الحوار المتمدن - موبايل


-زمن القيعان المتلاحقة- ... أين القاع الحقيقي؟

خالد الحروب

2017 / 9 / 10
مواضيع وابحاث سياسية



بعد الحرب الامريكية على العراق سنة 2003 والدمار الذي جلبته على المنطقة كتبتُ وفي تاريخ لا اذكره مقالاً بعنوان "اركيولوجيا القيعان المُتلاحقة"، وظلت فكرته الاساسية بإستشرافها السوداوي تلاحقني كلعنة فرعونية حتى الآن. يومها تأملتْ تلك الفكرة التدهورَ المتلاحق في عقود القرن العشرين العربية، وكأنه تناسلَ لا يتوقف للقيعانقاعاً بعد قاع، ذلك انه كلما ظننا اننا وصلنا إلى القاع تبعاً لكارثة ماحقة فاقت التوقع والتصور من سلسلة الكوارث الكبرى، لا نلبث ان نُصدم بحقيقة مريعة وهي أن ما ظنناه "القاع" الذي ارتطمنا به حديثا لم يكن إلا مجرد قاع "عابر" من سلسلة لامتناهية من القيعان المتلاحقة على رؤوس العرب. كان "قاع" حرب 2003 وهو الذي فتح دوامة قيعان القاعدة وداعش والحشد الشعبي التي نعيش فيها الان قد تبع قاع غزو صدام حسين للكويت وما تلاه من خراب في المنطقة، تفرعت عنه قيعان مؤتمر مدريد واتفاقات اوسلو الموقعة على دمار ما كان قد تبقى من قوة وتضامن عربي هش.هكذا كان إذ على الضد من الظن المتسرع المواكب لكل قاع مُستجد، كما تبدت الحالة العربية وقت الحرب آنذاك، ثبت ان مسألة الوصول للقعر الحقيقي من التردي مسألة تحتاج لضنك اضافي.ففي حين تتلاحق قيعان التردي واحدا إثر الآخر وكل منها يوهمنا بكونه القعر الاخير، فإننا نُصفع في وجوهنا من جديد عندما نكتشف سريعاً ومع الكارثة اللاحقة انالقاع الحقيقي الملعون لا يني يتملص من بين ايدينا ويأبى الظهور. في الفسحة الزمنية القصيرة ما بين قاع وقاع ربما نمارس ترف رفع رؤوسنا وانظارنا المركزة على القاع ونقلب النظر في المحيطحولنا علنا نستكنه لغز هذا القاع الغامض والفار من واقعنا.
يقودنا التأمل في لغز القيعان المتلاحقة او تلك التي لا قرار لهاإلى ما يتبادله الشغِفون بالفيزياء من مسائل افتراضية تثير التفكير وتجمح بالخيال. مثلاً، ماذا يحدث لو حفرنا في نقطة ما على سطح الارض بئراً اسطوانياً عميقاً لا قاع له، يصل إلى مركز الارض ويخترقه إلى النصف الثاني من سطح الكرة الارضية، وهي المسألة التي يسميها الفيزيائيون: The physics of bottomless pit. إذا حيدنا الكتلة النيرانية الحارقة في مركز الارض والضغط والحرارة وكل العوامل الاخرى المتزايدة اضطرادا مع العمق، ثم قفز احدنا في هذا البئر فإلى اين سيصل بالضبط؟ وهل سيخرج من الفتحة الاخرى المُقابلة؟ تعتمد الإجابة على إمكانية تفريغ القعر الاسطواني من الهواء ام لا، وكذلك على تحييد اثر قوى جاذبية القمر. مع وجود الهواء سوف يعلق المغامر الذي يأخذ على عاتقه تجريب القفز داخل اعماق البئر في نقطة ما بعد عدة كيلو مترات وفيها تتساوى قوى الضغط والجاذبية مع اثر دوارن الارض حول نفسها، وهناك يظل معلقا في البئر فاقدا القدرة على مواصلة السقوط، وكذا القدرة بالطبع على الصعود والعودة إلى حيث قفز. يمكن ان نصف ذلك المآل بكونه "نقطة التوازن القيعاني"، حيث تتبدد القدرة الإنسانية تماماً ويتسيد العجز الحالة برمتها. تبدو الحالة العربية الراهنة مشابهة في اوجه كثيرة منها لهذه الحالة حيث يتسيد العجز الموقف العام وتغيب المبادرة والمبادأة ويتحول المجموع العام إلى كتلة عاجزة برسم إنتظار ما يفعله بها الآخرون. لكن هذا واحد من الإحتمالات ليس إلا، لأن هناك احتمال آخر هو مواصلة السقوط في اللاقاع بأمل الارتطام بالقاع الحقيقي.
فيزياء "اللاقاع" او البحث عن القاع الحقيقي في كنه ومآلات "القعر الذي قرار له" وناسه او الإشارة إليه حفلت به ايضا الادبيات الدينية وكذا الشعرية والفلسفية. هناك العديد من القيعان التي قرار لها ومحفورة في الوعي الجمعي الإنساني، منها قاع جهنم الذي لا قرار له وإليه سوف يؤول من تراهم الكتب المقدسة مجرمين ومستحقين العذاب وتتوعدهم بمصير بائس! وهناك ايضا سوف يكون مصير الشيطان لآلاف السنين، وهو يبحث عن "مفتاح" ذلك القرار كما تقول بعض المرويات الانجيلية. فلسفيا رأي كثيرون ومنهم ديموقريطس ان "اللاقاع" او bottomless pit هو المكان الذي تستقر فيه المعرفة والعلم (وهو شيء فيه الكثير من العزاء لنا إذ يمكن تبرير رحلتنا القيعانية بالرغبة في الوصول إلى جوهر المعرفة!). في الادب العالمي وسردياته الكبرى، اشتهر في كثير مما كتب عن مآسي الاستعباد والتجارة في الرقيق على مدار قرون تعبير "قاع الآلام الذي لا قرار له" ليصف الأوجاع المذهلة وربع الحياة وثلاثة ارباع الموت الذي عاشه عشرات ملايين الافارقة في أوديسة الاسترقاق التي لم تتبد لها نهاية آنذاك، كما ظهرت في ملحمة "جذور" اليكس هالي ثم ما تلاها.
