الحوار المتمدن - موبايل


-وعد بلفور- وإسرائيل: العنصرية الاوروبية والعداء لليهود

خالد الحروب

2017 / 10 / 8
القضية الفلسطينية



تفرض مئوية وعد بلفور التي تُصادف في الثاني من الشهر القادم إعادة التأمل في الظروف التي احاطت صدور ذلك الوعد في السنة الرابعة من الحرب العالمية الاولى 1917، وعلاقة ذلك الصدور مع جملة من العوامل التي لعبت لصالح الحركة الصهيونية وتناغمت مع اهدافها. المقالة السابقة لكاتب هذه السطور في هذه الصفحات في 24 ايلول (سبتمبر) استعرضت توافق فكرة إقامة وطن قومي لليهود مع التفكير الاستراتجي البريطاني في شكل عام وعريض، لقربها من قناة السويس الطريق الشريان الاهم نحو الهند، ولإنسجامها مع النزعات الصهيونية التي سيطرت على عدد من صناع القرار البريطانيين وخاصة جورج لويد رئيس الحكومة البريطانية آنذاك ووزير خارجيته آثر بلفور، فضلا عن محاولة توظيف النفوذ اليهودي في واشنطن وموسكو لأجل دفع البلدين للإنخراط في الحرب إلى جانب بريطانيا وفرنسا ضد المانيا. هذه المقاربة تتأمل في وعد بلفور من زاوية اخرى لا تقل اهمية عن الابعاد الاستراتيجية تلك، وهي الرغبة الاوروبية في التخلص من "المسألة اليهودية" برمتها، و"تخليص اوروبا من اليهود". وقد كمنت الجذور المختلفة لهذا "التخلص" في العداء المُتأصل لليهود في اوروبا، وخاصة شرقيها، وفي انتشار "العداء للسامية" والبحث عن حل ل "مشكلة" وجود اليهود ونفوذهم المالي والسياسي الكبير كما كان يُنظر له من قبل نخب سياسية حاكمة في روسيا ولاحقا المانيا والنمسا وغيرها.
خلال الربع الاول من القرن العشرين وإياباً في التاريخ إلى الربع الاخير من القرن التاسع عشر تطورت في السياق الاوروبي السياسي والثقافي ما كان يُعرف ب "المسألة اليهودية". وهذه "المسألة" كانت تتمحور حول فهم وتعريف موقع اليهود كأفراد ومجموعات ضمن المجتمعات الاوروبية، وفيما إن كان يُفترض فيهم الاندماج المباشر كمواطنين في تلك البلدان وشعوبها، او بقائهم منعزلين في غيتواتهم وحيواتهم المنفصلة. كما ان هذه المسألة ارتبطت جوهريا بالوعي القومي المتزايد في اوروبا وضرورة تعزيز الانتماءات القومية على حساب الدينية وسواها. وتطورت "المسألة اليهودية" في اوروبا واخذت اتجهات مدفوعة بسمتين اساسيتين كان الوعي الاوروبي الشعبي والمثقف والمسيس يراهما ملازمتين لليهود: الاولى الارثوذكسية الدينية الجماعية التي تحيل انتماء الافراد إلى الدين والجماعة الدينية خاصتهم بشكل شبه حصري، والثانية السمعة السيئة التي لحقت بهم تاريخياً جراء اشتغالهم بالمال والإقراض وما كان يُرى في الوعي الشعبي الغربي بأنه استغلال ومراباة. تنامت تلك الإتجاهات والتي اصبحت تعرف ب "معاداة السامية" نحو تعزيز عنصريات متنوعة الدرجات ضد اليهود وتبلور العداء لهم ووصوله إلى مستويات عالية. تفاقمت هذه العنصرية والعداء لليهود في روسيا القيصرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ووصلت مداها في اواخره، دافعه الكثير من المثقفين اليهود إلى تبني الفكرة الصهيونية كحل ل "المسألة اليهودية"، وهي التي تمحورت حول فكرة الخلاص اليهودي عبر إقامة كيان قومي لهم في اي بقعة في العالم. ولم يكن الوضع بأفضل حالا بالنسبة لليهود في المانيا والنمسا والشرق الاوروبي بعامة، وتزايد العداء لليهود في المانيا والنمسا في عقود القرن العشرين الاولى كما نعلم مع قيام الحزب النازي واستهدافه اليهود واعتبارهم "الطابور الخامس" الذي يدمر المانيا من الداخل. في اوروبا الغربية، بريطانيا وفرنسا على وجه التحديد، تمتع اليهود بوضع افضل وتبنوا سياسات اندماجية، رغم ان العداء لليهود ظل مُستبطناً في الوعي الشعبي ويعبر عن ذاته بين الوقت والآخر.
