الحوار المتمدن - موبايل


المفهوم العلمي للتخطيط الاقتصادي وتطبيقاته في الاتحاد السوفيتي سابقا والعراق

سناء عبد القادر مصطفى

2017 / 12 / 26
الادارة و الاقتصاد



يعرف التخطيط الاقتصادي بأنه حصر الموارد الاقتصادية في البلد من أجل رفع المستوى المعاشي للشعب بواسطة خطة اقتصادية لمدة خمسة سنوات على الأقل.
ولهذا فإن تخطيط الاقتصاد الوطني هو الطريقة الأساسية لتحقيق السياسة الاقتصادية الموجهة لرفع قوى المجتمع الانتاجية في جميع الاتجاهات واشباع الحاجات المادية والروحية للشعب في بلد ما انطلاقا من منهجية الاقتصاد الوطني والنهج الذي يسير عليه (رأسمالي أو اشتراكي او مختلط أو اسلامي ..الخ) كما هو مثبت في الدستور. ولكن الدستور العراقي لم يثبت في طياته المنهج الإقتصادي الذي يسير عليه البلد كما ورد في المادة 25 :تكفل الدولة اصلاح الاقتصاد العراقي وفق اسس اقتصادية حديثة وبما يضمن استثمار كامل موارده وتنويع مصادره وتشجيع القطاع الخاص وتنميته (1). وبالنتيجة فإن السياسة الاقتصادية للبلد كانت مبهمة منذ العام 2003 وغير معروفة للمواطنين. وهذا كله بسبب الوضع السياسي غير المستقر، لذا فإن كل معالجة لأية مشكلة اقتصادية في البلد تعد ناقصة لعدم وجود فلسفة اقتصادية يرتكز عليها الإقتصاد الوطني.
2. الخلفية النظرية لمفهوم التخطيط الاقتصادي
وبمساعدة التخطيط تدير الدولة سير العمل الاجتماعي المعقد فهي تنظم وتؤطر العمل الى جانب تبادل وتقسيم الخيرات المادية معتمدة على النظرية والمنهج الاقتصادي الذي يسير وفقهما البلد لتوسيع اعادة الانتاج انطلاقا من الاستخدام الواعي للقوانين الاقتصادية الموضوعية.
ويسمح تخطيط الاقتصاد الوطني حسب قاعدة الخطة الواحدة بالتطوير المتناسق لجميع الفروع الانتاجية والخدمية والعلمية والثقافية باستخدام الموارد المالية والمادية والعملية بالتناسب مع القضايا الاجتماعية-الاقتصادية المهمة لتلك الفترة الزمنية وتثبيت النسب الضرورية للفروع الانتاجية القطاعية والداخلية في كل قطاع انتاجي بترشيد توزيع القوى الانتاجية مع ضمان فعالية اقتصادية عالية للانتاج الاجتماعي.
وبفضل البرهنة العلمية يخلق التخطيط امكانية موضوعية حديثة لاظهار حجم وتركيب الحاجات الاجتماعية والتقييم الصحيح للموارد المتاحة لاشباع تلك الحاجات اشباعا كاملا.
يقود مبدأ التخطيط العلمي صراعا حازما ضد مفهوم حق التحريف المدافع عن اقتصاد السوق وتطور الاقتصاد العفوي الرافض لدور تخطيط الاقتصاد الوطني في ظل التخطيط المركزي. هذا ويتنافى التخطيط العلمي مع مذهب الارادة الحرة والتركز البيروقراطي ايضا.
وتفترض الإدارة المخططة للاقتصاد الوطني الاستخدام الفعال للعتلات الاقتصادية للتأثير على زيادة الانتاج الاجتماعي بواسطة نظام الاستقلال الاقتصادي للمشاريع الصناعية المنتجة القائم على مؤشرات السعروالربح والقروض واشكال التشجيع المادي لخلق الظروف الاقنصادية المناسبة لنجاح أعمال المشاريع المنتجة وضمان التقييم المبرهن علميا لنتائج أعمالها وكذلك حث المشاريع على اعتماد الخطط القوية والأكثر ترشيدا في استخدام الموارد المادية والعملية مع رفع انتاجية العمل وتحسين نوعية المنتجات.
