الحوار المتمدن - موبايل


ظلّ الغيمة؟! قراءة في السيرة الذاتية لحنّا أبو حنّا*

سليمان جبران

2017 / 11 / 30
سيرة ذاتية


"ظلّ الغيمة" هي سيرة ذاتية، ما في ذلك شكّ: الكاتب والراوي و"البطل" هم الشخص ذاته، حنا أبو حنا. والأحداث والوقائع، في معظمها على الأقل، من حياة الكاتب المعروفة. ثم إن الكتاب يسرد حياة مؤلّفه سردًا كرونولوجيا منذ ولادته حتى التحاقه بالكليّة العربيّة في القدس سنة 1943، وتلك سمة هامّة من سمات السيرة الذاتيّة أيضا. ورغم أنّ الكاتب، في ملاحظة بدئيّة، يذكر أنّ "أسماء الأشخاص في هذا الكتاب غير حقيقية"، وهي في أغلب الظنّ "صيغة قانونية"، إلا أنّه يذكر في ثنايا السرد اسم قريته "الرينة"، واسم أخيه إبراهيم، واسم صديقه فاروق، مثلا. الكتاب من 37 فصلاً، ولكلّ فصل رقمه وعنوانه، وقد آثر أبو حنا أن يقدّم للقارئ كتابه دون مقدّمة، بل إنه في الطبعة الثانية أسقط كلمة "سيرة" التي ظهرت على غلاف الطبعة الأولى، ليترك للقارئ، فيما يبدو، مسألة الحكم على الجانر الأدبي للكتاب. من ناحية أخرى يكشف التظهير بوضوح، والتظهير "مقدّمة" متأخّرة، أنّ الكتاب ذكريات أبي الأمين/ حنا أبو حنا، وبذلك يتناول القارئ الكتاب وهو موقن أنّه بصدد سيرة ذاتيّة فعلا.
إصدار السيرة الذاتية دونما مقدّمة يطرح فيها مؤلّفها ظروف كتابتها وغاياتها، كما نجد في "الأيّام" لطه حسين، يُلزمنا بتقصّي الغاية أو الغايات من تأليفها، من خلال النظر في النصّ ذاته. وُلد حنا أبو حنا، كما "ألغز" في بيت من المتدارك، "بعد عام من الزلزلة" ، ثم أردف أنّ الزلزلة المقصودة هي الهزّة الأرضية التي ضربت البلاد سنة 1927. بذلك يكون وُلد سنة 1928 في عهد الانتداب البريطاني، وفيه نشأ وتعلّم، فأنهى الدراسة في الكلية العربية في القدس، ليشهد بذلك المجتمع الفلسطيني، بنشاطاته السياسيّة والثقافيّة في أواخر عهد الانتداب، وليشهد في سنة 1948 هزيمة الجيوش العربية وقيام دولة إسرائيل أيضا. هكذا كان أبو حنا شاهدًا على الأحداث العاصفة التي أسفرتْ عن تحوّل الفلسطينيين في هذه البلاد من أكثريّة مهيمنة في عهد الانتداب إلى أقليّة مضطهَدة مهدّدة تحت حكم الآخر. وإذا كانت التغييرات الكبرى من دوافع كتابة السيرة الذاتيّة، فهذه تغييرات كبيرة، بكلّ المعايير، رأى أبو حنا أن يسجّلها في سيرته، لتظلّ ماثلة في السيرة الجمعيّة لمن عايش هذه الأحداث التاريخيّة، ولمن تعرّفها سماعًا، من الأجيال الجديدة بعد 48.
