الحوار المتمدن - موبايل


القديم والجديد في الصورة الشعرية عند الجواهري

سليمان جبران

2017 / 12 / 6
الادب والفن


ترى الدكتورة سلمى الخضراء الجيّوسي أنّ دور الجواهري في الشعر العربي المعاصر قد "أهمله النقّاد المعاصرون تمامًا، وأنّ ذلك نجم عن عدم إدراك للقِيم الثابتة في شعره، وعن الجذور الكلاسيكيّة فيه، على حدّ سواء".
لا شكّ في أنّ الجيّوسي محقّة في حكمها بإهمال النقّاد، معظمهم على الأقّل، لدور الجواهري، خصوصًا حين يقارن ما كتب من نقد عن الجواهري بما كُتب عن غيره من الكلاسيكيين الجدد، شوقي مثلا. إلا أنّنا لا نتّفق معها في دواعي هذا الإهمال. ذلك أنّ انخراط الجواهري الفاعل في الحياة السياسيّة في العراق، بالإضافة إلى شعره الحافل بالثورة والتحريض، لا على حكّام العراق فحسب، بل على الحكّام العرب قاطبة، هما السبب الحقيقيّ، في رأينا، في محاولات التعتيم على الشاعر وشعره.
من ناحية أخرى، يمكن القول بأنّ النقاد الذين عرضوا لشعر الجواهري، ومعظمهم عراقيّون، أكّدوا المكانة الخاصّة التي يحتلّها الشاعر في الشعر المعاصر. هذا جبرا إبراهيم جبرا، الشاعر الفلسطينيّ المجدّد، والناقد الجادّ، يصف أثر شعر الجواهري على أبناء الشعب العراقي، فيقول: "لقد تغلغل شعر محمد مهدي الجواهري في النفْس العربية في العراق، بيسر وعلى مهل، عبر ما يربو على أربعين عاما من تاريخ العراق الحديث، حتّى غدا جزءا من التجربة العاطفيّة والذهنيّة والسياسيّة للأمّة كلّها، مهما تتباين مواقف الأفراد من الشاعر نفسه". هذه الشهادة المكْبرة التي يقدّمها جبرا، وهو مِن أكثر الأدباء تجديدا في الشعر والنقد، تعكس في رأينا بوضوح مكانة الجواهري في الحياة السياسيّة في العراق، والدور الهامّ للجواهري في تاريخ الشعر العراقي، والشعر العربي الحديث عامّة.
يُعتبر الجواهري، في نظر النقّاد عادة، من شعراء المدرسة الكلاسيكيّة الجديدة، التي بلغتْ أوج أثرها ونفوذها في الربع الأوّل من القرن العشرين، وفي شعر أحمد شوقي بالذات. ولا شكّ أنّ شعر الجواهري، بوجه عامّ، يقوم على الصياغة الكلاسيكيّة في الشعر، وفي الشعر العبّاسي بوجه خاصّ: أسلوب خطابيّ جهير، وإيقاع كلاسيكي متميّز، يتمثّل في البحور الفخمة كالطويل والكامل والبسيط والوافر، وقافية موحّدة عادة على امتداد القصيدة مهما طالتْ، وقصائده أطول عادة من القصائد العبّاسيّة المعروفة. وأخيرًا معجم شعريّ كلاسيكيّ، بألفاظ من "غريب اللغة" أحيانًا، ومبنى نحويّ شديد الدقّة والتركيب. بل إنّ بعض النقّاد ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فاعتبروا الجواهري شاعرًا عبّاسيا يعيش في العصر الحديث. أو بكلمات الدكتور جلال الخيّاط: "إنّني لا أشكّ في أنّه شاعر ذو طابع عبّاسي أخطأه الزمن، فوُلد في القرن العشرين. ولكن، أليس من الطرافة أن نجِد وبعد مئات السنين متنبئًا آخر يقدّم لنا نماذج شعريّة ذات صنعة محْكمة؟".
إلّا أنّنا نظلم الجواهري وشعره، في الواقع، إذا اعتبرناه شاعرا كلاسيكيّا فحسب، وحكمنا على شعره بمعايير الشعر الكلاسيكي فقط، دونما النظر في نواحي التجديد في قصائد كثيرة، كتبها في الأربعينات والخمسينات خاصّة، سواء من حيث المضمون أو الصياغة.
ثقافة الجواهري الأولى كانت بالطبع كلاسيكيّة خالصة. فقد وُلد ونشأ في النجف، في جنوب العراق؛ وهي مركز شيعيّ هامّ لدراسة الدين والتراث الكلاسيكيّ، خاصّة الشعر، بحيث حفظ في صباه كميّة هائلة من الشعر الكلاسيكي لكبار الشعراء العباسيّين كالمتنبي والبحتري والشريف الرضيّ. من ناحية أخرى يصعب القول إنّ الجواهري اطّلع على الشعر والأدب الغربّيين، رغم أنه يشير في ديوانه إلى إحدى روايات إميل زولا، و"يترجم" قطعة شعريّة من الفرنسية التي "يلمّ بها بعض الإلمام".
