليعي متجدد، يؤسس للتجاوز، والاختلاف.
وقد قامت بالتأسيس للوعي الطليعي – في المسرح، وفنون الأداء – من خلال فعل الترجمة، وتقديمها النقدي للنصوص المسرحية، وما تتضمنه من تقنيات فنية، وإبداعية مختلفة في سياق تفاعلها باللحظة الحضارية الراهنة، وتأسيسها للرؤى، والاتجاهات الفنية التي تقع في علاقة مع تاريخ الفن، وتتجاوزه في آن.
جمعت د. نهاد صليحة – إذا – بين تأصيل الاتجاهات الطليعية عالميا في استنطاق النقد لعلامات النص، والعرض من جهة، وتأكيد تعددية الخطاب النقدي، ونسبيته التفسيرية، وتأكيده للاختلاف ضمن بنيته الذاتية الاحتمالية، وتداخله الزمكاني الواسع مع البنى الثقافية، وتجدد دلالاتها في النص، وفي فعل القراءة، أو التلقي من جهة أخرى، وقد أشارت د. نهاد أيضا إلى قضايا النوع، والمسرح النسوي، وتعلقه بالخطاب الثقافي، والاجتماعي، وبحثه عن الاختلاف، وتأكيد الرؤى الجزئية الهامشية.
*تعددية التفاسير، واحتمالية لغة النقد:
عرضت د. نهاد صليحة لنسبية التفاسير، واحتمالية لغة النقد، وعلاقتها بالتحولات الثقافية، والاجتماعية في تقديمها للتفسير، والتفكيك، والأيديولوجية لكريستوفر بطلر؛ فالمفسر – وفق هذه الرؤى – يختار من الصورة، أو الاستعارة بعض العناصر؛ ليربطها بالواقع، بحيث يجد لها معنى، ودلالة، وقد يتجاهل عناصر أخرى، تصبح ذات أهمية في عصر لاحق، أو كانت ذات أهمية في عصر سابق، وقد صارت لغة النقد ذاتها استعارية في ممارسات التفكيك؛ إذ تشك في المعاني المباشرة للغة، وتبحث عن الدلالات التأثيرية الأيديولوجية لها، ويصبح التفسير النصي نفسه كرؤية نسبية للعالم.
(راجع، د. نهاد صليحة، مقدمة ترجمة التفسير، والتفكيك، والأيديولوجية لكريستوفر بطلر، ضمن كتاب التفسير، والتفكيك .. ودراسات أخرى.. لبيتر بروك، وإيجلتون، وآخرون، اختيار، وتقديم: د. نهاد صليحة، الهيئة العامة للكتاب، سنة 2000، ص 61، 62).
يكشف خطاب د. نهاد صليحة – إذا – عن التداخل التفسيري بين الكتابة الإبداعية، وإيماءات لغة النقد الاستعارية فيما بعد البنيوية، وعلاقة المفسر بتحولات العلامة في سياقها الثقافي / النسبي، وتمثيلاتها المجازية التي تؤسس لتعدد التفاسير الجزئية للنص.
وإن هذه النسبية التفسيرية التي تتصل بموقف التلقي، والتحول الثقافي، وفاعلية النص، ومرجعياته التراثية المباشرة، وغير المباشرة، تؤكد تفكيك مركزية كل من المؤلف، أو الناقد في عملية إنتاج الدلالة؛ فهي تخضع لرؤى تأويلية متحولة بين المواقف النسبية المختلفة للمبدع ، والمتلقي / الناقد، والاتصال بين النسق العلاماتي / النصي، والتراث الثقافي، والعالم؛ ومن ثم يعزز الخطاب النقدي التقديمي ل د. نهاد من أصالة كل من التعددية، والتداخل في النقد المعاصر.