لاشكّ أيضا أنّ حنا أبو حنا يَعتبر ذاته، أو سيرته، قدوة جديرة بإذاعتها على الملأ، ليستفيد منها القرّاء عامّة، والأجيال الشابّة خاصّة. يقول غوسدورف: "إذا اتّفقنا أنّ لكلّ إنسان تاريخًا، وأنّ هذا التاريخ يمكن سرده، فلا بدّ في آخر الأمر أنْ يتّخذ السارد ذاتَه موضوعا للسرد، حالما يرى حياته ذات شأن له ولكلّ إنسان غيره". ومن يطالع ظلّ الغيمة، ويقرأ نشأة الفتى "يحيى" وتحصيله في التعليم، يدرك بوضوح ان الكاتب "يرى حياته ذات شأن"، وأنّ في سيرته هذه قدوة لمن يقرؤها، سواء قصد المؤلّف ذلك واعيًا أو لم يقصد.
ثمّ إنّ المؤلّف كتب سيرته وهو في السادسة والستين من العمر، بعد أنْ شهد تغييرات كثيرة عاصفة، في الظروف الموضوعية والقيم والمواضعات، فرأى أنْ يسرد ذلك جلاءً لصورته كما يراها هو، وترسيخا لهذه الصورة على مرّ الأجيال، خشية أن يصيبها التغيير أو التحريف أو التلاشي مع تقادم الأيّام أيضا. يضيف غوسدورف: "كلّ من يقْدم على أعباء سرد الذات يدرك أنّ الحاضر يختلف عن الماضي، وأنّه لن يتكرّر أيضا في المستقبل [...] وحيال التغيير المستمرّ واهتزاز الثقة بالأحداث والناس، يرى من الأمور القيّمة والمفيدة ترسيخ صورته الذاتيّة، بحيث يوقن انّها لن تزول كزوال الأشياء كلّها في هذه الدنيا".
في أحيان كثيرة نجد في السيرة الذاتيّة عامل المحاسبة أيضا. وهو عامل واضح تماما، مثلا، في "الساق على الساق" لأحمد فارس الشدياق، وفي "الأيّام" لطه حسين، وفي "الرحلة الصعبة" لفدوى طوقان. فهل نجد في سيرة حنا أبو حنا هذه المحاسبة أيضا؟ الواقع أن ظل الغيمة، في جزئها الأوّل، بريئة تمامًا من المحاسبات والقضايا الذاتية. ربّما لأنّ الكتاب يسرد حياة صاحبه حتى سنة 1943، حين كان في الخامسة عشرة من العمر فقط، لا له ولا عليه. ظلّ الغيمة على كلّ حال سيرة ذاتيّة واضحة، بمبناها وأسلوبها وظروف إنشائها، وذلك رغم سردها بضمير الغائب، كما في الرواية غالبًا، فماذا نقرأ في هذه السيرة؟
السيرة الذاتيّة هي أكثر الجوانر الأدبيّة ليبراليّة وطواعية، سواء في مضمونها أو شكلها أو أسلوبها، إنّها إطار فضفاض يتصرّف به الكاتب كما يشاء، ويضمّنه ما يشاء أيضا. ألمْ يكتب الشدياق سيرته ليضمنّها كلّ ما شغل باله من لغة ونقد أدبي واجتماعي وأدب رحلة وشعر ومحاسبات عسيرة وإحماض أيضا؟ فالسيرة الذاتية، كما يرى ستاروبنسكي، "توفّر إطارًا واسعًا فقط، يمكن أنْ تقوم فيه تشكيلة من الأساليب المحدّدة. فمن الضروري تجنّب الحديث عن "أسلوب" سير ذاتي، أو حتى شكل سير ذاتي، إذ ليس هناك مثل هذا الأسلوب أو الشكل السير الذاتي. وذلك لأن الأسلوب هنا، أكثر منه في أي موضع آخر، هو عمل فردي".
