الحوار المتمدن - موبايل


بناء الذاكرة في كتاب الأيّام

سليمان جبران

2017 / 11 / 20
الادب والفن


سليمان جبران: بناء الذاكرة في كتاب الأيّام

في سنة 1929، مع صدور الجزء الأول من "الأيام" على شكل كتاب، وصفه المستشرق المعروف هاملتون جب بهذه الكلمات: "وأهمّ من ذلك كلّه من الناحية الأدبيّة سيرته الشخصيّة التي دعاها "الأيام"، هذا الكتاب الذي استحقّ الثناء لما فيه من عمق في الشعور وصدق في الوصف. ويمكننا أن نعتبره بحقّ أحسن عمل أدبي صدر في الأدب المصري الحديث حتى الآن". لم يكن جب، في الواقع، مغاليًا في قولته هذه، بل يمكن الزعم، بعد هذه السنوات الطويلة على تصريح جب، أنَ كتاب الأيام هو أشهر كتاب في الأدب العربي الحديث، وأكثر الكتب شأنا وانتشارًا: فقد تحوّل هذا الكتاب إلى كتاب أساسي في كلّ مؤسّسات التعليم العربي، وطُبع عشرات المرّات، وحظي من النقد والتقريظ بما لم يحظَ به كتاب آخر في الأدب العربي المعاصر، كما تُرجم أيضا إلى لغات أجنبية كثيرة.
لا شكّ أنّ لشخصيّة طه حسين ومكانته، كاتبًا ومفكّرا، نصيبًا في انتشار هذا الكتاب وتقييمه: ذلك أنّ طه حسين، مؤلّف الكتاب (1889 – 1973)، لعب دورًا متميّزا في الأدب العربي الحديث، مبدعًا وباحثًا ومترجمًا. وشارك أيضا مشاركة فاعلة في الحياة السياسيّة والثقافيّة لمصر المعاصرة بشكل عامّ. كما أنّ شخصيّة طه حسين كانت شخصيّة فذّة بكل المعايير، فهو تنويري جريء، ومصلح لامع، صمد بشجاعة نادرة في عواصف أدبيّة ثقافيّة كثيرة، محاولا بعزم وإصرار الانتقال بمصر إلى الحياة والفكر المعاصرين بأسرع ما يمكن. لكلّ ذلك اعتُبر طه حسين بحقّ أعظم الأدباء والمفكّرين في عصره. كما أنّ حرمانه من نعمة البصر، منذ طفولته، لم تزدْ شخصيّته إلا جلالا وسحرًا في كلّ مجال طرقه، وكلّ إطار ظهر فيه.
كان لشخصيّة طه حسين ومكانته أثر في تقييم الأيام وانتشاره، ما في ذلك شكّ. إلا أنّ الكتاب ذاته، بمبناه ومضمونه وأسلوبه، هو بالطبع أساس هذا النجاح الفائق الذي لاقاه بين القرّاء والنقّاد على حدّ سواء. فكتاب الأيام، أوّلا، يمكن اعتباره السيرة الذاتيّة الأولى في الأدب العربي الحديث.
صحيح أنّ أحمد فارس الشدياق (1801- 1887) أصدر سيرته الذاتيّة المسمّاة "الساق على الساق في ما هو الفارياق" في باريس سنة 1855، قبل الأيام بإحدى وسبعين سنة، وهي سيرة ذاتية فريدة اتّخذ فيها الشدياق من حياته الشخصيّة إطارًا ضمّ فيه كلّ ما شغل باله من الأمور الشخصيّة والمعاشيّة والأدبيّة، على لسان الراوي مرّة، وعلى لسان الفارياق "بطل" السيرة مرّة أخرى. إلا أنّ السيرة الشدياقية، لأسباب كثيرة لا مجال لتفصيلها هنا، لم تلقَ الذيوع بين الأدباء والقرّاء في المشرق، بحيث يتجاهلها كثيرون من مؤرّخي الأدب الحديث أيضا.
السيرة الذاتيّة الثانية، قبل الأيام أيضا، هي سيرة جرجي زيدان (1881- 1914)، المفكّر اللبناني العصامي المعروف، الذي هاجر إلى مصر، فغدا هناك من أعمدة النهضة الحديثة في الأدب والفكر المعاصرين. كتب زيدان سيرته، "مذكّرات جرجي زيدان"، بمناسبة سفر ولده إلى الدراسة في بيروت سنة 1908، إلا أنّها لم تصدر في كتاب إلا في سنة 1968، فلم يكنْ لهذه السيرة أيضا أثر يُذكر في تطوير هذا الجانر الأدبي، في مطلع القرن العشرين على الأقلّ.
هكذا يمكننا القول، مطمئنّين، إن الأيام، رغم أنها لم تكن أول سيرة ذاتية في الأدب الحديث، هي بلا شكّ السيرة الذاتية الأولى التي لاقت ذيوعًا وإقبالا وتأثيرًا، بحيث أعطت لهذا الجانر الأدبي الجديد الاعتراف والمشروعية في الأدب العربي الحديث عامّة.