وقد أعادت الدكتورة نهاد صليحة تأويل سيمياء العرض المسرحي، وبنيته التفسيرية النسبية في كتاب "شكسبيريات"؛ فالنسق العلاماتي للعرض، يقوم بقراءة تنقيحية تفسيرية جمالية لشكسبير، تشبه مدلول القراءة التنقيحية بين المبدع، وأسلافه لدى هارولد بلوم، ومن ثم يصير مفتتحا لدلالات فلسفية، وثقافية متجددة في القراءات المحتملة للمفسر، وقد تناولت د. نهاد عرض "شباك أوفيليا" لجواد الأسدي انطلاقا من تجدد دلالات الشباك، أو النافذة في النسق العلاماتي التفسيري على الخشبة من جهة، ودلالاته الثقافية المحتملة في التلقي من جهة أخرى؛ فهي تعيد إنتاج علامة الشباك، وتتساءل؛ هل هو نفس الشباك الذي يطل منه كل من هملت، وهوراشيو على الحقيقة؟، ثم تؤكد ذلك، وتشير إلى اختلاف منظور أوفيليا التي ترى القلعة كالسجن الذي يشبه الحياة، وتتكشف أمامها حقيقة الخطيئة، والدماء التي وصمت تاريخ البشرية في البدء؛ وكأنها حين شاهدت كلودياس يقتل أخاه، قد شاهدت قابيل يقتل هابيل، وأنه يجب أن تختفي عقب هذه المعرفة.
(راجع، د. نهاد صليحة، شكسبيريات، الهيئة العامة للكتاب، سنة 2005، ص 27).
ونعاين في قراءة د. نهاد للعرض تداخل الفضاءات الزمكانية الثقافية في النسق التفسيري للعرض، وفي تأويل العرض نفسه لمسرحية هملت لشكسبير، وتعزز من احتمالية لغة النقد، ونسبيتها في استخدامها ل كأن؛ وكأن بنية الفضاء تتنازعها أزمنة مختلفة، تجدد المدلول الثقافي للخطيئة، وكأن أطياف الدماء تنتقل من زمن العرض إلى أطياف الماضي، والمستقبل، أو تصير تأويلا للحظة الحضارية التي عاشها المبدع، أو المتلقي.
لقد صارت شخصية أوفيليا متحولة فنيا في الخطاب النقدي، وفي سيمياء العرض المسرحي؛ إذ تبدو كشاهدة مضاعفة على التاريخ البشري، وعلى بنى السجن الاحتمالية المفسرة لتراث شكسبير معا؛ كما يعزز الخطاب النقدي من الاستبدال بمدلوله التفكيكي في المزج بين فضاءات القلعة، والسجن، والحياة، وكذلك في تداخل النوافذ الجمالية التي جسدت منظور هملت، وهوراشيو، وكذلك أوفيليا في نسق تأويلي تعددي، يوحي بتأجيل تفكيكي لبنية النافذة، وتضاعفها المحتمل خارج النص، والعرض؛ فالنافذة تبدو تفسيرية مكملة، وقيد التشكل دائما بين كل من وعي الأنا، ووعي الآخر / القارئ.
*التجارب الطليعية في السياق العالمي:
تربط د. نهاد بين التجريب في المسرح العالمي، ومرجعياته الجمالية المتجسدة في حركة الجسد، وبلاغة السينوغرافيا، وتداخل الفنون، وعلاقة علاماته بتجدد الفكر، والثقافة، والتحول في بنى الأنساق التفسيرية للذات، واللحظة الحضارية الراهنة؛ فقد كشفت عن اتساع الوقفات الصامتة في مسرح العبث عند صمويل بيكيت في مسرحية "مسرح بدون كلمات"، وعنونت تقديمها للمسرحية ب "نهاية العبث، ومسرح الصمت"؛ فقد انبثق مسرح الصمت من داخل العبث، وتطور – فلسفيا، وثقافيا، وجماليا – في مسرح الصمت، أو الفراغ، أو اتساع مساحة الصمت في العرض؛ لتدل على شكل جمالي آخر من الحضور الذاتي، والعلاقة مع العالم، والآخر، وتتسع فيه مساحات التهميش، والاغتراب في السياق الثقافي، وتحولاته.
وترى د. نهاد أن العبث قد تطور إلى تجاوز اللغة، أو انتفاء القول، والفعل من الحياة، ومن المسرح باعتباره تصويرا، وتفسيرا استعاريا للحياة، وتشير إلى نقطة الصمت المطبق عند بيكيت، وتوظيفه لشكل المايم، أو التمثيل الصامت، والتداخل مع تقنيات السينما الصامتة من حيث الاهتمام بالبطل الشريد، واستبدال شعر الكلمة، بشعر الحركة، والتجسيد المسرحي في الديكور.