كلّ ما يبدعه الكتاب فيه طبعا ، بشكل أو بآخر، بعضُ ذاته. فكيف بالسيرة الذاتيّة، وهي جانر يقوم على سرد الذات؟ وحنا أبوحنا شاعر، كتب الشعر قبل48، وفي الأساس بعدها، وباحِث كرّس سنوات عمره لبحث الأدب الفلسطيني، ومربٍّ قضى سنوات كثيرة معلّما ومديرًا. وهو أخيرا وليس آخرًا، راوية متمرّس بسرد النوادر والفكاهات. وهذه الميادين المتعدّدة المتنوّعة تنعكس كلّها في ظلّ الغيمة، حتّى يمكن القول إنّ الكتاب يتضمّن كلّ ما يشغل بال أبو حنا من قريب أو بعيد. أو عيّنة من كل مجال وكلّ نوع على الأقلّ. هذا الحشد المدهش من الأخبار والحكايات والأحداث والتفاصيل الدقيقة، من حياة أبو حنا، والبيئة من حوله، يدور في الواقع حول ثلاثة محاور أساسيّة، أو لنقلْ ثلاثة هواجس تشغل قلب الكاتب وفكره معًا.
الهاجس الأوّل هو الهاجس الوطني الفلسطيني. كان من نصيب أبو حنا في طفولته أن يتنقّل في مدن وقرى فلسطينية عدّة، بحكم عمل أبيه في "المساحة" آنذاك: "كان أبوه موظّفا في دائرة "مساحة فلسطين". ولأنّ الأراضي لا تسعى إلى المسّاح فإنّ على المسّاح أنّ يسعى إلى الأرض حيث هي، ليقوم بمسحها ورسم خرائطها بمقياس الرسم المقرّر [...] والعائلة تنتقل مع الوالد من بلد إلى آخر ومن قرية إلى أخرى. يستأجر حيثما حلّوا بيتًا، وأحيانا غرفة واحدة، لمدّة لا تطول كثيرًا إلى أنْ يكون الانتقال". على هذا النحو تنقّل حنا/يحيى من الرينة مسقط رأسه، إلى رام الله، إلى القدس، إلى أسدود، إلى نجد، إلى حيفا، إلى الناصرة، إلى طبريّا، على امتداد فلسطين طولا وعرضًا: أبوه يمسح الأراضي ويُعدّ الخرائط، والطفل يحيى يختزن المشاهد الطبيعيّة والإنسانيّة في ذاكرته المدهشة، كأنّما كان على وعي بضياع هذه المدن والقرى عمّا قريب، فلا أقلّ من تسجيلها في مخيّلته ثم تخليدها في سيرته. يأخذ في رسم هذه المشاهد من الماضي، فإذا هي صورة كاملة يعرضها لقارئه بألوانها وتفاصيلها ودقائقها، حتى ليخيّل للقارئ أنّه يرافقه وهو يتوغّل في ثنايا الذاكرة. وإذا كانت مشاهد القدس، مثلا، يمكن أن يختلط قديمها بحديثها، فإن معالم أسدود أيضا، وقد محيتْ تمامًا بعد48، ظلّت ماثلة حيّة في ذاكرة حنا وسيرته: "انتقلت العائلة إلى أسدود الواقعة بين يافا وغزّة. البيت الذي استأجرته العائلة حوله سور. تدخل من باب أخضر على درجات ثلاث إلى ساحة واسعة اصطفّت على جوانبها مواعين للزهور، منها الفخّاري ومنها أشكال من علب الصفيح التي ملئت بالتراب وحفلتْ بالورد القدسي والحبق والقرنفل [...] في زاوية من الساحة مغسلة علّق خزّانها على الجدار ودونه طشت ارتفع على حامل حديدي يستقبل الماء المستعمل في الغسل. هذه الساحة هي المجال الحيوي المفتوح الذي يتيح لربّة البيت أن ترى وجه ربّها وتكون في الهواء الطلق دون أن تتعرّض للعيون المتطفّلة، فالسور عالٍ والبيوت المجاورة لا تتجاوز الطابق الأرضي. هنا كانت تستقبل أمّ يحيى الزائرات كما تستقبل الحمام الذي يأنس ويهبط ليلتقط الحبّ الذي تقدّمه له. وهي تحتمل ما يخلّفه الحمام أحيانا من الذرق ولكنها تحبّ حركته ومشيته ووجوده".