يضمّ الأيام، كما هو معروف، ثلاثة أجزاء تناول فيها طه حسين حياته، بالترتيب الكرونولوجي، منذ طفولته المبكّرة في القرية حتى بلوغه سنّ الثلاثين. إلا أنّ الأجزاء الثلاثة، بخلاف تقاليد كتابة السيرة الذاتيّة، وهو أمر يهمّنا هنا بوجه خاصّ، لم تكتب دفعة واحدة، بل في فترات متباعدة تمامًا. فالجزء الأول، وفيه وصف لطفولة طه حسين في القرية حتى سنة 1902، حين التحق بالأزهر، نُشر مسلسلا في مجلّة "الهلال"، ابتداء من كانون أوّل/ ديسمبر 1926 حتى تمّوز/ يوليو 1929. والجزء الثاني يتناول دراسة طه حسين في الأزهر، وحياته في "الربع" في القاهرة، صدر سنة 1939. وصدر الجزء الثالث مسلسلا أيضا في "آخر ساعة" سنة 1955، ثمّ ظهر أيضا على شكل كتاب بعنوان "مذكّرات طه حسين" سنة 1967.
ونحن في مقالتنا هذه سنقتصر على كتاب الأيام بجزأيه الأول والثاني، حيث يتناول طه حسين حياته في مصر، قبل سفره إلى الدراسة في باريس. ذلك أنّ الجزء الثالث يختلف في ظروف تأليفه وفنّه بعض الاختلاف عن الجزأين المذكورين، بحيث يخرج عن نطاق اهتمامنا في هذه المقالة.
بالإضافة إلى الفترة الطويلة نسبيًا بين أجزاء الأيام الثلاثة، وهو أمر ذو دلالة هامّة طبعا، يمكننا أيضا ملاحظة الأمور اللافتة التالية، بشأن ظروف كتابة طه حسين لهذه السيرة:
صدر الجزء الأول مسلسلاً، كما أسلفنا، سنة 1926، حين كان المؤلف ابن سبع وثلاثين سنة لا أكثر. لذا يصعب القول إن هذه السنّ المبكّرة نسبيًا هي المرحلة المواتية من العمر لكتابة السيرة الذاتيّة، بهدف "تلخيص حياة" ما زالت في أوج نشاطها وعنفوانها. كان طه حسين في هذه الفترة منصرفا بكلّ وقته وطاقاته إلى البحث والتأليف، وترسيخ مكانته الأكاديميّة في الجامعة، فلا بدّ أنْ يكون دافِع غير عادي وراء إقدامه على تأليف سيرته الذاتية في هذه المرحلة المبكّرة بالذات. يقول جان ستاروبنسكي في دوافع كتابة السيرة الذاتيّة: "لا يكاد المرء يجد دافعًا كافيًا لكتابة سيرة ذاتيّة ما لم يطرأ على حياته تغيير جذري- اعتناق مذهب جديد، دخول حياة جديدة، رعاية إلهيّة. فإذا لم يمسّ هذا التغيير حياة الراوي فإنّه يستطيع فقط تصوير ذاته مرّة وإلى الأبد، والتطوّرات الجديدة يتمّ تناولها باعتبارها أحداثًا خارجية [...] والسارد بضمير المتكلّم لا يعود ضروريّا. أمّا التحوّل الداخلي في الفرد- والطابع الفريد لهذا التحوّل- فهو يوفّر موضوعا لخطاب سرديّ تشكّل "الأنا" فيه فاعلا ومفعولا معا".
لم يعتنق طه حسين مذهبًا جديدًا، إلا أنّ حياته بعد عودته من الدراسة في فرنسا هي حياة جديدة تختلف تمامًا عنها في مصر قبل سفره. فقد انتقل من حياة القهر والجهل والتخلّف إلى حياة أوروبية راقية، في كل مظاهرها الماديّة والفكريّة. كان التغيير في حياته شاملاً وسريعًا، خلال أربع سنوات، بحيث يمكن القول إنّ التحوّل الداخلي في نفسه لا يقلّ أثرًا عنه في التحوّل الديني أو المذهبي. ألم "يكفر" طه حسين بكلّ حياته في الريف وفي الأزهر، وبكلّ مواضعاتها ومفاهيمها، و"يعتنق" الحياة العصرية كما عرفها في فرنسا، بكلّ قيمها الفكريّة والمادّيّة؟ لقد بدّلته الحياة في باريس "من البؤس نعيما، ومن اليأس أملا، ومن الفقر غنى، ومن الشقاء سعادة وصفوا"، كما يصرّح في خاتمة الجزء الأول من الأيّام، عازيًا هذا التغيير الشامل إلى زوجته الباريسية سوزان.
"دخول الحياة الجديدة" وحده كان دافعًا كافيًا، في رأي ستاروبنسكي، لتأليف سيرة ذاتيّة. إلا أنّ حدثا هامًا وقع في سنة 1926 كان السبب المباشِر، فيما يبدو، في كتابة الجزء الأوّل من الأيام. أشار كثيرون بحقّ، إلى تزامن كتابة الأيام وأزمة كتابه "في الشعر الجاهلي" سنة 1926: فقد أصدر طه حسين كتابه المذكور في هذه السنة، وأخذ فيه بالنهج الديكارتي الصريح محاولا أنْ يثبت أنّ الشعر الجاهلي في معظمه شعر منحول، وُضع في الفترة الإسلامية ونُسب إلى الجاهليّين، خدمة لاتجاهات سياسية متأخّرة. هذا النهج في التشكيك في "المسلّمات" أدّى إلى التشكيك في أمور تتّصل بالدين والعقيدة أيضًا، مثل الاعتقاد حول الحجر الأسود والوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل.