من ناحية أخرى، إذا نظرنا إلى ثقافة الجواهري العامّة، وصِلته بالحياة السياسيّة في العراق، نجد أنّه يختلف بعض الاختلاف عن غيره من الشعراء الكلاسيكيّين الجدد. فقد عاش الجواهري معظم حياته فيما بعد فترة الكلاسيكية الجديدة من ناحية، كما شارك مشاركة فعّالة في الحياة السياسيّة في العراق من ناحية أخرى، فخبر السجن والنفي معا، بل فقد أخاه "جعفر" أيضا في مظاهرات "الوثبة" الدمويّة عام 1948 في بغداد. بالإضافة إلى انخراطه في الحياة السياسيّة طويلا، عمل الشاعر فترة طويلة في تحرير وإصدار الصحف التي أغلقتْها السلطات غير مرّة، بسبب معارضتها للنظام. وخلال نشاطه السياسي والصحافي، اتّصل الجواهري أيضا بالتيّارات السياسية المختلفة في العراق، خاصّة بعد الحرب العالمية الثانية، وتوثّقت علاقاته بشكل خاصّ بالأوساط اليساريّة المناهضة للحكم، وإنْ كان ينكر انتماءه إلى أيّ جماعة، وينكر "يساريته" أيضا!
حاول الجواهري، في شعره، التعبير عن تجربته السياسيّة والحياتيّة الغنيّة، بحيث غدت الموضوعات السياسيّة مهيمنة على ديوانه تمامًا، أكثر منها عند أيّ شاعر نيوكلاسيكي آخر، محاولا تطويع الأدوات الكلاسيكيّة في صياغة الحساسيّات والمفاهيم المعاصرة. على هذا النحو، نشأ تناقض واضح في شعره، كما في حياته أيضا: فقد ثار على دوْر الشاعر الكلاسيكي؛ شاعر البلاط، والشاعر الإصلاحي أيضا، إلا أنّ خلفيّته الكلاسيكيّة البعيدة الجذور كانت وسيلته الوحيدة في التعبير، بكلّ ما تحمله من القيم والمفاهيم القديمة. لذا يلاحَظ في شعره التوتّر الدائم بين القديم والحديث، وفي قصائده السياسيّة الفخمة في الأربعينات والخمسينات بوجه خاصّ.
ثار الجواهري على دوْر الشاعر القديم متمثّلا في تخليد أعمال الخلفاء والأمراء، وإنْ كان كتب بعض قصائد المدح بنفسه، متّخذا لنفسه دور الشاعر المحرّض للجماهير على الثورة على الحكّام الطغاة، مكرّسًا قصائده لتمجيد بطولات المناضلين والشهداء في ساحة النضال:
هذا أنا .. عظمُ الضحيّة ريشتي / أبدًا ولفحُ دمائها أضوائي
أستلهم النغم الخفيّ يموج في / جرح الشهيد بثورة خرساءِ
وأحسّ أنّ يد الشهيد تجرّني / لتلفّني وضميره برداءِ
[ديوان الجواهري، بيروت 1982، 3/156. وفي شواهد الشعر، فيما بعد، نذكر رقم المجلّد، ورقم الصفحة فقط].
***
يتبجّحون بأنّ موجًا طاغيًا / سدّوا عليه منافذًا ومساربا
كذبوا فملءُ فم الزمان قصائدي / أبدًا تجوب مشارقا ومغاربا
تستلّ من أظفارهم، وتحطّ من / أقدارهم، وتثلّ مجدا كاذبا
أنا حتفهم، ألجُ البيوت عليهم /أُغري الوليد بِشتمهم والحاجبا 3/24-25
***
كذلك ثار الجواهري على رجال الدين، بل إنّه ثار أيضا على بعض القيم الدينيّة التي رأى أنّها تناقض رؤيته الثوريّة، وتحول دون ثورة الجماهير في وجه مضطهديها. وذلك في مجتمع محافظ يخشى فيه المفكّرون حتّى في أيّامنا هذه التعبير عن الأفكار التي تردّدت في قصائد الجواهري:
.. لكنّ بي جنفًا عن وعي فلسفةٍ / تقضي بأن البرايا صنّفت رُتبا
وأنّ من حكمةٍ ان يجتني الرطَبا / فردٌ بجهد ألوف تعلكُ الكرَبا
2/195
***
نامي على تلك العظات الغرّ من ذاك الإمامِ
يوصيك أنْ لا تطمعي من مال ربّك في حطامِ
يوصيك أنْ تدعي المباهج واللذائذ اللئامِ
وتعوَّضي عنْ كلّ ذلك بالسجود وبالقيام 3/75

***
بل إنه في مطوّلته المسماة "يوم الشهيد" ( 2/290) يتحدّث بشجاعة عن ضرورة استبدال القِيم القديمة بأخرى جديدة تلائم عصرنا هذا: إذا كان الكرم والضيافة وإغاثة الملهوف قيمًا عليا في الماضي، فلا بدّ من استبدالها في هذا الزمان بقيم جديدة تتمثّل في "السجن والتشريد والإعدام" في سبيل القضيّة الوطنيّة.