بالإضافة إلى المشاهد الطبيعيّة والإنسانيّة، يستحضر الكاتب نضالات الشعب الفلسطيني ضدّ الانتداب البريطاني والمشروع الصهيوني. يسجّل ذكرياته عن هذا النضال؛ فيصف مثلا الإضراب العامّ في الناصرة سنة 1936 بمظاهره التي انطبعتْ في مخيّلته، مستعيدًا الدكاكين المقفلة في السوق، والملصقات على الجدران وأعمدة الكهرباء، بل يورد بعض الأناشيد التي كانت تتردّد آنذاك على الألسنة، و"قاموس" الثورة مما يدركه الصبي يحيى ولا يدركه، إلى غير ذلك من التفاصيل والدقائق. وإذ يذكر الثورة ومظاهرها، وكان ابن ثماني سنوات، فإنّه لا يُغفل أيضا تجاوزات هذه الثورة وأخطاءها، واستغلال هذا "الجو الثوري" لمآرب وحسابات شخصيّة أيضا!
المحور الثاني، ولعلّه المحور المهيمن على السيرة كلّها، هو محور "توثيقيّ، إذا جاز التعبير. شهد حنا في طفولته حياة القرية عن كثب، بناسها وتقاليدها ومجالسها وحكاياتها وأساطيرها، فسجّلها في سيرته بالتفصيل، وبأسلوب يداني أسلوب القصّة القصيرة في احيان كثيرة. مذكّرا الأجيال التالية بهذه الثقافة التي انقرضتْ معالمها تمامًا. يبعث حنا في كتابه الأسماء التقليديّة القديمة، وطقوس الأعراس، وقصص الحبّ، وحكايا العفاريت والجان، وأساليب الحلاقة و"التطهير"، ومدارس ذلك الزمان، وأساليب العقاب فيها، وألعاب الصغار وخلافاتهم، وطقوس الاستسقاء/ التغييث، وقصص القرية حول "التمخيخ" أيضا. تَمثُل القرية الفلسطينية قبل 48 كاملة، بناسها ومصادر رزقها وفولكلورها، بحيث لا تكاد تجد فصلا من الكتاب يخلو منها تماما، ولذلك لم نرَ حاجة إلى الإحالات إليها في الكتاب. هذا الهاجس التوثيقي الطاغي يرمي، كما أسلفنا، إلى تعريف الجيل الجديد بهذه الحياة التي أصبحتْ أثرًا بعد عين. ولكنه يهدف أيضا، في رأينا، إلى إبراز هذه الحياة الغنيّة المتنوعة في فلسطين قبل 48، مؤكّدا الجذور الراسخة للفلسطينيين في هذه الأرض؛ على سطحها وفي جوفها أيضا. فلا يزعمنّ أحد انّها كانت خالية تنتظر من يقوم باستصلاحها وإعمارها: "قرية يحيى مباركة بينابيعها الكثيرة العذبة. فهناك "القناة" و"البير التحتاني" و"العين" و"عيون الجنان" وغيرها. وقد كشفتْ دائرة الآثار أيّام الانتداب عن قساطل للماء تمتدّ من القناة إلى صفّورية، وعادت فدفنت تلك القساطل. شاهدها يحيى بإعجاب، ورحل بفكره إلى قبل مئات السنين، وأخذ يتخيّل الناس الذين حفروا وبنوا واستقوا وسقوا. كانوا هنا. إنهم أجداده. قدماه راسختان في هذا التراب وأجداده عريقون هنا".