أثار الكتاب ضجّة كبرى مستنكرة بين الأدباء المحافظين والأوساط الدينية على حدّ سواء، فكان من نتيجة ذلك اتّهام طه حسين بالكفر، ومهاجمته شخصيًا بأسلوب عنيف، ومطالبة الحكومة باتّخاذ إجراءات قانونيّة ضدّه. هكذا صودر الكتاب من الأسواق مما اضطرّ المؤلّف في آخر الأمر إلى إصداره في طبعة جديدة في السنة ذاتها، بعد أن أجرى فيه بعض التغييرات الطفيفة، وغيّر اسمه أيضا فجعله "في الأدب الجاهلي".
في هذا الجو المشحون بالعداء والتحريض، ألّف طه حسين، كما أسلفنا، الجزء الأول من كتابه الأيام. لذا يمكننا، ببساطة، اعتباره ردّا سريعا ومباشرًا على جميع الأوساط المعادية، وضدّ البيئة الرجعية التي لا تعترف بالحريّة الفكريّة، وإبداء الآراء الخارجة على "إجماع الأمّة".
ففي الكتاب الذي ألّفته زوجته الفرنسية سوزان، وقد أُقحم اسمها أيضا في حملة التحريض العنيفة، لم تدع الكاتبة مجالا للشكّ حول الدوافع المباشرة لتأليف زوجها كتاب الأيام: "لكن ما حدث له أرهقه. ولم يكنْ يفهم هذه الأحكام البليدة، وهذا التحيّز الأخرق، وهذا الحقد الفاسد، وهذا الرياء، وتلك البراعة التي نجحوا بها في تحريض أناس طيبين ضدّ إنسان شريف، وفي جرّه إلى المحكمة بعد أن صادروا كتابه، والحملات القاسية في الصحافة، والشتائم، والتهديد بالموت الذي كان وراء إقامة حراسة على مدخل بيتنا أمام باب الحديقة خلال عدّة أشهر، كلّ هذه الأحداث كانت تذهله وتستثير ضميره العلمي وتؤلمه كثيرا. وقد قلق فعلا على الطفلين عندما أرادوا أن يحرموه من مورد رزقه [...]. لكي يتمكن طه من التغلّب على مرارته واستعادة صحّته التي ساءت، صحبتُه إلى فرنسا، إلى قرية صغيرة في السافوا العليا. وهناك كتب، خلال تسعة أيّام، كتابه الذي يحمل اسم الأيام، أو كتاب الأيام".
هذه العاصفة القاسية التي أثارها كتابه"في الشعر الجاهلي" لم تكنْ بالطبع العامل الوحيد الذي دفع طه حسين إلى تأليف الأيام. إلا أنّ هذه العاصفة، بعنفها وظلمها، عادت به، فيما يبدو، إلى أيّام طفولته في الريف، فترة النضال العنيد لذلك الصبيّ الأعمى في مجتمع متخلّف لا يرحم العميان ولا ينصفهم، بل يضطهدهم ويحتقرهم 0في أحيان كثيرة؛ مجتمع يحكمه الجهل والعقائد الباطلة، بحيث سلبه نور عينيه ثمّ اضطهده لعماه أيضا.
صحيح أنّ نضال الفتى تكلّل، في نهاية المطاف، بالنجاح الباهر، وذاك الفتى الأعمى المقصى غدا في شبابه أستاذا جليلا في جامعة القاهرة، إلا أنّ ندوب تلك الطفولة ظلّت كما يبدو قائمة في قلبه ونفسه، فما إن حرّكتها أزمة كتابه المذكور حتى مثلتْ أمام عينيه من جديد، بكلّ عذاباتها وقسوتها، فوفّرت له الفرصة المواتية لمحاسبة تلك البيئة الظالمة شرّ حساب.
يقول الأستاذ أحمد هيكل: "وهذا معروف أنّ طه حسين بدأ بكتابة أيّامه بعد الضجّة التي أثيرت حول كتابه عن الشعر الجاهلي. فكأنّه أراد من خلال التاريخ لحياته أن يعبّر عن أمرين أساسيّين، كان التعبير عنهما ضروريًا بالنسبة إليه في هذه الظروف. أمّا الأمر الأوّل فهو تأكيد ذاته وتصوير عظمة كفاحه، وعرض صفحات من جلَده وثباته برغم أقسى الظروف. وأمّا الأمر الثاني فهو الكشف عن جذور جهل البيئة الثقافيّة التي تعرّضت له، وإدانة التخلّف الفكري الذي قاوم تقدّميّته".
لا جدال في أنّ محاسبة طه حسين لبيئة طفولته، والأوساط الدينيّة والأدبيّة التي هاجمته بعد إصداره "في الشعر الجاهلي"، هي التي دفعتْه، كما أسلفنا، إلى تأليف الأيام. إلا أنّه، بفكره البعيد ورؤيته الثاقبة، ترفّع عن مهاجمة مضطهديه أيام الطفولة، وحاسديه المحرّضين من الأدباء والمثقفين بعد عودته من فرنسا، بأسلوب مباشر محدّد. آثر طه حسين أن يتناول الجوهر؛ أن يؤلّف "لائحة اتهام" ضدّ المجتمع الذي وُلد فيه وعانى، بوجه عام، متجنّبًا النقد الشخصي لشخصيّة محدّدة من الشخصيات التي لعبتْ دورًا سلبيّا في حياته. من هنا كانت السمات المضمونيّة والأسلوبية التي لا تتّسم بها السيرة الذاتية عادة، بحيث دعتْ بعض الباحثين إلى الاعتراض على اعتبار الأيام سيرة ذاتيّة فحسب.