ان تنظيم وانضباط الحلقات الانتاجية المختلفة والعاملين فيها مسـألة ضرورية لتحقيق الخطط المرسومة والتي هي شروط التقدم المطرد للمجتمع، وهذا لا يخلق نزع جديد لشخصية الفرد كما يزعم أعداء التخطيط العلمي للاقتصاد الوطني ولكن يخدم الفرضيات الضرورية لتطوير جميع أعضاء المجتمع. كما توضع خطط لتطوير المشاريع من قبل جميع العاملين في الانتاج او ما يسمى بكادحي الانتاج، أما خطط تطوير الفروع الانتاجية وجميع قطاعات الاقتصاد الوطني فهي تخدم الشعب بأجمعه وهي الوسيلة المهمة لمساهمة الكادحين في ادارة اقتصاد االبلد ورفع نشاط المواطنين الانتاجي والاجتماعي - السياسي.
ومن المبادىء الأساسية لبناء وتأدية وظائف التخطيط الاقتصادي هو مبدأ الديمقراطية المركزية الذي صاغه فلاديمير ايليتش لينين(2) ويقترح المزج العضوي بين قيادة التخطيط المركزية والتطوير الأقصى لمشاركة الكادحين الفعالة في ادارة الانتاج من جهة واظهار المبادرات المختلفة للإدارات المحلية في البناء الاقتصادي والثقافي مع المصالح الاقتصادية للمنتجين في تنفيذ الخطة من جهة أخرى. وتتغير أشكال ومنهجيات تنظيم تخطيط الدولة حسب مقدار تطور القوى المنتجة وتطور العلاقات الانتاجية وكذلك تغير القضايا الحقيقية الملموسة وظروف البناء الاقتصادي.
3. أشكال التخطيط الاقتصادي
أفرزت الممارسة العملية للتخطيط العلمي ثلاثة أشكال من تخطيط الاقتصاد الوطني حسب طول الفترة الزمنية للتخطيط: بعيدة الأمد وتمتد من 10- 15 سنة والمتوسطة 5 سنوات والجارية سنة واحدة. تعكس الخطط البعيدة المدى الاتجاهات الرئيسة للتطور الاقتصادي والتقني والاجتماعي للمجتمع وتوضع الحلول المتعاقبة للمشاكل المهمة للاقتصاد الوطني. وهي تضمن تعاقب وتتابع وتناسق المراحل المختلفة للسياسة الاقتصادية. كما تدقق في الخطة السنوية الجارية قضايا الخطة الخمسية الناجمة من الخطط البعيدة المدى آخذين بعين الاعتبار سير تطبيقها والمتطلبات الجديدة للمجتمع والانجازات العلمية والتقنية. ان مزج هذه الأشكال من التخطيط تكوًن المبادىء الرئيسة في تخطيط الاقتصاد الوطني. وعلى سبيل المثال كان تحقيق تخطيط الاقتصاد الوطني في الاتحاد السوفيتي سابقا بشكل مباشر من قبل الهيئات المركزية التالية:
1. لجنة تخطيط الدولة والوزارات والمؤسسات
2. لجان التخطيط في الجمهوريات الاتحادية والجمهوريات ذات الحكم الذاتي
3. هيئات التخطيط المحلية: لجان التخطيط في الأطراف والمقاطعات والمدن ومجالس ممثلي الكادحين في الأحياء السكنية.
4. أجهزة التخطيط في المشاريع الاقتصادية المادية وغير المادية.