المحور الثالث هو المحور اللغوي/ الأدبي. فاللغة العربيّة "الشريفة"، كما يسمّيها الشدياق، غالية أيضا على أبو حنا. لذا فإنّه لا يترك فرصة إلا ويستغلّها لشرح مثل أو لفظة، خاصّة ألفاظ المحكيّة، أو لإبراز الشواهد من الشعر القديم والأغاني والأزجال. وهو منحى "تعليمي"، فيما يبدو، لم يستطعْ أبو حنا المعلّم التخلّص منه، حتى إذا كان فيه إرجاء للسرد أو إعاقة لاطّراد القصّة أو الحكاية: "لكن هذا الاسم – نفّجة – نادر جدا، وإذا استنجدت بالقاموس "المنجد" فقد تجد عددا من الإيحاءات، لكنك لا تجد الصيغة ذاتها. فالنافجة هي السحاب الكثيرة المطر او البنت لأنها تعظّم مال أبيها بمهرها. والنافجة كذلك: وعاء المسك. وفي اللغة الدارجة: نفجت بمعنى نضجت وكبرت". هذا الحشد المدهش من المدن والقرى والشوارع والبيوت والناس والقصص والحكايا الشعبيّة والنوادر والأشعار والأغاني والأزجال والفكاهات، والمعلومات التاريخيّة والسياسيّة واللغويّة – هذا الحشد كلّه ضغطه أبو حنا في سيرته ظلّ الغيمة. فكيف تأتّى له ذلك، وما الأسلوب الذي أخذ به في هذه السيرة الزاخرة؟
أوّل ما يلفت الانتباه في أسلوب ظلّ الغيمة أنّها سيرة ذاتية مسرودة بضمير الغائب، كما أسلفنا، والكاتب بذلك ينهج نهج طه حسين في "الأيام"، حيث يسرد قصّة الفتى/ الصبي، والشدياق، قبل طه حسين بسبعين سنة، الذي يروي في "الساق على الساق" قصة الفارياق (فارس الشدياق)، بل يذهب أبعد من ذلك فيجري غير مرة حوارًا بين الراوي والفارياق، ويسمّي زوجته الفارياقة أيضا! واضح أنّ السرد بضمير الغائب يمكّن الكاتب من الابتعاد عن الأحداث المسرودة، وبذلك ينعم ببعض "الموضوعية" لغويًا على الأقل. ثم إنّ السرد بضمير الغائب وتولّي الكاتب مهمّة الراوي العليم، يمنح الراوي فرصة التحرّر من قيود الزمان والمكان، ويمكّنه من إضافة المعلومات والتفسيرات بحرّية تكاد تكون تامّة. كذلك يقرّب السرد بضمير الغائب السيرة من النصّ القصصي، بحيث يصعب الحكم على مقطع منبتّ عن سياقه فيما إذا كان سيرة أو رواية، في بعض الأحيان. هكذا اتخذ له أبو حنا في ظلّ الغيمة اسم يحيى، بل جعل عنوان الفصل الأول "اسمه يحيى" أيضا، موردًا الآية القرآنية ذات الصلة "- يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى". بذلك "عرّب" اسمه في السيرة، كما "عرّب" ذات يوم الكاتب مارون عبّود اسم تلميذه المحامي حنا نقّارة. بعد الآية القرآنية مباشرة "قفز" الكاتب، على لسان "الراوي"، ستّين سنة، ليذكر أنّ يحيى التقى بصديق قديم في الولايات المتحدة، وكان غيّر اسم عائلته، فاقترح على يحيى تغيير "اسمه المحبوك" أيضا، لأن له "ظلالاً حاسرة". وأضاف الكاتب أنّه لنْ ينسى قولة عادل إمام: "ودَه اسم تقابل بيه ربّنا؟". فهل كانت الغاية من إيراد هذه الفقرة الدعابة لا أكثر، أم هي تذكير بأنّ الكاتب استجاب لطلب صديقه القديم، فتخلّص من عبء "اسمه المحبوك" في سيرته على الأقل؟! ثم إنّ القارئ مطالب هنا باستحضار الاسم الحقيقي "المحبوك"، حنا أبو حنا، لا الاسم الأدبي، يحيى، لكي يوافق السياق في هذه الفقرة، ما يحدث تطابقًا/ صدامًا بين الاسمين طبعًا.