الفارق الأول الذي يميّز الأيّام عن السيرة الذاتية العاديّة هو غلاف الكتاب وعنوانه. فباستثناء اسم الكتاب واسم مؤلّفه، لم يضِفْ طه حسين أيّ علامة أو تلميح إلى الجانر الأدبي للكتاب. فلا مقدّمة بقلم المؤلّف، ولا بقلم غيره، تشرح للقارئ نوع الكتاب أو ظروف تأليفه. ولا اسم الكتاب ذاته يشير بشكل أو بآخر إلى أننا بصدد سيرة ذاتية. كلّ ما في الاسم، الأيام، أنّه ربّما يلمّح إلى مصائب الزمان وتقلّباته؛ دلالة قريبة من دلالة الدهر في التراث الكلاسيكي. ثمّ إنّ الكتاب يُسرد بضمير الغائب، وهو أسلوب كتابي يغلب على القصّة عادة.
بل إنّ الكتاب يفْصل بوضوح، وعلى امتداد "الأحداث" كلّها، بين الراوي/ السارد والبطل/ الصبي. هناك موضعان فقط يخرج فيهما المؤلّف عن السرد بضمير الغائب: في الفصل الأخير من الجزء الأوّل الذي يشكّل، في الواقع، خاتمة للكتاب، يلتفت فيها المؤلّف مباشرة، منذ الجملة الأولى، إلى ابنته بضمير المخاطب، بحيث يشكّل هذا الفصل إشكالاً "ضميريًا"، خصوصًا في عبارته الشهيرة التي يواصل فيها الفصل بين الراوي ووالد البنت التي يخاطبها: "رأيتك ذلك اليوم تسمعين هذه القصّة من أوّلها، ثمّ أخذ لونك يتغيّر قليلا قليلا، وأخذت جبهتك تربدّ شيئا فشيئا، وما هي إلا أنْ أجهشتِ بالبكاء، وانكببت على أبيك لثمًا وتقبيلا، وأقبلت أمّك فانتزعتك من بين ذراعيه، وما زالت بكِ حتى هدأ روعك. وفهمَت أمّك وفهم أبوك وفهمت أنا أيضا أنك إنّما بكيتِ لأنكِ رأيتِ أوديب الملك كأبيكِ مكفوفا لا يبصر ولا يستطيع أن يهتدي وحده، فبكيتِ لأبيك كما بكيتِ لأوديب". هذه الخاتمة المفاجئة المنبتّة عن الفصل قبلها تمامًا، هي في الواقع "مقدمة" أضافها طه حسين إلى الجزء الأوّل من الكتاب. فلعلّه يومئذ في أواخر العشرينات، لم يكنْ قرّر بعد أنْ يواصل كتابة سيرته الذاتيّة بعد هذا الجزء؟
الموضع الثاني هو أيضا الفقرة الأخيرة من الفصل الأخير في الجزء الثاني. إذ يختتم طه حسين هذا الفصل بفقرة منبتّة عن الفصل تماما، يلتفت فيها المؤلّف إلى ابنه، مهديا إليه الكتاب ليرافقه في رحلته إلى طلب العلم في باريس: "هنالك ترى لونا لم تعرفه من ألوان الحياة في مصر، وتذكر شخصا طالما ارتاح إلى قربك منه، وطالما وجد في جدّك وهزلك لذّة لا تعادلها لذّة، ومتاعا لا يعدله متاع".
كذلك تظهر الشخصيات في الأيام، عدا بعض الشخصيات الثانويّة، بغير أسمائها الصريحة: فالطفل، "بطل" السيرة، هو الصبيّ أو الفتى، وأحيانا الغلام أو صاحبنا، والأب هو الشيخ، ومعلّم الكتّاب هو سيّدنا، وأخوه هو الأزهري، وهكذا. كذلك لا يذكر اسم قريته التي ولد ونشأ فيها حتى الثالثة عشرة. ومن التواريخ كلّها لم يذكر سوى اثنين: وفاة أخيه يوم الخميس 21 أغسطس/ آب 1902، وقرار أبيه بإرساله أخيرا إلى الدراسة في الأزهر في خريف سنة 1902 ذاتها.
فلماذا عمد طه حسين إلى هذه "التعمية"، كأنّما لا يريد للقارئ أن يعرف منذ البداية أنّه حيال سيرة ذاتية للمؤلّف؟ أغلب الظنّ أنّ المؤلّف أراد لكتابه أنْ يراوح بين السيرة الذاتية والرواية، بين التحديد والتعيين من ناحية، والإغفال والتعميم من ناحية أخرى. فانتقى من سجلّ ذكرياته ما يوافق غايته هذه، واغفل منها ما لا يخدم هذه الغاية. كأنّما أراد بذلك أن ينتقل بالقضيّة الفردية الضيّقة إلى فضاء أعمّ وأرحب، ليكون اتّهامه عامّا رحبًا أيضا؛ يشمل البيئة التي نشأ فيها كلّها، بكلّ مؤسّساتها البدائيّة المحافظة، في القرية وفي المدينة أيضا، ليردّ بذلك على جميع من آذوه واضطهدوه في طفولته، وإبّان أزمة "الشعر الجاهلي" أيضا.