بناء على ما تقدّم، لا بدّ من طرح سؤال هامّ بشأن الجواهري: كيف استطاع الشاعر تمثيل هذه الرؤية الجديدة للحياة والشعر، خاصّة الرؤية السياسية الثوريّة، باستخدام الأدوات الأسلوبيّة الكلاسيكيّة ذاتها التي شكّلت كما أسلفنا ثقافته الأوليّة، وخلفيّته الأدبيّة والشعريّة بالذات؟ معظم النقّاد أشاروا، بشكل أو بآخر، إلى قيام الجديد إلى جانب القديم في شعره، إلا أنّهم عمدوا إلى التعميم في الإجابة عن هذا السؤال، ولم يتناول أيّ منهم النصوص الجواهرية بالنظر المتقصّي، والتحليل المفصّل للغة الجواهرية، وبهذا المنظور أيضا يجب النظر إلى ملاحظة الجيّوسي السابقة.
في تعليق قصير للكاتب اللبناني رئيف خوري (1931 – 1967)، في مجلّة "الآداب" البيروتيّة، يرى الأستاذ خوري أنّ "الجواهري- على تعبير القدماء - فحل من فحول الشعر المعاصرين، وهو في التعبير الشعري أميَل إلى النهج الكلاسيكي منه إلى النهج المولّد الحديث، على أنّ الكثير من صوره ومعانيه جديدة، فهو من القادرين على وضع الخمرة الجديدة في الزقاق القديمة".
الدكتور محمّد مصطفى بدوي أيضا أورد رأيا قريبا من ذلك: "يتميّز شعره السياسي الراقي بأنّ الشكل فيه كلاسيكي واضح، والمعجم الشعري من غريب اللغة أحيانا، بينما تظلّ درجة الوعي السياسي ونوعه وحرارة النبض الثوري فيه حديثة تماما. ولذا فإنّ الكلاسيكيّين يعتبرونه واحدا منهم، بينما يعدّه غلاة المجدّدين معلّما لهم أيضا".
لن نستطيع هنا، لضيق المجال، تناول جميع نواحي التجديد في شعر الجواهري وجميع عناصره الفنيّة. لذا سنقتصر في مقالتنا هذه على الصور الشعريّة التي تتخلّل قصائده، وذلك لتبيان التغيير الذي تحمله، والتجديد الذي تمثّله. وهنا أيضا، لنْ نستطيع عرض عشرات بل مئات الصور التي تعنينا في هذا المجال، بل سنكتفي بعيّنة تمثيليّة فقط من الصور التي تحفل بها قصائده.
هنا أيضا كانت الجيّوسي من النقّاد القلائل الذين حاولوا النظر في الصورة الشعريّة عند الجواهري، فذكرتْ أنّها تختلف عن الصورة الشعرية الكلاسيكيّة إذ "تتمثّل عبقريّة الجواهري الفذّة في صوره الشعريّة. فالتشبيه القديم بدلالاته المباشرة المسطّحة قلّما يُستعمل، بينما نجد بالمقابل هذا الميل الحديث إلى صور الحسّ العينيّة الحيّة، ذات الأثر البالغ والمشاعر الجيّاشة". أمّا جبرا إبراهيم جبرا فكان أكثر تحديدا حين أشار إلى قيام الصورة عنصرا أساسيّا في فنّه الشعري، وإلى مصادر صوره الشعرية أيضا: "شعره يكاد يخلو من الرموز [...] إنّه شعر صوَر، وصوره على الأغلب مستقاة من مصدرين: الشعر العربي القديم، إذ يعيد صوغ الكثير من كناياته على غراره الخاصّ، وحياة الناس في العراق التي يرى أجزاءها بنفاذ وقوّة".
أمّا السرّ في تأثير هذه الصور على الإنسان المعاصر فلأنّها، في رأي جبرا، صور "لها جذور بعيدة الغوْر في وعي الأمّة ولا وعيها، ممّا يحرّك فيها عواطف النقمة والحسّ بالخيبة والاضطهاد، وبأنّها ضحيّة يجب أن تثور على مضطهديها".
ليس هناك شكّ في أنّ الشعر العربي القديم، والتراث الأدبي / الديني عامّة، يشكّلان المصدر الأوّل والأهمّ للصور الشعريّة في القصيدة الجواهريّة. بعض هذه الصور يوظّفها الشاعر كما هي، دونما تغيير أو توليد يُذكر، وخاصّة في الفترة الأولى من شعره. ليس لهذا النوع من الصور الشعرية قيمة فنيّة لافتة طبعا، والجواهري في هذا المجال لا يكاد يختلف عن غيره من الشعراء الكلاسيكيّين الجدد، في العراق أو في مصر. إلّا أنّ صورًا كثيرة من المصدر نفسه استطاع الشاعر تجديدها أو توليدها أيضا، بحيث تبدو قديمة جديدة في الوقت نفسه.