الراوي العليم، كما أسلفنا، يعفي المؤلّف من قيود الزمان والمكان، فيمكّنه من التعليق والتفسير والشرح، وذكر المعلومات من الماضي، ومن المستقبل أحيانا. بل يمكّنه أيضا من الحديث عمّا يدور في داخل شخصياته من أفكار. إلا أنّ أبو حنا لم يكتفِ بالراوي العليم المذكور، بل أضاف أيضا الشارح والراوي، كما يضيف أيضا معلومات كثيرة بعد قيل أو قالوا! الشارح، مثلا، نلتقي به مباشرة في الصفحة الأولى، فبعد العبارة/ العنوان "قطعت حبل سرّته نفّجة"/ بعد عام من الزلزلة"، يضيف: "قال الشارح: أما نفّجة فهو اسم القابلة – الداية باللغة الدارجة على ألسنة الناس"، ثمّ يواصل الحديث فيعرّف بنفّجة، مقارنًا طريقة الولادة هذه الأيام وطريقة الولادة على يد نفّجة آنذاك. ولا ندري ما الذي اضطرّ الكاتب إلى ابتكار الشارح هذا، وما الحاجة إلى مشارك آخر في السرد، بينما يمكن إيراد ذلك كلّه على لسان الراوي العليم ذاته؟ ثمّ إنّ الكاتب نفسه يورد الكثير الكثير من المعلومات والشروح، حتى اللغوية، على لسان الراوي العليم نفسه. حتى في الصفحة 13، بعد ذلك بصفحتين فقط، يحدثّنا الراوي العليم عن اسم نفّجة ذاتها، ويحاول النظر في معناه اللغوي، بل يورد المعلومات عن طريقة اختيار الأسماء، تبعًا لمناسبة أو عيد، و"يقفز" لما حدث "في عهد قادم" حين سمّى أحدهم ابنته لقيطة بعد مشاهدة مسلسل تلفزيوني بهذا الاسم.
الراوي ايضا يتردّد في النص، ليشارك في السرد، وتزويد القارئ بالمعلومات. في الفصل الأول ذاته يظهر الراوي أكثر من مرّة، والقارئ لا يستطيع الحكم هل هو سارد آخر مشارك، أم هو الراوي العليم ذاته، يؤكد الكاتب سرد الحكاية على لسانه، مرّة بعد أخرى، كما هو أسلوب السير الشعبية؟ على كل حال كان بإمكان الكاتب، في رأينا، الاكتفاء بيحيى "البطل" تُسرد حياته بضمير الغائب من قبل الراوي العليم، كما في الأيام، والساق. وعلى لسان هذا الراوي كان يمكن إيراد كل التفسيرات والشروح و"القفزات" في الزمان والمكان أيضا، فيتخلّص النصّ بذلك من هذه "الازدواجية" في السرد.
تقودنا هذه المسألة مباشرة إلى أبرز السمات الأسلوبية في الكتاب، وهي الاستطراد. المؤلّف نفسه يشكو من الاستطراد، في فصل باسم عدلة وفارس. وهو أيضا فصل استطرادي كلّه، يروي قصّة حبّ بين شابّ وصبيّة مختلفي العقيدة، فيقول: "رحم الله الجاحظ وأعوذ بالله من الاستطراد الذي يخرج بنا عن جادّة السرد فنضطر أن نلوي عنقه عائدين. ويرجع مرجوعنا إلى عدلة وفارس ويحيى".