أين نحن اذن من "اللاقاع" السياسي والجمعي الذي نعيشه؟ إذ أن كنتُ على مقاعد المدارس وعلى إثر زيارة السادات للقدس سنة 1977 سمعت تعليقات من الوالد والاقارباشارت كلها إلى اننا "وصلنا إلى القاع" الذي ما بعده قاع. بعدها بسنوات قليلة وقد غدوت ناشطاً سياسياً في الثانوية ثم الجامعة صرت لا احتاج للآخرين كي اطلق اوصافي "القيعانية" الخاصة على القاع الذي نحن فيه، ويومها كان الإجتياح الاسرائيلي للبنان وإحتلال بيروت عام 1982 هو القاع المُذهل الذي فجعنا ولم نتوقع بعده قاعا. عاصمة عربية يتم احتلالها من قبل الجيش الصهيوني ومحاصرة المقاومة الفلسطينية فيها ولا يتحرك العرب، بل إن احد قادتهم لا يخجل من نُصح المقاومة بالإنتحار ... أهناك قاع بعد هذا القاع؟ كم كنا ساذجين حقاً! لمن نكن بعدها بحاجة إلى عبقرية خاصة حتى ندرك وبمرارة أن إعصار القيعان المتلاحقة التي حلت بهذه المنطقة رافق كل جيل من اجيالها. القاع الذي ظن والدي وجيله ان لا قاع بعده كان حرب حزيران 1967، وهو الجيل الذي ظن انه قد ارتطم بذلك القاع سنة النكبة وضياع فلسطين عام 1948.
"نظرية" القيعان المُتلاحقة تدهشنا فعلاً لسببين على اقل تقدير: الاول، لأنها تفضح سذاجة تقديراتنا رغم تمرسنا المفترض وخبرتنا القيعانية المتراكمة. ففي كل مرة نكرر الظن بأن فداحة الارتطام بقعر ما وضخامته وكوارثه تؤكد أن لا قعر يمكن تخيله بعد هذا القعر. مع ذلك، وما ان نتعود على القاع الجديد ونتلمس جنباته وجغرافيته و"نأنس" به حتى ينفلق من تحتنا ويقذفنا إلى قاع جديد بكارثية جديدة. السبب الثاني لما تتضمنه هذه "النظرية" من إدهاش صار يكمن في توقنا الشديد ورغبتنا القاتلة في الوصول حقا وفعلاً إلى القاع النهائي والحقيقي ... وليس المزيف والمؤقت. نعلن تواضع هدفنا الجماعي ومطامنة كبريائنا وإزاحة كل المطالب والشعارات والاهدف الكبرى جانباً، والتركيز على امل ورغبة واحدة وهي ان نصل القاع الحقيقي ثم نتوقف عنده. إذا وصلنا إلى ذلك القاع واكتشفنا "صلابته" وعدم هشاشة ارضيته وانفلاقها المُحتمل وان لا قاع بعده عند ذلك نكون قد حذفنا إحتمال "الأسوأ" على اقل تقدير. صحيح اننا نكون لا زلنا في القاع لكن المهم ان لا يكون ثمة قاع بعده. القاع الحقيقي في حقبة القيعان المتلاحقة يصبح امل ومطلب ونعمة وعلينا ان نفرح به، لأن الوصول إليه يعني اننا سنواجه احتمالين إثنين الاول هو ان يستطيب لنا المقام في القاع فنرقد فيه، لكن من دون خطر مداهمتنا من قبل قاع تحتاني جديد، والثاني هو ان نبدأ الصعود إلى أعلى ولو بعد حين. من هنا تتبدى اهمية وضرورة الوصول إلى القاع النهائي والامل بإنهاء لعنة "نظرية القيعان المتلاحقة".
[email protected]








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - اعجبت
موفق حدادين ( 2017 / 9 / 10 - 07:17 )
الاستاذ د خالد الحروب المحترم
تحية طيبة
اعجبت بخيالك العلمي وواقعيتك السياسية
لعلك تتحفنا بمقال اخر لاحقا عن اسباب سقوطنا المتلاحق في هذه القيعان
هل هو تمسكنا بالدين ام مصيبتنا بالعسكر الذين سطوا على الدولة بالقوه
آم خيالات القائمين على الاحزاب ووو الكثير
مع فائق الاحترام
د موفق حدادين
استاذ في الصيدلة
عمان في ١-;-٠-;- ايلول ٢-;-٠-;-١-;-٧-;-

اخر الافلام

.. ما هي أنواع الهجمات السيبرانية التي تطال الشركات والمؤسسات ا


.. فلسطين وإسرائيل: الجيش الإسرائيلي: برج الجلاء كان يضم مصالح


.. قناة السويس..مشروع تطوير الجزء الجنوبي للمجرى الملاحي| #من_ا




.. إلغاء 40 رحلة طيران من أوروبا إلى إسرائيل


.. مواجهات في شوارع بيت لحم