توضع خطة تطوير الاقتصاد الوطني انطلاقا من المبدأ الذي ينص على أن "جميع خطط الفروع الانتاجية المستقلة يجب أن تكون متناسقة بدقة ومتصلة ببعضها وجميعها تضع تلك الخطة الاقتصادية الواحدة التي نحن بأمس الحاجة لها" ( ف . أ. لينين . مجموعة المؤلفات الكاملة، الطبعة الخامسة، الجزء 42 ، ص154 باللغة الروسية) (3).
ان الحلقة الرئيسة لكل نظام تخطيط اقتصاد وطني هي خطة المشاريع الانتاجية (المؤسسة الانتاجية). وتوضع هذه الخطة من الأسفل، وهذا يعني انها توضع في المشاريع الانتاجية ومن ثم تساق الى قاعدة البيانات والتعليمات(التوجيهات) التي تصل من الأجهزة العليا (الادارات العليا، الوزارات، المؤسسات العليا) مع الأخذ بعين الاعتبار اقتراحات المشاريع نفسها.
وتنبثق خطط أجهزة الاقتصاد الوطني المركزية (الوزارات والإدارات) من قضايا الدولة العامة وتمثل بنفسها خطط متكاملة لتطوير هذه الفروع. ويقتضي في الخطط المتكاملة للجمهوريات الاتحادية تطوير جميع فروع الاقتصاد الوطني في الجمهورية ومن ضمنها المشاريع الصناعية في الجمهوريات الاتحادية والتابعة لها والمندرجة ايضا في خطط انتاج المنتجات في مشاريع وزارات الاتحاد السوفيتي عموما الموضوعة باقتراح من الجمهوريات نفسها.
تحتوي خطة الاقتصاد الوطني نظام كامل من المؤشرات التي تعكس القضايا السياسية والاقتصادية للخطة والاتجاه الرئيس لتطور الاقتصاد الوطني وأجزائه المركبة وعمليات الانتاج المتعلقة ببعضها وأخيرا توزيع واستهلاك المنتجات. تستخدم هذه المؤشرات لإقامة وتائر ضرورية لتطورالاقتصاد والثقافة ورفع فعالية الانتاج الاجتماعي وتوازن وتناسب تطور الاقتصاد الوطني. إن نظام مؤشرات خطة الاقتصاد الوطني هي واحدة وملزمة لجميع الأجهزة والحلقات الاقتصادية.
ان خطط تطوير الاقتصاد الوطني تحمل صفة الاوامر المرسلة الى جميع القطاعات الاقتصادية. ويصادق عليها في دورة مجلس السوفيت الأعلى (وهو ما يعادل البرلمان في الدول الأخرى) لتصبح بعد ذلك قانونا واجب التنفيذ ليس في المشاريع الاقتصادية فقط ولكن في الأجهزة العليا كذلك.
ويمكن تغيير الخطط المقررة للمشاريع في الحالات الاستثنائية فقط من قبل مجلس وزراء الاتحاد السوفيتي. وفي حالة اعادة النظر في المهمات والمسائل المخططة يجب تعديل جميع المؤشرات المتعلقة بالخطة في نفس الوقت وكذلك جميع حسابات المشاريع في ميزانية الدولة.(4)
ان خطة الاقتصاد الوطني هي عتلة قوية لتعجيل تقدم الانتاج التقني والاتحاد العضوي لمنجزات الثورة العلمية التقنية وتفوق النظام الاقتصادي، إذ يقوم تحضير الخطة على أساس برنامج متكامل لتطوير التقنية والتكنولوجيا يصاغ سلفا. ويعتبر اسلوب التوازن في التخطيط أحد أهم اساليب اثبات واعداد خطط الاقتصاد الوطني المعتمدة على منهجية الاقتصاد الوطني لإعادة الانتاج المستخدم من الناحية العملية في وضع الخطط الخمسية والسنوية لتطوير اقتصاد البلد بالكامل. هذا