الوسيلة الأولى التي اعتمدها الجواهري في تطوير الصور الكلاسيكيّة هي انتزاع هذه الصور من سياقها القديم وغرسها في سياق مختلف تمامًا؛ سياق عصري جديد، ومستوى مجازيّ جديد يعكس التجربة والقيم الحديثة. فبينما تشكّل القيامة / البعث في التراث الإسلامي، مثلا، صورة "بعيدة الغور في وعي الأمّة ولا وعيها"، فإنّ الجواهري ينتقل بها إلى سياق مجازيّ جديد، مستخدما هذه الصور في وصف سقوط الطغاة وحكمهم بأيدي الثوّار المناضلين. هكذا يخاطب الشاعر، في قصيدة "يوم الشهيد" هذا اليوم:
بكَ "يبعث"الجيل المحتّم بعثه / وبك "القيامة" للطغاة تقامُ
وبك العتاة "سيُحشرون"، "وجوههم / سود"، وحشو أنوفهم إرغامُ
صفّا إلى صفّ طغاما لم تذقْ / ما يجرعون من الهوان طغامُ
و"سيُسألون" مَن الذين تسخّروا / هذي الجموع كأنها أنعامُ
"سيحاسبون" فإن "عرّتهم سكتة" / من خيفة فتستنطق "الآثامُ
2/ 285 - 286
الاستسقاء أيضا موتيف شائع في الشعر العربي الكلاسيكيّ، خصوصا في سياق قصائد الرثاء، حيث يدعو الشاعر المطر، في ختام مرثيته غالبا، أن يروي ضريح المرثيّ. هذه الصور الشائعة في الرثاء التقليدي، يوظّفها الجواهري في قصائد يمجّد فيها المناضلين والشهداء، حينا باستعارة عنصر الماء، وعلى الأغلب باستبدال الماء بالدموع والدماء والوعي أيضا:
يا "سواسبول" سقاكِ الدم يزكو لا الغمامُ 2/158
أسالتْ ثراك دموع الشباب / ونوّر منك الضريحَ الدمُ 2/284
غادي الحَيا تلك القبورَ، وإن غدتْ / بالناضجات من الدماء عواشبا 3/22
وسُقيت من وعي البلاد وعزّها / ما يصطفيك بروضة غنّاءِ 3/136

من العناصر الكلاسيكية أيضا، في الشعر وحياة العرب الأوائل، الحليب والضرع، فلا أهمّ من اللبن في حياة ساكن الصحراء، بحيث تحوّل إلى موتيف شائع في الشعر الجاهلي والعباسي بعده. والجواهري يستخدم كليهما ليكنّى بهما عن الثروة وملذّات الحياة من ناحية، وعن استغلال الجماهير وسلب كنوز الوطن من ناحية أخرى. ولن نأتي بكلّ الأبيات التي يتردّد فيها ذلك، بل نكتفي ببعضها للتمثيل فقط:
"تحلّب" أقوام "ضروع" المنافع / ورحتُ "بوسق" من أديب وبارعِ 2/154
شعب يجاع و"تستدرّ ضروعه" / ولقد "تُمار لتُحلب الأغنامُ" 2/288
تلك الثلاثون "العجاف"، أذلّها / سوطُ الرعاة ومسّها الإضرارُ
"جمدتْ على ٍالجلد اليبيس ضروعُها" /من فرط ما "احتُلبت لها أشطارُ" 3/59 -60
دمشق: لم يأتِ بي عيش أضيق به "فضرع دجلة لو مسّحتُ درّارُ" 3/159
الوسيلة الثانية التي يستخدمها الشاعر في تشكيل صوره هي الانتقال بالنضال الوطني والفكر السياسي المجرّد إلى مجالات حسّية حيّة. بذلك يستحيل الصراع بين الجماهير المضطهدة وحكّامها الطغاة، أو بين المناضلين في سبيل الاستقلال والمستعمر الأجنبي، إلى "عداء شخصي" بين الشعب وحكّامه، ولا أقلّ من ذلك بين الشاعر نفسه والحكّام. وفي هذا الصراع يتّخذ الشاعر لنفسه دور البطل المنخرط في هذا الصراع ضد الحكّام الأعداء، في سبيل القضيّة الوطنيّة. وهذا السياق "الشخصي" الجديد يسوّغ للشاعر توظيف المخزون الهائل من الصور الكلاسيكيّة الكامنة في الذاكرة. فالصور والكنايات القديمة، بكلّ ما فيها من الصراعات القبليّة، والشجاعة في القتال، والأخذ بالثأر، توظَّف من جديد في النضال الوطني في سبيل الاستقلال والصراع الطبقي أيضًا. على هذا النحو تضمّ قصائد الجواهري الصور العديدة المتنوّعة التي يظهر فيها الاستعمار الأجنبيّ أو الحاكم المحلّي وحشًا مفترسًا، يمزّق بأنيابه ومخالبه المناضلين ويلوك لحومهم:
