الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حرية الرأي والعقب الحديدية لرأس المال

حميد كشكولي
(Hamid Kashkoli)

2006 / 2 / 24
حقوق الانسان


بتنا هذه الأيام نسمع كثيرا في الغرب من مسؤولين حكوميين و شخصيات سياسية عديدة تعاريف غريبة ومنافقة لحرية الرأي بل مناقضة لها ، منها أنهم مع حرية الرأي بشرط عدم المس بمشاعر الآخرين أو عقائدهم ومقدساتهم ، والمقدسات عند البرجوازية لا تعني سوى المال والسلطات. وغالباما تذكرني مباهاة البرجوازية بحرية الرأي برواية جاك لندن " العقب الحديدية" التي قرأتها قبل حوالي 30 عاما، ذكرتني برد البرجوازي السمين للعامل بقوله له إنه حر فيما يقول و حر في أن يصرخ ما بشاء ، ولكنه إن مد يده إلى جيبه سسكون رده طلقة من مسدسه في رأسه. فحرية الرأي يكون لها معنى حين لا تكون ثمة قيود عليها أو شروط ، لأنه بمجرد فرض شروط ما عليها تنفتح الأبواب ، باب أثر باب ، لنقضها وانتهاكها بذرائع مختلفة. حرية الرأي تعني بوضوح أن يقول المرء ما يشاء ، وينتقد ما يشاء و من يشاء ، من أفكار وطروحات و ثقافات ومفاخر قومية ورموز أمة مهما ادعت أنها فوق النقد ومعصومة أبدا. وتعني كذلك أن يرد على المنتقد بنفس أساليبه الحضارية والمتمدنة.
بلطجة الإسلام السياسي وعربدته ضد حرية الرأي والعقيدة في العالم مستمرة . و حرية الرأي والعقيدة من المقومات الأساسية للمجتمع المدني ، وحق طبيعي للإنسان ، وقد نالتها البشرية بعد التضحيات الجسام التي قدمتها في سبيلها. ولن يقبل الإسلام السياسي الاعتذار ، و يؤكد زعماؤه على أن طرد المسؤولين في الجريدة الدانمركية بات لن يغير من مواقفهم شيئا، ولن يقبلوا أقل من ذبح المسؤولين عن الرسوم الساخرة من الرسول.
فاليوم أمسى سيف الإسلام السياسي مسلّطا على رقاب الحكومات الأوروبية لإجبارها على سن ّ قوانين تجرّم المس بالمقدسات الدينية ، وتماشي أساليب القوى الظلامية في العالم.
وإنها لفرصة ذهبية للإسلام السياسي و النازيين العروبيين المتحالفين في ظله مع أكثر القوى رجعية وتخلفا في العالم، لنشر أفكاره ومحاربة تطلعات أحرار العالم والمحرومين لحياة حرة كريمة ، يساعدهم في ذلك المستنقع العراقي والأفغاني الذي تورطت فيه الإدارة الأمريكية ، و تعقد القضية الفلسطينية وأجواء اليأس والإحباط التي يعيشها الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال الإسرائيلي و فوز حماس في الانتخابات . كل هذه الظروف أدت إلى أن تنشط حركات مثل طالبان وترتفع معنوياتها وتصعد من عملياتها العسكرية والسياسية . وهكذا نرى في الأفق ثمة نظاما إسلاميا متطرفا في العراق تتبلور معالمه .

هذه الرسوم الكاريكاتورية منحت الإسلاميين مناسبات يستعرضون فيها عضلاتهم ضد من يختلفون معهم ، و يستهدفون مكاسب البشرية في البلدان الأوروبية . وإن هذه المكاسب ، مثلما يعلم المرء، ليست ملكا لهذه الأحزاب العنصرية في أوروبا والحكومات الرأسمالية ، بل انتزعتها منها الطبقة العاملة بنضالاتها وتضحياتها الجسام طوال قرن من الزمان.
وإن الكاريكاتير هو أحد أساليب التعبير عن حرية الرأي ، وإنه أسلوب حضاري للتعبير عن أية ظاهرة اجتماعية أو سياسية و توضيحها و تسليط الضوء عليها لمعالجتها، وإثارة الجدل حولها ، وبالتالي كشف عيوبها ومشاكلها لتسهيل إيجاد حلول لها.
فحرية السخرية في المجتمع المدني المتحضر للإنسان من كل ظاهرة تثير عنده تساؤلات متنوعة ، وتثير الفضول و حب الاستطلاع وطلب المزيد من المعارف. و إن ردود فعل الحكومات الأوروبية المشاطرة بشكل من الأشكال لآراء الحركات الإسلامية المعادية لحرية الرأي والعقيدة ، دّلت بوضوح تام على انحطاط النظام البرلماني و ديمقراطية رأس المال في أوروبا، وبينت كذلك أن الرأسمالية باتت وفق منحنى سقوط الأنظمة في حالة انحدار إلى الهاوية.