الفصل الأول ذاته هو خير مثال على الاستطراد المذكور. يضمّ هذا الفصل ست صفحات ونصف الصفحة، يتحدّث فيها الراوي عن ولادة يحيى فيما لا يزيد عن نصف صفحة، بينما تحتلّ الشروح اللغويّة وغيرها، وقصّة القابلة نفّجة، وابنتها وردة، بقيّة الفصل. ليست الاستطرادات غريبة في السيرة الذاتيةـ، فهي النافذة التي يطلّ منها المؤلّف ليقول كل ما يرغب في قوله، إلا أنّ هذه الاستطرادات الطويلة، في هذا الفصل وفي غيره، تحتلّ مركز النصّ أحيانا، بينما ينزوي يحيى بعيدًا عن النصّ وعن القارئ أيضا. الكاتب مندفع لتسجيل كلّ ما وعتْه ذاكرته من القرية وقصص القرية، ما عرفه بنفسه وما وصله بالسماع، وهي كما أسلفنا غاية من غايات تأليف السيرة، فيما يبدو، إلا أنّه يظلم يحيى بذلك، ويبتعد بالنصّ عن الشروط الفنيّة للسيرة الذاتية، كما جرى للشدياق تمامًا في سيرته. وإذا كان أبو حنا يشكو من الاستطراد، كما رأينا، فالشدياق يسميه الاستطراد البديع، لأنّ الاستطراد وسيلته إلى إيراد كلّ ما يريد من أمور لا تقلّ شأنًا في نظره عن قصّة الفارياق الشخصية.
أسلوب ظل الغيمة، أخيرًا، أسلوب أدبي راقٍ في معظمه، يرتفع إلى مستوى الشعر في أحيان كثيرة، سردي واقعي أحيانا حين تشغل الحكاية أو الحبكة المؤلّف. حينئذٍ ينساب السرد بسيطا رائقا، فيقترب من أسلوب القصّة إلى حدٍّ بعيد. من ناحية أخرى، لا نغالي إذا قلنا إنّ الأسلوب في مواضع كثيرة، بدايات الفصول مثلا، أقرب إلى التأنّق والترف أيضا. هكذا يبدأ الفصل 18 مثلا: "ليل الشتاء في حضن صوتها يصبح ليلا صيفيا دافئا تتغامز فيه النجوم ويطلّ القمر بفضول على الناس يسترق النظر والسمع. وبينما تنام الطيور في الليل على الأغصان، كان صوتها يبعث لخياله جناحين ينطلقان في عوالم مسحورة ساحرة. جلس في تلك الليلة حول الكانون الذي كان الجمر فيه يخلع أثوابًا رمادية متشقّقة لتلحق بالأرضية السكنية المتراكمة". المحكيّة أيضا تبرز عذبة رشيقة في أسلوب ظلّ الغيمة، تهيمن على الحوار تمامًا و"تتسلّل" في ثنايا السرد أيضا. وهل نتوقّع غير ذلك من نصّ يحاول بعث حياة القرية بصدق وشغف؟
سمّى الكاتب سيرته، ختامًا، ظلّ الغيمة، وفي العبارة الأولى من الفصل الثاني تفسير، فيما يبدو، لهذه التسمية: "مثل غيمة تنقّلت طفولة يحيى في سماء بلده". وإذا كان ظلّ الغيمة، كما هو في هذه العبارة، مثالا للانتقال السريع من موضع إلى آخر، فإن ظلّ الغيمة في دلالته الإيحائية يشي أيضا بالزوال السريع دونما أثر أو علامة. أمّا ظلّ حنا أبو حنا فباقٍ راسخ في تاريخ هذه البلاد السياسي والأدبي أيضا!
*في مقالتنا هذه، تناولنا الجزء الأوّل فحسب من سيرة حنا أبو حنا، المسمّى ظلّ الغيمة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. غضب في #سوريا بعد هدم مقهى الحجاز التاريخي وسط #دمشق لتحويله


.. جوائز -غولدن غلوب- تتوج -نومادلاند- والراحل تشادويك بوزمان


.. نيجيريا: الإفراج عن أكثر من 250 تلميذة خطفهن مسلحون في شمال




.. مصر.. الوزراء العرب يوافقون على التجديد لأحمد أبو الغيط


.. حبس عريس أردني خالف الحظر وأقام زفافا حضره بمروحية | #منصات