الآن يقبع في مهانته لتنتفض الشعوبُ
"وحش تقلّمت المخالب منه واختفت النيوب" 2/200
بُلينا وأنتم بمستعمرٍ "أكول شروب لنا غادرِ"
يهون على "نابه لحمنا" / هوان "الجزور على الجازرِ" 3/90
مشت لكِ باريس أمّ العلوم "وحشا يدبّ على أربعِ"
"تمزّق أظفاره" أمّة / بحقّ الحياة لها تدّعي 3/169
له رفيقان "رعيان وأذئبة" / ومستقرّانِ مغدور وغدّارُ
"وحش يمزّق أهلوه" فتنجدهم / من الإعارة "أنياب وأظفارِ" 3/184ٍ
الانتقال بالصدام بين الجماهير وحكّامها الطغاة، أو بين الشعوب والاستعمار الأجنبيّ، إلى مستوى "العداء الشخصي" يمكّن الشاعر من خلْق سياق يناسب إلى أبعد الحدود توظيف الصور النافذة للأخذ بالثأر التي تتردّد كثيرًا في شعره. ويشكّل الدم بالذات العنصر المركزيّ فيها. بذلك يتسنّى للجواهري أن يوقظ في "وعي ولا وعي" القارئ، أو السامع، التداعيات الكامنة للصور والموتيفات الكلاسيكيّة التي تتخلّل شعر الحماسة القبلي، وكثيرًا من قصص الفولكلور والأساطير القديمة:
أتعلم أنّ جراح الشهيدِ تظلّ عن "الثأر" تستفهمُ
أتعلم أنّ جراح الشهيد من الجوع تهضم ما تلهمُ
"تمصّ دمًا ثم تبغي دمًا / وتبقى تلحّ وتستطعمُ" 2/280ٍ
وفي خطابه للجزائر الثائرة على الاستعمار الفرنسي:
خذي "الوحش من ظفره وانزعي / ومن نابه حردًا واقلعي"
و"شقّي مرارته وامضغي / وسؤر قراراته فاجرعي" 3/170
وفي ذكرى عدنان المالكي:
تمرّغ الثأر إذ "هيضت جوانحه" / واليوم ينقضّ مثل "الأجدل" الثارُ
على الخليجين سفّاح سندركه / وفي الجزائر رهن الكفّ "جزّارُ" 3/184
وإذ يذكر "شقّ ومضغ مرارة" المستعمر/ العدو، يبعث الشاعر في وعي القارئ العربي المعاصر القصص الكثيرة من التاريخ والفولكلور العربيّين حول أكْل مرارة أو كبد الأعداء، بكلّ التداعيات التي ترافقها. ثمّ إنّ وصف جراح الشهيد وهي تمتصّ الدماء دون أن تعرف ريّا من ناحية، والثأر يتمثّل طيرًا كسير الجناح من ناحية أخرى، يستدعي دونما شكّ صور الثأر في الشعر الكلاسيكي، بما في ذلك طبعا طير "الهامة" في الأساطير الجاهلية: "وكانت العرب تزعم أنّ روح القتيل الذي لم يدرَك بثأره تصير "هامة"، فتزقو عند قبره، تقول: "اسقوني!" فإذا أُدرك بثأره طارتْ" [ لسان العرب، مادّة هامة ].
الطريقة الثالثة التي يعتمدها الجواهري في توظيف الشعر الكلاسيكي لخلق الصور الجديدة في شعره، هي الإلماع أو "التناصّ". لا نعني بذلك طبعا الإشارة الجامدة التي تقترب من الاقتباس، كما هو الشأن في معظم القصائد النيوكلاسيكية، بل التناصّ المتطوّر القائم على محاورة أو معارضة النصّ الأصلي، كما هو معروف في الشعر الحديث، حين يُلمع الشاعر بإيجاز إلى عنصر أو أكثر من العناصر التي تستدعي الصورة الكلاسيكية، ثم يغيّر أو يطوّر الصورة لتلائم القيم والمفاهيم المعاصرة. من أبرز أمثلة هذا التكنيك عند الجواهري الإلحاح على موتيف "المجد". فالمتنبّي، الذي تأثّر به الجواهري كثيرا، يورد في إحدى قصائده "تعريفًا" للمجد، يمثّل إحساسه الفردي بالبطولة:
ولا تحسبنّ المجد زقّا وقينة / فما المجد إلا السيفُ والفتكة البكرُ
وتضريبُ أعناق الملوك وأن تُرى / لكَ الهبواتُ السود والعسكر المجْرُ
[ديوان المتنبّي، بيروت 1958، ص. 386].