تتجلّى روح المحاسبة، المهيمنة تمامًا على الجزأين الأوّل والثاني من الأيام، في الذاكرة الانتقائيّة أيضا. صحيح انّ كلّ ذاكرة لا بدّ أن تكون انتقائية بطبيعتها. فالمرء يذكر أحيانا أمورا تافهة بينما تمّحي من ذاكرته أمور أخرى ذات شأن، أو كما يصف ذلك طه حسين نفسه: "ولكنّ ذاكرة الأطفال غريبة، أو قلْ إنّ ذاكرة الإنسان غريبة حين تحاول استعراض أحداث الطفولة، فهي تتمثّل بعض الحوادث واضحًا جليّا كأنْ لم يمضِ بينها وبينه من الوقت شيء، ثم يمّحي منها بعضها الآخر كأنْ لم يكن بينها وبينه عهد". من ذلك، مثلا، الأمر الأوّل الذي يذكره طه حسين من الكتّاب، إذ يرى نفسه جالسًا أمام سيّدنا يعبث بالنعال من حوله، وما ألصق بها من الرّقع.
إلا أن الانتقائية في ذاكرة طه حسين لا تقتصر على هذا النوع غير الواعي، بل تتعدّاه إلى انتقائيّة عامدة، ما في ذلك شك. لم يستعنْ طه حسين في كتابة الجزء الأول من الأيام، كما يُستخلص من ظروف تأليفه، بالمذكّرات أو اليوميّات أو غيرها من المصادر، كما يفعل عادة بعض كتّاب السيرة الذاتية. إلا أنّه يصعب الزعم بأنه تذكّر فقط تلك الشخصيّات والأحداث التي يأتي على ذكرها في القرية وفي الأزهر دون غيرها. فذكرياته كلّها، كما أسلفنا، يحكمها منحى المحاسبة الواضح، بحيث تُبرز كل شخصية أو حادثة، بشكل أو بآخر، جهل البيئة من حوله، في القرية وفي الأزهر، وتفوّق الصبي، بل تعاليه أيضا، على تلك البيئة، في بعض الأحيان.
من الظواهر التي تلفت النظر، مثلا، أنّ المؤلّف يكاد يتجاهل مسألة عماه، وهي قضيّة يتوقع قارئ طه حسين أنْ يجدها في مركز الصورة طبعا. وإذ يذكرها فهو يوردها باختصار شديد، في جملة أو جملتين، عرضًا، متعمّدا بوضوح تهميشها، كأنّما لا يرغب في كشف ضعفه، والسبب الأساسي لنقمته على البيئة المتخلّفة من حوله. كأنّما هي مسألة "موضوعية" لا تستحقّ شرحًا ولا اتّهامًا!
هكذا نجده يورد هذه الموضوعة في مناسبات أربع فقط، وفي أكثرها طولا ووضوحًا يأتي بالأمر عرَضًا، كما أسلفنا، في سياق وصفه بإسهاب وبأسلوب جدّ مؤثّر لموت أخته التي أجهز عليها المرض: "ولنساء القرى ومدن الأقاليم فلسفة آثمة وعلم ليس أقلّ منها إثمًا. يشكو الطفل، وقلّما تعنى به أمّه... وأيّ طفل لا يشكو! إنما هو يوم وليلة ثمّ يفيق ويُبلّ، فإن عُنيت به أمّه فهي تزدري الطبيب أو تجهله، وهي تعتمد على هذا العلم الآثم، علم النساء وأشباه النساء. وعلى هذا النحو فقدَ صبيّنا عينيه، وأصابه الرمد فأُهمل أيّاما، ثم دُعي الحلّاق فعالجه علاجا ذهب بعينيه. وعلى هذا النحو فقدت هذه الطفلة الحياة".
هذه القضيّة التي تلازم المؤلّف وقارئيه خلفيّة فاعلة في كلّ ما يوصف وما يقع من أحداث، لا تحظى بغير هذا الالتفات الخاطف! فهل يرمي المؤلّف بذلك إلى إخفاء ضعفه فحسب، أم يريد إيهام القارئ بأنها واقعة شخصيّة، أهمّ منها نقد البيئة الجاهلة التي ترتكب آثاما كثيرة، مثلها وأقسى منها أيضا؟!
كذلك تُسقط ذاكرته الانتقائية الشخصيات "الطيّبة" التي عرضت لحياة الفتى في القرية وفي الأزهر. هل يُعقل أن تشتمل القرية على أربع شخصيّات إيجابية لا غير، جميعها شخصيّات هامشية، خلال ثلاث عشرة سنة عاشها المؤلّف في القرية؟ هل يمكن أن يكون واقع القرية أسود حالكًا إلى هذا الحدّ، أم هي الذاكرة "المحاسِبة" تبرز كلّ ما يمثّل الجهل والتخلّف ولا تكاد تذكر نواحي إيجابية من الحياة، إمعانًا في النقد والتقريع و"المحاسبة"؟
والشخصيّات الأربع المذكورة ليست شخصيّات مركزية في حياة المؤلّف أيضا: مفتّش الطريق الزراعية، ربّما لأنه أزهري تقدّم في دراسة العلوم الدينية ثم انصرف عنها إلى مدرسة العلوم والصنائع، ويتكلّم الفرنسية أيضا، بحيث يمكن أن يذكّر بطه حسين نفسه، أو ليشكّل نقيضًا لمعلّم الكتّاب البغيض. والشخصية الثانية هي زوجة المفتّش المذكور ابنة السادسة عشرة، التي يدور بينها وبين الفتى حديث فيه "مودّة ساذجة كانت حلوة في نفس الصبي لذيذة الموقع في قلبه [...] وما هي إلا أنِ استحال الحديث إلى لعب، إلى لعب كلعب الصبيان لا أكثر ولا أقلّ، ولكنّه كان لعبًا لذيذًا".