على هذه الخلفية اصطدمت فكرتان في الاوساط اليهودية المثقفة وتلك المهتمة بمصير يهود اوروبا: الاولى هي العمل على إدماج اليهود في مجتمعاتهم بكل السبل ومنحهم حقوق مواطنية متساوية ودستورية، والثانية العمل على اقامة كيان قومي ديني لهم خارج اوروبا لأن مسألة ادماجهم في المجتمعات صعبة ان لم تكن مستحيلة. وكانت بطبيعة الحال الفكرة الصهيونية هي التي حملت لواء الحل الثاني ودعت له، وقدمت عدة مقترحات منذ اوائل القرن العشرين لمناطق محتملة في العالم من ضمنها الارجنتين واوغندا. لكن الفكرة الصهيونية لم تستطع ان تستقطب الشعبية والتأييد العام ليهود اوروبا وظلت الى حد ما نخبوية في مراحلها الاولى، وعوديت من قبل شرائح يهودية عديدة ومتدينة. والشيء المهم والمثير حقاً في سيرة الفكرة الصهيونية هو ان قوتها الحقيقية جاءت من خارجها، اي من تلاقيها مع استراتيجيات ورغبات وتوجهات دولية واستعمارية في ذات الوقت. ذلك ان فكرة ترحيل اليهود من اوروبا و"تخليصها" منهم عبر انشاء كيان قومي لهم في اي مكان في العالم لاقت استحساناً وقبولاً عند الحكومات الاوروبية وكثير من القادة السياسيين حتى عبر المتوسط وفي الولايات المتحدة. وقد تمكن القادة الصهاينة من ملاحقة هذا الاستحسان إلى امديته القصوى خاصة في بريطانيا التي كانت العمود الفقري للحلفاء خلال الحربين العالميتين الاولى والثانية، واشتغلت الصهيونية خلال عقود الحربين وما بينهما على تفعيل الرغبات الدفينة لدى السياسيين الاوروبيين إزاء فكرة التخلص من اليهود الاوروبيين وترحيلهم إلى فلسطين. ومن المثير هنا الاشارة إلى ان عددا من المثقفين والسياسيين اليهود في القارة الاوروبية وقفوا بقوة وصلابة ضد الفكرة الصهيونية ليس فقط لتناقضها مع مفاهيم المواطنة والاندماج وولاء اليهود للدول التي يعيشون فيها ومن المفترض ان ينتموا لها، بل وايضا لأن فكرة بناء كيان يهودي خالص لا تعني سوى تأبيداً لفكرة الغيتو اليهودي الجماعي. وربما اشهر هؤلاء السياسيين اليهود كان إدوين صاموئيل مونتاغيو، وزير دولة في الحكومة البريطانية، الذي رفض فكرة وجود "جنسية يهودية" ورفض فكرة وعد بلفور وحاول الغاءها، ولم ينجح إلا في تعديلها جزئيا. وقال ان دولة يهودية في فلسطين سوف تكون على حساب العرب والمسلمين وسوف تخلق اكبر غيتو يهودي في العالم.
اما الجانب الالماني من قصة الحركة الصهوينة فهو لا يقل إثارة. فهنا وبرغم ما هو معروف وموثق من عداء هتلر والحركة النازية لليهود وجريمة المحرقة التي اقترفها بحقهم، إلا ان فكرة "شحن يهود الماني" إلى فلسطين كانت تروق له ولم يمانع في اي هجرات يهودية إلى فلسطين. كما ان الحركة الصهيونية نفسها رأت في المحرقة فرصة كبيرة تثبت ليهود اوروبا ان مصيرهم الوحيد هو في الرحيل عن القارة وإقامة كيان خاص بهم. وفي الجانب الامريكي ايضا استولت فكرة ترحيل يهود اوروبا وحل "المسألة اليهودية" إلى الابد عبر تهجيرهم إلى فلسطين على مخيلة كثير من القادة والسياسيين. وخلف شعار وسياسة التأييد لإقامة وطن قومي لليهود اختبأت كثير من مشاعر الكراهية لليهود والرغبة في تخليص القارة البيضاء منهم. ويرد ذلك في مدونات وتواريخ كثير من الساسة الامريكيين الذي استبطنوا نزعة لا سامية قوية، وعلى رأسهم هاري ترومان نفسه الذي كان يبدي تأييدا منقطع النظير لفكرة اقامة دولة اسرائيل وسارع في الاعتراف بها. ففي وقت لاحق نشرت يومياته التي امتلأت بتعبيرات كراهية واحتقار لليهود ادهشت المؤرخين والاسرائيليين معاً.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - شارع بلفور في الميفير بطول مائة متر
أفنان القاسم ( 2017 / 10 / 9 - 13:25 )
معيار للاحتقار البريطاني آنذاك للعرب الفلسطينيين قبل اليهود، اذهب إليه مشيًا على القدمين، فهو غير بعيد من السفارة الأمريكية سابقًا...

اخر الافلام

.. حماس تطلق صواريخ في اتجاه تل أبيب بعد قصف مخيم الشاطئ


.. الاحتلال الإسرائيلي يدمر برجا يضم مقر الجزيرة ووسائل إعلام ع


.. انتخابات إيران الرئاسية.. غلق باب الترشح




.. شاهد.. محاولة عبور الحدود إلى داخل إسرائيل


.. تضامن عالمي مع القضية الفلسطينية