ويلمع الجواهري غير مرّة إلى صورة المجد هذه في شعره، موردًا "تعريفه" الخاصّ للمجد، شأنه شأن أستاذه المتنبّي، بما يلائم القيم السياسية الحديثة من نضال وسجن وتضحية بالنفس:
والمجد أن تهدي حياتك كلها / للناس لا برم ولا إقتارُ
والمجد أن يحميك مجدك وحده / في الناس.. لا شُرط ولا أنصارُ
والمجد إشعاع الضمير لضوئه / تهفو القلوب، وتشخص الأبصارُ 3/55
ماذا يضرُ الجوع؟ مجد شامخ / أنّي أظلّ مع الرعيّة ساغبا
أنّي أظلّ مع الرغبّة مرهقا / أنّي أظلّ مع الرعيّة لاغبا 3/24
ما المجد كأس تجتليها للسقاة يد المديرِ
المجد يُخنق بين أوتار، وولدان، وحورِ
والمجد ليس رضا الوزير ولا مصاقبة السفيرِ
المجد صنو للدماء وللسجون وللقبورِ 3/70
في مقطع واحد من مطوّلته الشهيرة "هاشم الوتري"، يقيم الشاعر تناصّا مع ثلاثة أبيات كلاسيكيّة مختلفة في الوقت ذاته معا: بيت المتنبّي السابق الذي "يعرّف" فيه المجد، وبيت ثانٍ للشاعر أبي نواس في شرب الخمر، " مساحب من جرّ الزقاق على الثرى/ وأضغاث ريحانٍ: جنّي ويابس"، والبيت الشهير الشائع لعلي بن الجهم: "عيون المها بين الرصافة والجسرِ/ جلبنَ الهوى من حيث لا أدري ولا أدري". يستقي الجواهري هذه المصادر الثلاثة لتشكيل صورة بغداد الماضي، بغداد الترف والغناء والخمر والحب. ولمناقضة ذلك يردف فورًا وصفا لبغداد الحاضر، بغداد النضال والمظاهرات الدامية على "الجسر"، حيث سقط جعفر، أخو الشاعر، برصاص الشرطة، وحيث يتحوّل شعر اللهو إلى جمر ونار، والشباب يستقون كؤوس الموت لا الخمر، وعلى أرضها تُجرّ جثث الشهداء لا زقاق الخمر، وعلى "الجسر" تنطلق الفتيات المتظاهرات لا فتيات عليّ بن الجهم:
بغداد كان المجد عندك قينة / تلهو، وعودا يستحثّ الضاربا
وزقاق خمر تستجدّ مساحبا / وهشيم ريحان يذرّى جانبا
و"الجسر" تمنحه العيون من المها / في الناسبين وشائجا ومناسبا
الحمد للتاريخ حين تحوّلتْ / تلك المرافه فاستحلْنَ متاعبا
الشعر أصبح وهو لعبة لاعب / إنْ لم يسلْ ضرمًا وجمرًا لاهبا
والكأس عادت كأس موت ينتشي/ زاهي الشباب بها ويمسح شاربا!
و"الجسر" بفخر أن فوق أديمه / جثث الضحايا قد تركْنَ مساحبا!
وعلى بريق الموت رحنَ سوافرًا / بيض كواعبُ يندفعنَ عصائبا 3/22
هذه هي "الخمرة الجديدة في الزقاق القديمة" التي أشار إليها الأستاذ رئيف خوري في المقتبس السابق. فالجواهري لم يكتفِ بالتناصّات الحرفيّة المباشرة من الشعر القديم، كما فعل كثيرون من الكلاسيكيين الجدد، بل استطاع في مواضع كثيرة تجديدَ وتوليد الصور القديمة لتلائم الواقع المعاصر، باستخدام الاستعارات والكنايات القديمة، متصرّفا بها بحيث تحمل الإيحاءات الأولى البعيدة الغور في النفس العربية وحساسيات عصرنا هذا، في الوقت ذاته!
المصدر الثاني الذي استقى منه الجواهري صوره الشعرية الكثيرة، لم يقتصرْ على "حياة الناس في العراق"، كما ذكر الناقد جبرا إبراهيم جبرا، بل تعدّاها، إلى الحياة المعاصرة عامّة، بجميع جوانبها الأيديولوجيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، مزوّدًا بتجربته الغنيّة في الصحافة والسياسة، وبنضاله الطويل المرّ ضدّ الحكم في العراق بوجه خاصّ. هكذا نجد في قصائده السياسيّة العامرة، في الأربعينات والخمسينات بوجه خاصّ، صورًا شعريّة حديثة وأصيلة، لا نجدها عند غيره من القدماء والمعاصرين، وإن ظلّ بشكل أو بآخر يكتب في الشكل الإيقاعي التقليدي الذي لم يستطعْ هذا الشاعر المعاصر الفكاك منه.