كما حظيت بتعاطف المؤلّف أيضا شخصيتان أخريان، هما أخته ابنة الأربع، وأخوه ابن الثامنة عشرة. وكلاهما توفّيا بسبب مرض ألمّ بهما دون أن يُستدعى طبيب لعلاجهما. كأنّما أخواه أيضا ذهبا ضحيّة الجهل والتخلّف، فهو يتعاطف معهما، ويصف موتهما بأسلوب مؤثّر وبإسهاب!
إذا استثنينا هذه الشخصيّات الأربع نجد أن أهل القرية جميعهم يصوّرون بألوان سلبيّة قاتمة: الأب، الأم، الإخوة، معلم الكتّاب، العريف في الكتّاب، رجال الدين، المتصوّفون، الفقهاء. بل يكرّس فصلين كاملين أيضا لذمّ العلماء وشيوخ الطريق!
صحيح أنه لا يذمّ أبناء عائلته بأسلوب عنيف، إلا أنّه يتّهم أباه ومعلّم الكتّاب مثلا بالكذب ونكث اليمين أيضا: "ألم يكن الشيخ [والده] قد أقسم لا يعود الصبي إلى الكتّاب أبدًا، وها هو ذا قد عاد! وايّ فرق بين الشيخ يقسم ويحنث، وبين سيّدنا يرسل الطلاق والأيمان إرسالا وهو يعلم أنّه كاذب؟". ولعلّ معلّم الكتّاب، سيّدنا، هو أكثر من تعرّض لنقد طه حسين وسخريته. يبدو أنّ سيّدنا هو أكثر من مثّل في نظر طه حسين رجال الدين، وكلّ الأوساط الرجعيّة، مما "أهّله" لهذا الأسلوب الساخر الجارح. بل يمكن القول إن سيّدنا يظهر في الجزء الأول من سيرته بطلا سلبيًا، يتردّد ذكره في تسعة فصول متوالية (الفصول 5-13)، يصفه فيها دائما بسخرية، وبغلظة أحيانًا، بجسده ومشيته في الشارع، وعلاقته بالعريف، وبالتلاميذ وآبائهم. بل إنه لا يتورّع عن وصف عماه أيضا: "على أنّ الرجل كان يستطيع أن يغمض عينه ويفتحها دون أنْ يرى أو يكاد يرى شيئا، فقد كان ضريرًا إلا بصيصًا ضئيلا جدًا من النور في إحدى عينيه، يمثّل له الأشباح دون أن يمكنه أن يتميّزها. وكان الرجل سعيدًا بهذا البصيص الضئيل... وكان يخدع نفسه ويظنّ انّه من المبْصرين".
في الجزء الثاني من الأيّام أيضا، حيث يصف في الأساس دراسته في الأزهر، لا يسلم من النقد، والسخرية أحيانًا، حتى زملاؤه الذين أقاموا معه في "الربع"، أو أخوه الذي أقام معه في الغرفة ذاتها وقاده في طريقه إلى الأزهر ومن الأزهر، وشيوخ الأزهر بوجه خاصّ: بجهلهم، وتصرّفاتهم الفظّة وأساليبهم التقليديّة في التعليم. لم يسلم من نقده هنا سوى قلائل، مثل الشيخ محمد عبده الذي يسترسل في مدحه ليؤكّد بذلك، ربما، جهل وتخلّف الآخرين بالذات. وفي النهاية، في الفصل الأخير تمامًا، يصف كيف أنشئت الجامعة فالتحق بها، "وإذا هو يختلف مع غلامه الأسود إلى دروس الأزهر مصبحًا، وإلى دروس الجامعة ممسيًا. وإذا هو يجد للحياة طعمًا جديدًا، وإذا هو يتّصل ببيئة جديدة وأساتذة لا سبيل إلى الموازنة بينهم وبين أساتذته في الأزهر".
هكذا يمكننا القول إن طه حسين انتقى من ذكرياته، في القرية والأزهر، ما يدين هذا المجتمع القديم، فأبرز الشخصيات والأحداث السلبيّة بالذات، إمعانًا في محاسبة هذه البيئة التي اضطهدته في طفولته، واضطهدته في أوّل طريقه الأكاديمي بعد عودته من فرنسا على حدّ سواء.
هناك ظاهرة أخرى تتّصل ببناء الذاكرة في الأيام، لا تقلّ شأنًا عن الذاكرة الانتقائيّة المذكورة، وهي اعتماد المؤلّف، وقد فقد نور عينيه منذ الصغر، على حواسّه الأخرى في تشخيص الأمور، وتذكّرها، حينما "يتقمّص" الراوي شخصيّة الفتى، فينعكس ذلك على الأسلوب بوضوح. ذلك هو ما تسمّيه فدوى مالطي- دوجلاس "الكتابة العمياء" حينًا، و"كتابة العمى" حينًا آخر.
