الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


في الحراك السياسي

فراس جابر

2006 / 2 / 28
القضية الفلسطينية



يمتاز المجتمع الفلسطيني كونه عضواً في نادي المجتمعات العربية من جملة ما يمتاز به، بوجود بنية تقليدية تحكم جزءاً كبيراً من علاقاته وبنيته الاجتماعية، وتؤثر بشكل كبير في إعادة إنتاجه عبر آليات مختلفة.
لكن وجود هذه البنية التقليدية في صلب المجتمع الفلسطيني لم يمنع وجود وتطور بنية قوية موازية، نتجت بسبب الصراع الفلسطيني – الصهيوني، وتمثلت بالتيار الوطني الذي حمل مشروعاً تحررياً توج بمنظمة التحرير الفلسطينية طوال عقود، ومن ثم أنتج واقعاً سمي بواقع أوسلو.
طوال عقود سيطرت البنية الوطنية على تلك التقليدية، وسخرتها لمصلحتها ولاستمرار ديمومتها، وذلك عبر تغذيتها وإخضاعها، وجعلها سنداً رئيساً لها، عبر استخدام حركة فتح تحديداً للبنية التقليدية، بتعزيز مكانة وهيبة رجال العائلات والعشائر، ورجال الدين، ولكن ضمن حدود التزام السابقين بسلطة البنية التحررية.
بقي شكل العلاقة المذكورة مسيطر طوال فترة النضال الوطني الحديث، وحتى مرحلة أوسلو التي أفرزت وجود السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها، وعززت من نفوذ التيار القوي داخل الحركة التحررية ممثلاً بحركة فتح، وذلك عبر سيطرتها المطلقة على كافة مؤسسات المجتمع السياسية الرسمية، والاقتصادية، وقامت بنفس الوقت بعزل التيار التقدمي داخل هذه البنية عبر إضعافه وتشتيته، وقطع الأموال عنه، وساعد في ذلك عدم امتلاك هذا التيار مشروعاً اجتماعياً قوياً محاذياً لعمله الوطني، أضف إلى ذلك معارضة مشروع السلطة من الخارج مما أبقاه خارج حدود الفعل السياسي الرسمي، وخارج البنية المسيطرة وعلاقاتها. هذه البنية التي عززت دور رجال العشائر والعائلات، ورجال الدين عبر تحالفات موقعية ووظيفية لإدامة سيطرتها على ذلك الجزء من المجتمع الذي يمتاز بتقليديته، ويكمن هنا التناقض الأساسي، وهو سيطرة بنية تحررية حداثية يفترض بها التخلص من العلاقات الاقتصادية – الاجتماعية التقليدية وتحطيمها، على تلك البنية بوسائل تقليدية أيضاً هي المال والمناصب، وليس عبر القانون وسلطة المؤسسات ذات السيادة الاجتماعية.
عزز هذا التحالف المتين مواقع ممثلي البينة التقليدية، ورسخ دوراً أساسياً لهم داخل بنية السلطة الوطنية، وأعطاهم نفوذاً أكبر، سمح لهم بفرض سكون اجتماعي – اقتصادي قائم على معارضة التغيير الاجتماعي وممثليه، المفترض أن يصاحب مرحلة بناء مؤسسات سيادية ذات بعد تحرري، مما عنّى بالضرورة محاربة التيار التقدمي وإضعافه عبر مواقع قوية ومتنفذة وذات سطوة داخل المتجمع، وادي بالتالي لتراجع كبير في حجم التيار التقدمي وتأثيره، بل وانسحابه من مواقع اجتماعية – سياسية مؤثرة، وانحصار دوره في بؤر مدينية بالأساس تتناسب مع حجم قوته، عدا عن تحويل جزء مهم من عناصره، إلى قادةً مؤسسات أهلية. لكن هذا الانسحاب لم يعزز بتقدم القوى التقليدية التابعة للبنية التحررية لاحتلال المواقع المتروكة في ساحة الفعل الاجتماعي، بل انشغلت هذه البنية بكامل قوتها في بناء مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، والسعي المحموم للحفاظ على المواقع بما تعنيه من امتيازات هائلة لهم.

نتيجة ذلك، خلت ساحة الفعل الاجتماعي من عناصر تحررية قوية مسيطرة، وأتاحت مجالاً للبنية الدينية ممثلة بحركة حماس من اجل السيطرة على المواقع الخلفية المتروكة، حيث أن ساحة الفعل الاجتماعي لا تعرف الفراغ، ولا بد لملأها.