ويحدد وجود الموارد المادية والبشرية والمالية بمساعدة أنظمة الموازنات السنوية في خطة الاقتصاد الوطني وكذلك ترسم وتائر مضاعفتها وتثبت النسب الاقتصادية الضرورية العامة وكذلك النسب بين الفروع الانتاجية وداخلها في حين تعكس النسب الاقتصادية العامة التناسب الأكثر عمومية في الانتاج بالاضافة الى استخدام المنتوج الاجتماعي والدخل الوطني. أما النسب التي ما بين الفروع فهي التي تحدد النسب الاقتصادية العامة وتظهر التركيب الفرعي للاقتصاد، في حين تفتح النسب التي داخل الفروع محتوى العلاقات الاقتصادية والافق التقني-الاقتصادي لاعادة الانتاج بشكل تفصيلي واسع. هذا وتبرز مراعاة النسب في أي مجتمع يلتزم بالتخطيط الاقتصادي العلمي كعنصر للتخطيط والتوازن والتطور. وفي ظل هذا من المهم ليس فقط الربط الكمي العام لعوامل الانتاج ولكن المطابقة القصوى لتراكيب انتاج الطلب الاجتماعي. وهنا يجب أن تساعد البرهنة العلمية لخطط تطوير الاقتصاد العلمي على ايجاد الاحتمال الأمثل لحل المشاكل الاقتصادية. إن هذا يعطى امكانية توفير رفع فعالية الانتاج الاجتماعي والتي تعتبر المقياس الأساس في بلوغ نتائج أكبر للمصالح الاجتماعية في ظل هذه الموارد.
4. التنبؤ باستخدام الأساليب الرياضية في التخطيط الاقتصادي
يستند التخطيط الاقتصادي البعيد المدى بالدرجة الأولى على التنبؤات العلمية للحاجات الاجتماعية والموارد الاقتصادية وكذلك على تنبؤات تطور العلوم الأساسية والتطبيقية والتجسيد التقني الناجمة منه التقديرات الاقتصادية الملموسة.
يتكون أساس التوقعات الاقتصادية من تنبؤات الموارد الطبيعية والتقدم العلمي-التقني والتطورات السكانية والاجتماعية. وهذه كلها في الحقيقة تقرر العناصر الأساسية للتنبؤ الاقتصادي التي هي اعادة انتاج القوى العاملة والاحتياطيات الانتاجية ومستوى حياة السكان ووتائرالتطور الاقتصادي والتغيرات التركيبية والعلاقات بين الفروع الانتاجية في الاقتصاد الوطني وتوزيع القوى الانتاجية وما شابه ذلك. وقد أغنى التطور العلمي التخطيط الاقتصادي بسلاح نظري وذلك بوضعه نماذج اقتصادية-رياضية فعالة ونظام تحليل متكامل. وترتأي منهجية التخطيط الحديث بتبصر رفع دور الحسابات الاقتصادية العامة في المراحل التمهيدية لوضع الخطة المستقبلية. وقبل البدء بعمل تخطيط مفصل لجميع قطاعات الاقتصاد الوطني يوضع نموذج تمهيدي موحد للخطة يشمل العوامل الأساسية ومؤشرات وتائر ونسب اعادة الانتاج المادي الموسع. وهذا يساعد على تحديد الكميات المتغيرة لخطة المستقبل مع حساب مستوى التطور المنجز لقوى الانتاج وصياغة القضايا الاقتصادية-السياسية للفترة الزمنية القادمة. ويعرض نموذج الاقتصاد الرياضي انعكاس تخطيطي للارتباطات المتبادلة الواقعية في الاقتصاد التي تسمح بدراسة دائرة كبيرة من المؤشرات وتأثيراتها المتبادلة. وتستخدم نماذج الاقتصاد الرياضي في الغالب لإعداد الخطط الخمسية.