ذكرنا آنفا أنّ طه حين آثر أن يكتب سيرته الذاتيّة بضمير الغائب، وهي تظلّ سيرة ذاتيّة ما دام المؤلّف والراوي و"البطل" هو الشخص ذاته- طه حسين. إلا أنّ الكتابة بضمير الغائب تجعل النصّ أقرب إلى النصّ القصصي، الرواية والقصّة القصيرة، حيث يسرد الأحداث ويصف الشخصيّات الراوي العليم. وكما ينفصل صوت الراوي عن صوت البطل في الرواية أحيانًا، بحيث تعكس اللغة بمضمونها ومعجمها وأبنيتها النحويّة دواخل البطل الموصوف بالذات، هكذا هو الأمر في الأيام أيضا: هناك الراوي العليم، طه حسين المؤلّف، يسرد لقرّائه حياة طه حسين الفتى، فيصف كلّ ما جرى له، موردًا في أحيان كثيرة صورًا حسّية لا يعرفها إلا المبصر، فتكون رؤيته حينئذ رؤية ذهنية، أو رؤية مكتسبة عرفها بالسماع والقراءة والتجربة، لا بالرؤية البصريّة. تمامًا كما يصف الشاعر الأعمى الليل والنجوم ويورد التشبيهات أيضا.
ها هو طه حسين مثلا يصف، برؤيته الذهنية طبعا، كيف احتفى أهل القرية بأخيه الأزهري في يوم المولد النبوي، فلا يستطيع القارئ أن يجد في النصّ آثار عمى المؤلّف مطلقًا: "حتّى إذا أقبل هذا اليوم وانتصف أسرعت الأسرة إلى طعامها فلم تصب منه إلا قليلا، ولبس الفتى الأزهري ثيابه الجديدة، واتّخذ في هذا اليوم عمامة خضراء، وألقى على كتفيه شالا من الكشمير، وأمّه تدعو وتتلو التعاويذ ، وأبوه يخرج ويدخل جذلان مضطربًا. حتى إذا تمّ للفتى من زّيه وهيئته ما كان يريد، خرج فإذا فرس ينتظره بالباب، وإذا رجال يحملونه فيضعونه على السرج، وإذا قوم يكتنفونه من يمين ومن شمال، وآخرون يسعون بين يديه وآخرون يمشون خلفه".
لكن، من ناحية أخرى، هناك مواضع غير قليلة في الأيام، يندمج فيها صوت الراوي بصوت الصبيّ، وهو يتعرّف العالم من حوله دون أن يبصره، مُعملا في ذلك حواسّه الأخرى، السمع واللمس والشم، بحيث يغدو الأسلوب "أسلوبا أعمى" على لسان الفتى وبلغته. ها هو طه حسين/ الفتى يحاول في الفصل الأول أن يتذكّر أوّل يوم من طفولته البعيدة، فلا يذكر لهذا اليوم اسمًا أو تاريخًا، لكن "أكبر ظنّه أنّ هذا الوقت كان يقع من ذلك اليوم في فجره أو في عشائه. يرجّح ذلك لأنه يذكر أنّ وجهه تلقّى في ذلك الوقت هواء فيه شيء من البرد الخفيف الذي لم تذهب به حرارة الشمس. ويرجّح ذلك لأنه يكاد يذكر أنّه، حين تلقّى هذا الهواء وهذا الضياء، "لم يؤنس من حوله حركة يقظة قويّة، وإنما آنس حركة مستيقظة من نوم أو مقبلة عليه".
هكذا نتعرّف، في هذه البداية المتردّدة المتحفّظة، الحواسّ التي أعملها الفتى جاهدًا لكي يدرك ذلك الوقت من اليوم المذكور. فهو يرجّح، ولا يؤكّد، أنّ الوقت كان صباحًا أو مساء، بناء على الهواء الرطب الذي تلقّاه وجهه، أي بحاسّة اللمس. وعلى الحركة التي سمعها من حوله خافتة بطيئة، أي بحاسّة السمع أيضا. ثم يستدلّ في موضع آخر من الفصل ذاته، وقد قضى ليلته خائفا مضطربًا، على أنّ الليل قد انقضى والفجر قد بزغ، بسماعه صوت النساء العائدات إلى بيوتهنّ وهنّ يحملن الجرار: "حتى إذا وصلتْ إلى سمعه أصوات النساء يعدْن إلى بيوتهنّ، وقد ملأن جرارهن من القناة وهن يتغنّين "الله يا ليل الله..." عرف أن قد بزغ الفجر، وأن قد هبطت العفاريت إلى مستقرّها من الأرض السفلي".
يلفت النظر أنّ الصبيّ، في الفصل ذاته، يسمع حين يستيقظ في الليل أصواتًا "غريبة" يشخّصها بالسماع على هذا النحو: "إنّما كان يخاف الخوف كلّه أصواتًا أخرى لم يكن يتبيّنها إلا بمشقّة وجهد. كانت تنبعث من زوايا الحجرة نحيفة ضئيلة، يمثّل بعضها أزيز المرجل يغلي على النار، ويمثّل بعضها الآخر حركة متاع خفيف يُنقل من مكان إلى مكان، ويمثّل بعضها خشبًا ينقصم أو عودًا ينحطم". هكذا يُجهد الصبي، وهو غير مبصر، حاسّة السمع، فيصف هذه الأصوات وصفًا حسّيًا واضحًا، أو هكذا استعاد طه حسين الحاضر تجربة طه حسين الماضي، طه حسين الصبي، فامتزج صوت الراوي بصوت البطل ليكون السرد صادقا مؤثّرا.