الأدب الساخر في التراث العربي والإسلامي ظاهرة مألوفة وعادية ، بل مالئ نقصا كبيرا في الأدب العربي والتراث الإسلامي ، وإن ثمة دلائل عديدة على أن النفط وارتباط حياة العالم الرأسمالي به ، واغتناء الشيوخ و الأمراء ووعاظ السلاطين به ، وبالتالي تسلطهم على كل مرافق الحياة ، أدى إلى تحالف الإمبريالية معهم وتعاونهم في قمع كل الأصوات المنادية للحرية والكرامة . وثمة دراسات ستراتيجية تؤكد أن الأسعار العالية للبترول تجعل الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها تستهلك 25% من نفط العالم أن تدع البتر ودولار تهطل على الدكتاتوريين و الأنظمة العشائرية الرجعية . فكل الرهان على دعم الديمقراطية في هذا الجزء من العالم ، أي الدول العربية النفطية والشرق أوسطية، لا يعني إلا كسب رضا المتسلطين على رقاب الشعوب لتأمين تدفق النفط والغاز إلى ماكينة رأسمال أمريكا والغرب. فبيد ٍ توفر الولايات المتحدة الأموال لآل سعود لكي يصدروا الوهابية إلى العالم ، وبيد أخرى تشن حربا على الإسلاميين المسلحين . وأي تناقض هذا !
ولكن من الصعب التمييز بين مصالح أمريكا النفطية و ما يسمى بالحرب على الإرهاب. كان ذلك حين قرر ابن لادن شن حرب الجهاد على أمريكا بعد أن بنت الأخيرة قواعد لها في السعودية والكويت أثناء حرب الخليج الثانية . كانت المقايضة على أساس النفط مقابل الأمن والاستقرار ، أي تتحمل الولايات المتحدة قمع الحركات المعارضة للنظام السعودي مقابل استمرار تدفق النفط بأسعار منخفضة .
فالحكومات الغربية تدرك جيدا أن الحركات الإسلامية تتخذ من الرسوم ذريعة للهجوم على حرية الرأي و العقيدة في البلدان الغربية ، مهد الديموقراطية. بالأمس كان الغرب يربي حركات سياسية باسم الإسلام لمحاربة الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية ، وكانت المخابرات المركزية الأمريكية تطلق على المقاتلين في صفوف تلك الحركات تسمية "المناضلين في سبيل الحرية" ، واليوم يدعم الغرب وأمريكا هذه الحركات بذرائع حرية العقيدة والأديان والتعددية الثقافية . وثمة اتفاقيات أمنية بين دول أوروبا وفي مقدمتها السويد أمّ النازية وأمريكا تتضمن تسليم المطلوبين من قبل المخابرات المركزية الأمريكية لأمريكا حتى لو كان مواطنا أوروبيا.

حرية الرأي والعقيدة اليوم بحاجة إلى أحرار العالم لحمايتها من السقوط والانهيار ، بعد أن تخلى الحكام الرأسماليون عنها في سبيل دوام أرباحهم وأموالهم ، ما يدل على أن الرأسمالية أمست في الدرك الأسفل من مراحل الفساد والتفسخ السياسي والخُلفي والثقافي.

وهنا يجب التأكيد دائما على أن ّ الإسلام السياسي خرج من مصانع سياسات أمريكا والغرب الإمبريالية في فترة الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية ، و لمواجهة المد اليساري في العالم . والأمثلة عديدة في هذا المجال ، من قبيل دعم الإنجليز للإخوان المسلمين في مصر في بدايات تأسيس الجماعة ، ودعم السادات للحركات الإسلامية في الجامعات المصرية لمواجهة المد اليساري في مصر . ودعم النظام التركي لحزب الله لمواجهة الحركات القومية الكردية. و لن ننسى ابن لادن وطالبان وثم تخلي أسيادهم عنهم وانتشار هم في الأرض باحثين عن أسياد جدد .
والجدير ذكره هو الموقف المؤيد لليسار القومي الأوروبي من الحركات القومية والطائفية والقوى الظلامية تحت شعار معاداة " الإمبريالية" الأمريكية. فهذا الموقف لم ولن يكون لصالح جماهير الشعب العراقي ن أو شعوبنا في الشرق ، فهو لن يؤدي إلا إلى تسليط هذه القوى الرجعية و الظلامية على مقدرات جماهير العمال والكادحين. فإن الموقف التقدمي والإنساني يقتضي من القوى التقدمية والإنسانية في العالم فضح قطبي الإمبريالية و القوى الرجعية القومية الدينية ومواجهتهما بأساليب تقدمية وإنسانية من مظاهرات وإضرابات وتضامن أممي شريف وهادف لتحقيق آمال البشرية في الرفاه والحرية و العيش الكريم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مصير المعارضة والأكراد واللاجئين على كفيّ الأسد وأردوغان؟ |


.. الأمم المتحدة تكشف -رقما- يعكس حجم مأساة النزوح في غزة | #ال




.. الأمم المتحدة: 9 من كل 10 أشخاص أجبروا على النزوح في غزة منذ


.. فاتورة أعمال العنف ضد اللاجئين والسياح يدفعها اقتصاد تركيا




.. اللاجئون السودانيون يعيشون واقعا بائسا في أوغندا.. ما القصة؟