الحوار المتمدن - موبايل


الثقافة القامعة والثقافة المقموعة وعودة ذي الوجه الكئيب

كريم الوائلي
(Karim Alwaili )

2017 / 12 / 10
مواضيع وابحاث سياسية



كانت الثقافة موجهة بطرائق معينة زمن النظام السالف و لااقول البائد و هي التي تمثل الثقافة المهيمنة ، ولا وجود الا لهذه الثقافة القامعة وتتلاشى ازاءها كل انماط الثقافات الاخرى .
وكان الكاتب يعاني من رقابتين ، رقابة السلطة التي قد تقوده الى الموت او الى الاختفاء او غياهب السجون ، ورقابة الداخل التي تعطل كل شيء .. ولعلها اشد قسوة من رقابة السلطة ، لانك مع رقابة السلطة قد تراوغ وتتكلم بابن عم الكلام وتميل الى الترميز .. او التحدث عن خرافات واساطير عوالم الكواكب الاخرى ..
و اليوم وبعد التحول الذي حدث في واقعنا السياسي و الثقافي ما زالت تطل علينا ثقافات السلطات المتعددة ، التي لا تنفع معها معرفة ووعي رقابتها ... و لاينفع معها احتماء الكاتب بالترميز و الاقنعة و الاستعارات ولا ينفع معها ايضا الحياد ... لقد كان الحياد ( الاستقلال) كلمة ممجوجة ومرفوضة في العهد السالف ، واكثر رفضا في العهد الحالي .
ومن الغريب في هذا السياق ان اكثر الناس استخداما لقمع الثقافة غالبا هم اولئك الذين يتحدثون عن انفتاحها ويدعون الى طرح الرأي و الرأي الاخر ولكنك بمجرد ان تطرح رايا معارضا لتصوره او مخالفا لتوجهاته ألا وتجد نفسك خارج المؤسسة ومحكوما عليك بالاقصاء و التهميش .
ان مشكلتنا الحقيقية ليست ثقافة السلطة ، وانما ثقافة الهامش التي يضطر بعض المثقفين الى الاعتياش من خلالها كونهم يسيرون بجوار الجدار ... كونهم لا يبررون للسلطة افكارها ورؤاها و سلوكياتها و في الوقت نفسه لا يعارضونها ..يلهج بالاكاديمية و الدرس العلمي البارد .. ومن ثم تنفصل هذه الثقافة عن الواقع والسياسة و الاقتصاد و المجتمع .
وحين يكون لك رأي صادق ووجهة نظر سليمة وتطرحها بروح الديمقراطية يمتعض من يتسلط عليك ، فيأمر بنفيك خارج اسوار مؤسسته ، ويحتل محلك كثير من الانتهازيين والطفيلين والمنافقين ...وما اكثرهم في هذا الزمان الرديء
ومن الطريف في هذا المجال ان نشير الى ان صلاح عبد الصبور الشاعر المصري كتب قصيدة بعد احداث ازمة اذار 1954 و هي الازمة التي انتهت بانتصار الدكتاتورية العسكرية التي قادها عبد الناصر ، واعتبرها صلاح عبد الصبور هزيمة لما يمكن ان يكون طريقا نحو الديمقراطية . نشر قصيدته ( عودة ذي الوجه الكئيب ) . يقول عبد الصبور :
هل عاد ذو الوجه الكئيب؟
ذو النظرة البكماء والأنفِ المقوّس والندوب
هل عاد ذو الظفر الخضيب
ذو المشيةِ التياهةِ الخيلاء تنقُرُ في الدروب
لحناً من الإذلالِ والكذِبِ المرقّشِ والنعيب
ومدينتي معقودةُ الزّنارِ
عمياءَ ترقص في الظلام
ويصفر الدجالُ والقواد والقرّاد والحاوي الطروب
في عرس ذي الوجه الكئيب
***
من أين جاء؟
ويقول سادتُنا الأماجد حين يزوون الجبين
شأنَ الثِّقاةِ العارفين
من السماء
من أين جاء؟
ويظلّ أهلُ الفضل فينا حائرين
ويتمتمون على مسابحهم وهم يتلاغطون
هذا ابتلاء الله! هذا من تدابير القضاء
***
من أين جاء؟
ويقول أصحابي وهم كالزّعزع النكباءِ قوة
العزمُ يلمع في عيونهم وتجري في عروقهمُ الفتوّة
من الجحيم
وكيف جاء؟
هذا أبو الهول المخيف
نصب السرادق عند باب مدينتي للقادمين
والعائدين
والهاربين إلى الفضاء
والوالجين إلى البناء
لا، لم يدَعْ أحداً
إلاّ وألقى دونه هذا السؤال
من خالق الدنيا؟
الملتحون تهلّلوا، وأجاب رائدُهم بصوتٍ مستفيض
الله خالقُها.. وهذا لا يصحّ به سؤال
وعوى أبو الهول المخيف، وقلَب الوجهَ الكئيب إلى اليسار
ورمى بجمع الملتحين إلى الدمار
والأمْرَدُونَ تأمّلوا، وأجاب رائدُهم بصوتٍ مستفيض
لا نستطيع، بل نحن نعرف، إنه قِدَمُ الطبيعة
وعوى أبو الهول المخيفُ، وقلب الوجهَ الكئيبَ إلى اليسار
ورمى بجمعِ الأمردين إلى الدمار
***
وتقدّم الدجالُ والقوادُ والقرّادُ والحاوي الطروب
وتضعضعوا، قالوا معاذك، أنت خالقها، أجل
أنت الزمان
أنت المكان
أنت الذي كان
أنت الذي سيكون في آتي الأوان
وعوى أبو الهول المخيفُ وقلب الوجهَ الكئيبَ إلى اليمين
وأشار، ثمّ تواثبوا فوق الأرائكِ جالسين
***
سيظلّ ذو الوجهِ الكئيبِ وأنفُه ونيوبُه
وخطاه تنقر في حوائطنا الخراب
إلا إذا
إلاّ إذا مات
سيموت ذو الوجه الكئيب
سيموت مختنقاً بما يلقيه من عفنٍ على وجهِ السماء
في ذلك اليوم الحبيب
ومدينتي معقودة الزنار مبصرة سترقص في الضياء
في موت ذي الوجه الكئيب








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السيدة الأولى في الولايات المتحدة.. من هن أبرز الشخصيات عبر


.. صحفية توضح أهمية فلوريدا في حسم انتخابات الرئاسة الأميركية


.. أزمة جديدة بنادي النصر السعودي بطلها نور الدين أمرابط




.. حجازي في الدوري السعودي.. صدمة مدرب ورسالة من النمر الجديد


.. ترامب.. ماذا بعد النصر بالمحكمة العليا؟