في مطلع الجزء الثاني أيضا، تتضافر حواسّ الفتى الأخرى، دون حاسّة البصر طبعا، في التعرّف على البيئة الجديدة التي أقام فيها بعد انتقاله إلى القاهرة للدراسة في الأزهر. في هذا الفصل يستغلّ المؤلّف، أكثر من أيّ موضع آخر في الكتاب، حواسّ الصبي الأخرى، حتى يكاد صوت البطل/ الصبي يغلب على صوت راويه، بحيث يمكن القول إنّ ذاكرته، عند الكتابة بالغًا، استرجعت الحرارة والدخان والروائح الكريهة ومزيج الأصوات المختلفة، في تشكيل صورة حسّية مفصّلة لذلك الحيّ لا تقلّ دقّة عن صورة المرء المبصر:
"فإذا تجاوز هذا الباب أحسّ عن يمينه حرّا خفيفًا يبلغ صفحة وجهه اليمنى، ودخانا خفيفًا يداعب خياشيمه، وأحسّ عن شماله صوتًا غريبًا يبلغ سمعه ويثير في نفسه شيئا من العجب [...] فإذا مضى أمامه خطوات وجاوز ذلك المكان الرطب المسقوف الذي لم تكن تستقرّ فيه القدم لكثرة ما كان يصبّ فيه صاحب القهوة من الماء، خرج إلى طريق مكشوفة، ولكنّها ضيّقة قذرة تنبعث منها روائح غريبة معقّدة لا يكاد صاحبنا يتحقّقها، تنبعث هادئة بغيضة في أولّ النهار وحين يقبل الليل، وتنبعث شديدة عنيفة حين يتقدّم النهار ويشتدّ حرّ الشمس [...] وتأخذ أذنيه أصوات مختلطة مصطخبة تنحدر من علٍ وتصعد من أسفل، وتنبعث من يمين وتنبعث من شمال وتلتقي كلّها في الجوّ، فكأنّما كانت تنعقد فتؤلّف من فوق رأس الصبيّ سحابًا رقيقّا ولكنّه متراكم قد غشّى بعضه بعضًا".
على هذا النحو من تضافر حواسّ الشمّ واللمس والسمع، يكتشف الصبيّ تلك البيئة شيئًا فشيئا. وكان طه حسين يستطيع وصفها كما "يراها" الراوي بعد أن عرفها تمامًا، إلا أنّه في هذا الموضع تقمّص ذاك الصبيّ، فنقل مشاعره وأحاسيسه وخواطره "خامًا" حتى طغى صوت الصبيّ، كما أسلفنا، على صوت الراوي، وإن كان السرد ظلّ بضمير الغائب طبعًا.
ما أكثر ما يقف الراوي على الأصوات، بحيث يمكن القول إن حاسّة السمع هي وسيلة الصبيّ الأولى في تشخيص البيئة من حوله. كما أنّ الأصوات توصف على نحو يبدو غريبًا ربّما على المبصرين عامًة. يصف طه حسين، مثلا، كيف أسلمه أخوه في "الربع" إلى أستاذ كان قد ظفر بالدرجة أثناء الصيف، فيأخذ في وصف حالة الرجل وعاداته، وإسرافه في تناول اللحم، ثم ينصرف إلى صوته قائلا: "وكان إلى هذا غريب الصوت إذا تحدّث. كان صوته متهدّجًا متكسّرًا يقطّع الحروف تقطيعًا، ويتراكم مع ذلك بعضه فوق بعض، وتنفرج شفتاه عن كلامه أكثر ممّا ينبغي، فلا يكاد يسمعه المتحدّث إليه حتى يضحك، ولا يكاد يمضي في الحديث معه حتى يقلّد فتور صوته وتكسّره وانفراج الشفتين عنه".
نخلص إلى القول، ختامًا، إن طه حسين رغم ذاكرته العجيبة فعلا، وهو ما يبدو جليّا في الكتاب ويشهد عليه بنفسه أيضا، إلا أنّه آثر الأخذ بالذاكرة الانتقائيّة الهادفة في تناوله ذكريات الماضي، استجابة لمنحى المحاسبة الغالب على الكتاب كلّه، كما تتجلّى من ناحية أخرى "الذاكرة العمياء" التي يستغلّها الكاتب في الاقتراب من البطل/ الصبي، وفي تقريبه إلى القارئ أيضا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بتوقيت مصر : جدل حول استخدام اللغة القبطية في الصلوات


.. قصته أشبه بأفلام هوليوود.. كيف ساعد شلومو هليل آلاف اليهود ع


.. بالغناء والصراخ موالو بشار يعبرون ...و وسيم الأسد -هي مو صفح




.. شاركت لمجرد أغنية -الغادي وحدو-.. الفنانة حريبة: تصدم جمهور


.. أن تكوني فنانة عربية.. رؤى وتحديات