النوع الأول من صوره الشعرية المبتكرة قصير بسيط، يورده في قالب التشبيه المعروف، إلا أنّه تشبيه جديد بكلّ عناصره، لا نجد ما يماثله أو يشابهه في الشعر العبّاسي أو الشعر الكلاسيكي الجديد:
و"مخدّرون" يسهّلون مهمة / الجرّاح ساعة تبتر الأعضاءُ
و"منفّسون" كأنهم صمّامة / ينفي بها ضغطَ البخار الماءُ 3/42
.. مسهّدين على مجدي ونسبته / كما تسجّل للنهر المناسيبُ 3/130
لكِ الويل فاجرة علّقت / صليب المسيح على المخدعِ
تهدّم "بستيل" في موضع / وتبنى "بساتيل" في موضعِ
[الخطاب لفرنسا في قصيدة "الجزائر"، 3/170]
طُرق المجد موعرات عليها/ كلّ يوم في كلّ شبر شهيدُ
نغتذي ما طها الطهاةُ وننسى/ أنّهم ملح ما طهوْا والوقودُ 4/135
طرق النضال مذللات بالدماء تعبّدُ
يحيا النضال بجمرها وعلى حصاها يولدُ 4/138
آه على تلكم السنين/ إذ نحن منهنّ في شؤونِ
وإذ ولاة الأمور منّا / شرائح اللحم في الصحونِ
في كلّ آنٍ إذا اشتهينا / نُفدى بعجلٍ منهم سمينِ 4/324-325
في أحيان كثيرة يتقصّى الجواهري مركبّات الصورة أيضا، متوسّعا فيها، بحيث تحتلّ بضعة أسطر من القصيدة. من بين هذه الصور العريضة صورتان يجدر بنا إيرادهما هنا، لما يظهر فيهما من تأثير مباشر واضح لخاتمة البيان الشيوعي المعروفة: "ليس للبروليتاريا ما تفقده فيها [ في الثورة ] سوى قيودها وأغلالها، وتربح من ورائها عالمًا بأسره". الصورة الأولى وردتْ في قصيدة "أخي جعفر" التي كتبها في أخيه جعفر الذي سقط في المظاهرة برصاص شرطة النظام، سنة 1948. فهو في حثّه الجماهير على اقتحام رصاص الشرطة، يعرض عليهم التخيير ذاته تقريبا الوارد في خاتمة البيان المذكور، متبنّيا مبناه الجدليّ، لكنْ في صياغة "جواهرية" متميّزة:
تقحّمْ، لُعنتَ، أزيزَ الرصاص / وجرّبْ من الحظّ ما يُقسمُ
فإمّا إلى حيثُ تبدو الحياة / لعينيك مكرمةً تُغنمُ
وإمّا إلى جدثٍ لم يكنْ/ ليفضله بيتك المظلمُ 2/280ٍ
الصورة الثانية، وهي أيضا صورة جدليّة واضحة، وردتْ في مطوّلته "المقصورة"، حيث يشبّه نفسه بصلّ الصحراء الذي لا يملك شيئا فيخسره، سوى الهجير والرمل الملتهب والعراء [العري]:
بماذا يخوّفني الأرذلون / ومِمّ تخافُ صلالُ الفلا ؟!
أيُسلب عنها نعيمُ الهجير/ ونفحُ الرمال وبذخُ العرا؟! 2/250
من الصور العريضة المبتكرة في شعر الجواهري، صورة الطريق، أو طريق النضال أيضا. تتردّد هذه الصورة في شعره بالتفاصيل الحسّية الواضحة حينًا، والوصف التجريديّ حينا آخر: طريق طويل وعر، يحفل بالعقبات، ترصده الأفاعي والذؤبان، يتشكّل من جثث الضحايا، ويضاء بدم الشهداء الذي يهدي المناضلين إلى الانعتاق وإلى الواحات في آخره. ترِد هذه الصورة مرّات عديدة في القصيدة الجواهرية، ونكتفي هنا بالإشارة إلى اثنتين منها فقط:
إنّ الحياة طريقُها / وعرٌ بعيد مجدبُ
عرقُ الجبين على الدماء فويقها يتصبّبُ
ومن الجماجم ما يُعيق الواهنين ويُرهبُ
يمشي عليها الإبْن يُنجز ما ترسّمه الأبُ
ولكمْ تخلّف معشر / عنها وشُرّد موكبُ
ووراءها الواحات طاب مراحها والمشربُ 2/162– 163ٍٍ

سلامٌ على حاقد ثائر/ على لاحبٍ من دمٍ سائرِ
يخبّ ويعلم أنّ الطريق / لا بدّ مُفضٍ إلى آخرِ
كأنّ بقايا دم السابقين / ماضٍ بمهّدُ للحاضرِ
كأنّ رميمهمُ أنجمٌ / تبدّدُ من زلل العاثرِ 3/85
إلا أنّ أروع هذه الصور كلّها ما يرد في قصيدته "أخي جعفر"، حيث تتجلّى الصورة العريضة المتخيّلة، بعناصرها الحسّية والمجرّدة، ورؤياها المدهشة الرهيبة معًا:
أرى أفُقا بنجيع الدماءِ / تنوّر، واختفتِ الأنجمُ
وحبلا من الأرض يُرقى به / كما قذف الصاعدَ السلّمُ
إذا مدّ كفّا له ناكثٌ / تصدّى ليقطعها مبرمُ
تكوّرَ من جثثٍ حوله / ضخامٍ وأمجادُها أضخمُ
وكفّا تمدّ وراء الحجاب / فترسم في الأفْق ما ترسمُ
وجيلًا يروح وجيلا يجيء / ونارًا إزاءَهما تضرمُ 2/281-282
ما يلفت النظر في هذه الصورة الشعريّة الضافية هي أنّ معظم عناصرها مستقاة من المعجم الكلاسيكي، الحبل والناكث والمُبرم، بينما الصورة ذاتها أصيلة ومبتكرة فعلا!