(راجع، د. نهاد صليحة (تقديم وترجمة)، بعد العبث، نصوص من المسرح الغربي المعاصر، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1986، ص 124، 125).
يجسد خطاب د. نهاد النقدي – إذا – منطق التحول، والتجاوز في المسرح الطليعي العالمي في الغرب؛ وتكشف عن تضخم ذلك الفراغ الاستعاري التمثيلي في العرض، وتأويله لتناقضات الذات، والتي أشار إيهاب حسن إلى اختلاط الغناء بالصمت في حضورها النسبي عند بيكيت، كما تتصل بلاغة الحركة، والسينوغرافيا بنهايات الفعل، والتواصل، وتأجيل وظيفية اللغة في مستوى الفكر، وتعزز من صورة البطل المهمش عبر التداخل مع السينما الصامتة؛ ومن ثم فالتحول باتجاه الإيماءة، يميز العروض التجريبية، ونسقها التفسيري لمدلول الذات، وللفكر، والثقافة، ويمهد للتناقضات التي تؤسس للنزوع التفكيكي اللامركزي فيما بعد الحداثية.
وتبرز د. نهاد التقنيات التجريبية ما بعد الحداثية التي تتسم بتفكيك المركز، وتداخل الأزمنة في النص، والسينوغرافيا، والاستخدام الأوضح لتداخل الفنون، والمحاكاة الساخرة إزاء علامات التراث الفني، وشخصياته المتجددة، أو العابرة للحدود الزمكانية.
وترى د. نهاد أن مسرح ما بعد العبث هو شكل جديد من الكوميديا، ويعزز من السخرية الفنية، والمحاكاة الهزلية للأشكال الكلاسيكية المعروفة؛ وهي تقترب من الكاريكاتير، وتركز على ما هو شاذ، وغريب، ويتجسد الممثلون كمخلوقات شائهة، كما ترتكز على القسوة، وتداخل الأزمنة؛ وتمثل لذلك بمسرحية "حياة ليدي جودايفا"؛ إذ تمتزج أغاني الديسكو، وأحدث الموضات المجنونة في التصوير، والرسم بكاتدرائيات العصور الوسطى. (راجع، د. نهاد صليحة، التيارات المسرحية المعاصرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة، 1997، ص 158، 159).
يقوم خطاب د. نهاد النقدي – إذا – على التجاوز في بنية التجريب نفسها، واتساعها عبر الزمن من جهة، وعبر الفنون من جهة أخرى؛ وكأن التجريب هنا مضاعف، ويستشرف مزيدا من تفكيك البنى، والأطر المحتملة من خلال اتساع نطاق التداخل، وتنوع أشكال العلامة، وإيماءاتها الجمالية، ودلالاتها الثقافية.
وتتنوع استبدالات الشخصية - طبقا لتصور دريدا - هنا؛ إذ تتراكم في بنيتها الأصوات الفنية المتداخلة زمنيا، والمتعارضة أحيانا، وهي تجمع أيضا بين آثار الماضي، والحضور الآخر / المختلف، أو المضاد عبر تقنية المحاكاة الساخرة فيما بعد الحداثية؛ وما تحمله من تناقض إبداعي، وتنوع في مستوى الحضور الفني بين الأنا، والآخر الجمالي المحتمل داخل الذات.
ترتكز د. نهاد هنا –إذا - على اتجاه التجريب العالمي إلى تفكيك الشخصية، والتنوع السيميائي المدهش في العرض، والسخرية من اكتمال البنى، والأصوات، وإعادة تشكيلها سياق جمالي تفسيري محتمل.
وتعرض ليندا هاتشون للمحاكاة الساخرة – في بنيتي الحبكة، والشخصية – عند جويس، واستعادته لهوميروس، وترى أن هذا النوع من التماثلات، يأتي مصحوبا بالاختلاف الساخرفي كل من المنظور، والمعنى؛ إذ يمكن أن يكونا مادة للمحاكاة الساخرة في القرن العشرين.
(Read, Linda Hutcheon, A Parody Theory, by Hutcheon, U. S.A, 2000, p 5).