أجري في الكثير من دول العالم المتقدمة وبعض الدول النامية في سبعينيات القرن الماضي عمل كبير بتطوير القاعدة المادية الحديثة للتخطيط وكان في المقدمة الاستخدام الواسع للحاسبات الالكترونية الضخمة للحصول على كميات كبيرة من المعلومات والبيانات الاحصائية ومن ثم معالجتها وتحليلها وبعد ذلك اعداد الكثير من احتمالات الخطة وايجاد الحلول المثلى لها. وقامت كثير من دول العالم في خلق واقامة نظام حكومي مؤتمت عام لجمع ومعالجة المعلومات لمراقبة وتخطيط وإدارة الاقتصاد الوطني على أساس نظام حكومي للمراكز الاحصائية وشبكة علاقات مؤتمتة واحدة للبلد كله.
وقد احرز نظام تخطيط الاقتصاد الوطني في جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقا والدول الاشتراكية على سمعة كبيرة واعتراف في جميع دول العالم. وبظهور النظام الاشتراكي العالمي توسع مجال تأثير قانون التطور الممنهج والتناسبي للاقتصاد الوطني الذي اكتسب ميزة دولية.
توجهت الكثير من الدول المتحررة من النظام الاستعماري (الكولونيالي) الى الأخذ بتجربة الاتحاد السوفيتي والدول الإشتراكية في التخطيط الاقتصادي واقامة اقتصاد وطني مستقل. وقامت الأجهزة والمؤسسات السوفيتية بتقديم المساعدة في وضع وتحقيق الخطط وتدريب الكوادر المتخصصة للقيام بعملية التخطيط (تجربة العراق في بداية سبعينيات القرن الماضي). وأظهرت تجربة الاتحاد السوفيتي امكانية التطور الممنهج للاقتصاد والفائدة المشتركة في المجالات الكبيرة والتعاون مع جميع الدول ومن ضمنها الدول الرأسمالية المتطورة وكذلك فتح المجال لآفاق جديدة في الطريق الملائم لتقسيم العمل الدولي.
ومن المسائل الواجب التطرق لها هنا هي طريقة حساب الدخل القومي ومعدل دخل الفرد التي تختلف انطلاقا من الخلفية النظرية للباحث الاقتصادي والتي لها علاقة بالتخطيط الاقتصادي. اعتمدت المدرسة الاشتراكية وبالأخص الاتحاد السوفيتي سابقا على حساب الدخل الوطني والناتج الوطني في قطاعات الانتاج المادي فقط وقسم من خدمات قطاع النقل الذي يقوم بنقل منتجات القطاعات المادية. ونتيجة لهذا يحصل انخفاضا في قيمة الدخل الوطني والناتج الوطني قياسا مع طريقة حساب الدخل القومي والناتج القومي في الدول التي تعتمد طريقة حساب هذه المؤشرات في الدول الرأسمالية بجمع قيمة الدخل الوطني والناتج الوطني في قطاعات الانتاج المادي وغير المادي وبادخال قيمة الخدمات. أما المدرسة السويدية التي يمثلها الاقتصادي بالم داته (Palm Date) فإنه يدخل قيمة الاعمال التي تقوم بها ربة المنزل من طهي وتنظيف ..الخ أو رب المنزل من تغيير قفل في باب المنزل على سبيل المثال في حساب الدخل الوطني. وبالنتيجة نجد تأثير على انخفاض او ارتفاع مستوى دخل الفرد ومستوى المعيشة.
5. تفكك الاتحاد السوفيتي والدول الإشتراكية
وهنا لابد من الاشارة الى أن فترة تسعينيات القرن الماضي وتفكك الاتحاد السوفيتي في الفترة الزمنية 1990- 2001 وتغير النظام الاقتصادي في الكثير من الدول الاشتراكية في اوروبا الشرقية باتجاه اقتصاد السوق ادى الى انخفاض مستوى المعيشة وانخفاض معدل النمو السنوي لحصة الشخص الواحد من الناتج المحلي الاجمالي بالاسعار الثابتة بسبب مرورها بالمرحلة الانتقالية من النظام الاشتراكي الى اقتصاد السوق على الرغم من وجود قطاع خاص فيها ولكنه لم يملك ثقل نوعي ومؤثر كما هو موجود في الدول الرأسمالية. وانعكس ذلك في بيانات جدول رقم 1 .