وقد أدى هذا الانفصال العضوي للشخصيات التقليدية عن بنيتها نتيجة مواقعها الجديدة، إلى أن تصبح أكثر ارتباطاً ببنية السلطة منها ببنيتها الأصلية، وهذا ترافق هذا مع بروز حركة حماس على الساحة الوطنية الفلسطينية، وامتيازها بالفعل النضالي التحرري الذي أضفى عليها مشروعية تحررية مثل غيرها من الحركات الوطنية، التي شكّلت البنية التحررية، وقامت البنية الدينية السياسية بتأسيس مؤسسات قاعدية مجتمعية انطلقت منها لساحة الفعل الاجتماعي بقوة، وسيطرت تدريجياً على البنية التقليدية لكن بوسائل حداثية ممثلة بالمؤسسات الاجتماعية، حتى وإن أخذت الطابع الخيري، لكنها كانت حداثية الفهم والمضمون، ومرتبطة كثيراً ببنية تنظيمية قوية، في تناقض آخر في سياق التحليل للحراك السياسي، ألا وهو سيطرة البينة الدينية على تلك التقليدية بوسائل حداثية.
شيئاً فشيئاً تراكمت قوة التيار الديني داخل البنية التقليدية نتيجة العمل من داخلها، مما أثر على تطويرها وموائمتها لتصبح قاعدة انطلاقها العريضة نحو بناء قوة موازية لكنها قاعدة للبنية السلطوية الموجودة، وهكذا نجحت في عزل شخوص البنية التقليدية المتحالفين مع البنية السلطوية، وتغييب أثرهم الفعلي، وإن يقي هناك ظلال خفيفة لسيطرة قديمة.
نجح التيار الديني ليس فقط في الهيمنة على البنية التقليدية، بل وإعادة صياغة آليات الهيمنة عليها من داخلها بشكل رئيسي، عبر مؤسسات عضوية مرتبطة بالبنية لكنها تحمل مضامين دينية، ووسائل حداثية، استطاعت من خلالها إيجاد علاقات جديدة مرتبطة بها، تلغي تلك العلاقات التقليدية القديمة القائمة على علاقات الدم، والعصبية العشائرية، وحتى المصالح المشتركة، واستبدالها بعلاقات عضوية مرتبطة بنمط من العمل المشترك يجمع ما بين الاجتماعي والسياسي في بوتقة ذلك التقليدي، ويصهرهم معاً في شكل جديد مختلف بالضرورة عما سبقه.
وبذلك تمكنت البنية الدينية من تخليص البنية التقليدية من النمط السابق للعلاقات، واستبدلتها بعلاقات حداثية من شكل خاص، مقابل بنية تحررية وطنية عززت البنية التقليدية وعلاقاتها في سبيل إدامة سيطرتها عليها، بالرغم من أن مضامين البنية التحررية تقدمية، ويتطلب تحقيقه تحطيم نمط العلاقات التقليدي.
يبدو أن هذا التناقض صارخ رغم موضوعيته، وواقعيته، إلا أنه إفراز تاريخي لعمل البنية التحررية ممثلة بحركة فتح لتثبيت العلاقات التقليدية، وعمل البنية الدينية ممثلة بحركة حماس على تجاوز العلاقات التقليدية لصالح تجاوز الواقع الموجود، الذي لا يعمل لمصلحتها نتيجة الظروف المذكورة التي سبق ذكرها، ولهذا يصبح فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية مسألة مفهومة ومنطقية اعتماداً على قاعدة صلبة ومنتمية، وتصبح خسارة حركة فتح أمراً مفروغاً منه كنتيجة تراكمية لما لم تفعله، وفي هذا عبرة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مستشرق إسرائيلي يرفع الكوفية: أنا فلسطيني والقدس لنا | #السؤ


.. رئيسة جامعة كولومبيا.. أكاديمية أميركية من أصول مصرية في عين




.. فخ أميركي جديد لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة؟ | #التاسعة


.. أين مقر حماس الجديد؟ الحركة ورحلة العواصم الثلاث.. القصة الك




.. مستشفى الأمل يعيد تشغيل قسم الطوارئ والولادة وأقسام العمليات