من الصور الشعريةالعريضة أيضا صورة المنقذ أو المخلص التي تحوّلتْ في شعر الجيل الثاني بعد الجواهري إلى صورة المسيح عادة. تمتدّ هذه الصورة في إحدى القصائد عشرة أبيات كاملة، يوصَف فيها المنقذ شبحًا مخضّبا بالدماء، ينظر إلى المستقبل مبتسمًا، فيرى الغيوب، ولذا لا بدّ من استلهامه:
وتلمّسوا أفقا تلبّدَ غيمُه، وترقّبوا
ينهضْ لكم شبح بمسفوح الدماء مخضّبُ
غضر الصبا وكأنّه / مما تغيّر أشيبُ
ذو عارضين فمؤنس/ جذل وآخر مرعبُ
يرنو إلى أمسٍ فيعبس عنده.. ويقطّبُ
ويلوح فجر غدٍ فيركض نحوه ويرحّبُ
يأوي إليه معمّر/ ويخاف منه مخرّبُ
مخضَ الحياة فلم يفتْه مصرّح ومروّبُ
وانزاح عن عينيه ما/ يطوى عليه مغيّبُ
فاستلهموه فخيرُ من/ رسم الطريقَ مجرّبُ 2/163-164ٍ

إذا كان الشاعر يستقي، في معظم صوره، من التقاليد الشعرية الكلاسيكية، موردًا القديم إلى جانب الجديد في أبيات متتالية غير مرّة، فإنّه في بعض الأحيان يبتعد عن المعجم الكلاسيكي، فيستخدم قاموسا معاصرا تمامًا، كما في الصورة التالية التي استمدّ عناصرها من عالم المسرح:
وروايةٍ حبَكَ الزمان فصولَها / فبدتْ لنا ممسوخةَ الأدوارِ
من شرّ ما اختلق الرواة، ولُفّقت/ حِيلٌ، وضمّتْ دفّة الأسفارِ
وممثّلينَ تصنّعا ووراءهم / خلفَ الستار ملقّنٌ متواري 2/216
هكذا حاول الجواهري في فنّه الشعري، ولم نتناول منه هنا سوى الصورة الشعريّة، أنْ يقترب أكثر ما يمكن من قيم الحياة المعاصرة، في سبيل تمثيل حياة أبناء الشعب العراقي بكلّ حساسيّاتها. إلّا أنّ خياله وذاكرته كليهما محكومان بالصياغة الكلاسيكية، إيقاعًا ومعجمًا، فلم يستطعْ لذلك الفكاك تمامًا من هذه الصياغة. حتى في صوره الأصيلة المبتكرة لم يقدر، أو لم يجرؤ ربّما، على تفكيك هذه الصياغة المستحوذة عليه تمامًا، وهذا في الواقع هو مصدر التوتّر الدائم بين القديم والجديد في الفنّ الجواهريّ، خصوصًا في قصائده السياسية العامرة، التي كتبها في الأربعينات والخمسينات. من ناحية أخرى يمكن القول إن الجواهري استنفد طاقات الصياغة الكلاسيكيّة تمامًا، بحيث لم تعدْ أمام الجيل الثاني بعده، السيّاب والبياتي والملائكة، فرصة لمواصلة هذا النهج، فاهتدوا في سبيل الخلاص من الهيمنة الكلاسيكية إلى تجاوز هذه الصياغة تماما، بكسر قالب البيتية وابتكار شعر التفعيلة؛ الشكل الإيقاعيّ الجديد الذي كان بمقدوره التعبير عن حساسيات ومواقف جيل الشباب بعد الحرب العالميّة الثانية. كان الجواهري آخر الفحول، كما وصفه جبرا إبراهيم جبرا، والحلقة الواصلة بين الكلاسيكيين الجدد والمجدّدين من الجيل التالي. لذلك ليس غريبا أن نجد جذور صور وموتيفات كثيرة عند السيّاب والبياتي في شعر الجواهري بالذات. وهذا في رأينا ما عناه جبرا إبراهيم جبرا بملاحظته القصيرة الثاقبة: "من المهمّ أنْ نلاحظ أنّ قمّة الجواهري الشعرية – في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات – تعاصرها بداية الحركة الشعرية الجديدة في العراق. لم يترك الجواهري للشعراء الشباب متّسعا للمنافسة: وعندما تبلغ الأشكال الشعرية حدّها الأقصى من النضج والقوّة، فلا بدّ من ثورة عليها، استبقاء للطاقة الشعرية وقدرتها على التعبير عن رؤية الإنسان".
[email protected]








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جولة في بيت العود العربي بمدينة أبوظبي مع الفنان نصير شمة |


.. لقاء خاص مع الفنانة الفلسطينية روان عليان وحديث شيق عن جديد


.. عزاء شقيق المخرج خالد يوسف بمسقط را?سه بتصفا في كفر شكر




.. وصول المخرج خالد يوسف إلى بيت العائلة واستعدادات لتشييع جثما


.. إلى جانب معسكرات الإعتقال.. الصين تنتهج أسلوباً جديداً لتدمي