جدول رقم 1
معدل النمو لحصة الشخص الواحد من الناتج المحلي الاجمالي بالأسعار الثابتة % لعدد من الدول الاشتراكية سابقا
الدولة 1990-2001 1999-2007
أوكرانيا -7.4 -0.7
هنغاريا 2.1 3.3
رومانيا -0.1 2.3
أستونيا 1.6 5.3
روسيا الإتحادية -3.5 1.2
لاتفيا -1.0 4.7
جورجيا -5.5 1.8
ملدوفا -8.2 -1.3
الصين 8.8 8.9















(5) المصدر: البيانات مستلة من مقالة د. علي مرزا: ملاحظات على التخطيط في العراق، مجلة دراسات اقتصادية ، بيت الحكمة ، بغداد العدد 25، 2011 . وكذلك:
6 . World Bank, The East Asian Miracle, Economic Growth and Public Policy, Washigton D.C. 1993
ومن نظرة فاحصة لبيانات الجدول نرى أن الصين استطاعت أن تحقق معدل نمو ايجابي خلال الفترتين الزمنيتين الموضوعة البحث 1990-2001 و 1999-2007 من 8.8 الى 8.9 % بسبب تشجيع الدولة للقطاع الخاص منذ تسعينيات القرن الماضي وكذلك روسيا الاتحادية من -3.5 الى 1.2 % وكذلك جورجيا ومولدوفا كما هو وارد في الجدول أعلاه.
أدى تفكك الاتحاد السوفيتي وتحول العديد من الدول الاشتراكية الى نظام السوق مثل روسيا الاتحادية وأوكرانيا ومولدوفا وجورجيا ودول أسيا الوسطى وشمال القفقاس ودول بحر البلطيق مثل استونيا ولاتفيا ولتوانيا ورومانيا وجيكوسلوفاكيا (انقسمت الى جمهوريتي الجيك وسلوفاكيا) ويوغسلافيا (انقسمت الى صربيا وكرواتيا وسلوفينيا والبوسنا والهرسك ومن ثم نشوب الحرب الأهلية هناك بين صربيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك) الى انهيار النظام الإداري والمؤسسات الحكومية وشيوع الفساد الاداري الذي كان له تأثيرا كبيرا على تدني العلاقات الاجتماعية وانهيار الأمن وانتشار العصابات الإجرامية التي قامت بخطف وطلب الفدية من رجال الأعمال والناشطين السياسيين والمدنيين أو تصفيتهم جسديا اذا لم يقوموا بدفع الفدية التي تبلغ ألاف الدولارات الأمريكية وكما أدى سوء الأوضاع المعاشية الى شيوع ظاهرة المتاجرة بالمخدرات والكحول وحتى باليورانيوم من قبل أفراد أو عصابات محلية ودولية.