لقد صارت تقنية المحاكاة الساخرة إزاء البنى الفنية التاريخية معبرة عن ملمح ما بعد حداثي متواتر في الكتابات التجريبية، والعروض المعاصرة، وتنوع الشخصية، وثرائها الدلالي، وانتشارها السيميائي كأثر متغير على الخشبة، وفي عالم المشاهد أو المتلقي؛ ولهذا قدمتها د. نهاد بصورة تجمع بين الكوميديا، والكاركاتورية، وكذلك القسوة، والتشوه؛ إذ إن الشخصية، وصوتها المستعاد، وصوتها الآخر في لحظة الحضور الجمالي على المسرح، تسخر من أي اكتمال، أو حضور، أو هوية ثقافية مركزية؛ ومن ثم تعزز من التحول الجمالي، ومن تجليها السيميائي كأثر متناقض في وعي، ولاوعي المتلقي.
*التجريب، وتداخل الثقافات:
يرتكز خطاب د. نهاد على مساحات التداخل الفكرية، والثقافية الإنسانية بين الثقافات؛ وتستعير من مخزون الذاكرة الجمعية الرؤى التفسيرية البينية المحتملة التي تؤكد عالمية العلامة، وقوتها التأثيرية، وإحالاتها المستمرة إلى الأنا، والآخر الثقافي ضمن بنيتها التجريبية الخاصة؛ وكأن المرجعيات الثقافية للنسق السيميائي للعرض تتفاعل، وتتداخل؛ لتحدث أمرين:
الأول: تكوينها لبنى تفسيرية متجاوزة لمركزية الخطاب الثقافي، وتؤسس لتجاوز ارتباط الثقافة بالمركزيات المكانية، والحضارية.
الثاني: إعادة إنتاج هذه البنى التفسيرية المتنوعة، والعابرة للثقافات في سياق تأويل اللحظة الحضارية الراهنة.
وقد بدا هذا التصور واضحا في قراءة د. نهاد لعرض "حفل مانيكان" الذي أدار ورشته هناء عبد الفتاح، وستوفسكي، وأخرجته عفت يحيى، وهو من تأليف برونو ياشنسكي.
وقد قامت د. نهاد بالتحليل الثقافي لعلامة الدمية / المانيكان، والتي تحمل هالة من الرعب، والرهبة الغامضة؛ وكأنها جسد، يمكن أن يتحرك في أي لحظة، وترى أن الجزء الأول من المسرحية يحمل روحا جروتسكية؛ فالدمى تبدو كمسخ يثير الضحك، والخوف حين تقطع رأس إنسان؛ أما الجزء الثاني فيتداخل فيه الإنسان مع الدمى؛ إذ يشبهها، أو تبدو الدمى أكثر صدقا منه. (راجع، د. نهاد صليحة، ومضات مسرحية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001، ص 276، 277).
لقد بحثت د. نهاد في المستوى الأول من الخطاب النقدي عن تنوع الدلالات الثقافية للدمى، وارتباطها بالرعب، وتجدد الحياة، ونزعات التشيؤ المعاصرة، وفي المستوى الثاني من الخطاب، قدمت إعادة تشكيل الدمية كعلامة تفسر تحولات القيم الثقافية في اللحظة الحضارية الراهنة؛ فهي تبدو كحضور تشبيهي مضاعف للعلاقات الآلية الميكانيكية، أو كحضور استعاري فائق، متحول عن تلك العلاقات الإنسانية المعاصرة نفسها.
د. محمد سمير عبد السلام – مصر
[email protected]















التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نهال عنبر ترد على شائعة اعتزالها الفن: سأظل فى التمثيل لآخر


.. أول ظهور للفنان أحمد عبد العزيز مع شاب ذوى الهمم صاحب واقعة




.. منهم رانيا يوسف وناهد السباعي.. أفلام من قلب غزة تُبــ ــكي


.. اومرحبا يعيد إحياء الموروث الموسيقي الصحراوي بحلة معاصرة




.. فيلم -شقو- بطولة عمرو يوسف يحصد 916 ألف جنيه آخر ليلة عرض با