6. تجربة التخطيط الإقتصادي في العراق
لم بشهد العراق تخطيطا اقتصاديا بالمعنى العلمي الكامل لهذا المصطلح كما شرحنا آنفا، وإنما كانت هناك برامج تنموية ومحاولات في وضع خطط لرفع المستوى المعاشي للسكان ابتداءا من برامج مجلس الإعمار في خمسينيات القرن الماضي قبل ثورة 14 تموز 1958 ومرورا بفترة الستينيات حتى السبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وبعد تأميم شركات النفط الأجنبية في حزيران العام 1972 وحصول العراق على مداخيل بيع النفط الخام قامت الحكومة العراقية بدعوة خبراء في التخطيط الإقتصادي من الإتحاد السوفيتي من لجنة الدولة للتخطيط في الإتحاد السوفيتي (GOSPLAN USSR - ГОСПЛАН СССР). عمل الخبراء السوفيت لمدة ثلاثة أشهر في سنة 1974 في وزارة التخطيط إذ قاموا بجمع البيانات والإحصائيات اللازمة لكتابة خطط اقتصادية بعيدة المدى لمدة 20 سنة. بذل الخبراء السوفيت جهودا كبيرة في الحصول على معلومات صحيحة من أجل وضع خطة اقتصادية صحيحة ولكن مع الأسف جوبهت هذه اللجنة بعراقيل كبيرة وعدم تعاون من قبل مدراء الأقسام في وزارة التخطيط والجهاز المركزي للاحصاء حتى اضطر رئيس الخبراء الاتصال مباشرة بنائب رئيس الجمهورية (الذي قام بنفسه بدعوتهم من الإتحاد السوفيتي) والذي حضر في اليوم التالي وقام في اجتماع واسع ضم جميع موظفي وزارة التخطيط والجهاز المركزي للإحصاء حضره وزير التخطيط أنذاك الدكتور جواد هاشم وكافة مدراء الأقسام ووكلائهم بتوبيخهم على موقفهم السلبي من الخبراء السوفيت وعدم تزويدهم بالمعلومات اللازمة (معلومات مستقاة من الأستاذ قاسم عباس محمد الذي عمل مترجما مع الخبراء السوفيت لمدة ثلاثة أشهر في العام 1974) (7). ترك الخبراء السوفيت عشرون مجلدا ضخما يحتوي على تفاصيل خطة اقتصادية ضخمة لتطوير العراق من ضمنها مشروع النقل النهري في نهر دجلة بدلا من اقامة قطار الأنفاق في بغداد الذي اقترحته الحكومة العراقية والسبب هو وجود المياه الجوفية تحت مدينة بغداد الذي يعيق اقامة المشروع وكذلك توسيع خطوط السكك الحديدية في بغداد وضواحيها لتساهم في حل أزمة النقل التي بدأت تستفحل في العاصمة العراقية وقتذاك بالإضافة الى اقامة العقد الطرقية المرتبطة بشوارع الخطوط السريعة (مثل الخط السريع الذي يحمل اسم محمد القاسم في بغداد وغيره في الوقت الحاضر) الى جانب حلولا عملية للمشاكل التي قد تجابه تنفيذ هذه الخطة. ولكن مع الأسف لم تنفذ هذه الخطة بالشكل المطلوب وإنما نفذت مكانها الخطة الإنفجارية في العام 1974 التي تزعمها وزير التخطيط وقتذاك جواد هاشم والتي أسفرت عن استيراد 30 مصنعاً من الخارج دون التخطيط لها من حيث مكان اقامتها ونصب مكائنها والكادر الفني الذي سوف يقوم بتشغيلها وصيانتها وإنما رميت في مخازن أبو غريب التابعة الى مديرية كمارك بغداد. كانت أول ردة فعل من قبل المرحوم الأستاذ كامل الدباغ الذي كان يعد ويقدم برنامج العلم للجميع في التلفزيون العراقي حين انتقد هذه الخطوة الغير مدروسة. كان جواب المسؤولين السياسيين على ذلك أن أوقفوا بث البرنامج ومن ثم اعتقل كامل الدباغ لفترة زمنية.
كان يشوب العمل في وزارة التخطيط العراقية وقتذاك تنافس حاد بين خريجي الدول الرأسمالية والدول الاشتراكية الذي ترك مع الأسف بصماته السلبية على مستقبل التخطيط الإقتصادي في العراق دون النظر بجدية وحزم إلى هذا الموضوع انطلاقا من المصلحة الوطنية وتطوير الإقتصاد الوطني العراقي.
اولت الخطة الخمسية للسنوات 1976-1980 اهتماما بانتاجية العمل في كافة قطاعات الاقتصاد الوطني وعقدت الكثير من الندوات والاجتماعات على مستويات عالية من المختصين بالشؤون الاقتصادية على مستوى الجامعات العراقية والجبهة الوطنية والقومية التقدمية حينما شار ك المرحوم عامر عبد الله وزير الدولة آنذاك وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي وأتذكر حينما قال بالحرف الواحد: ( أن بعض الوزراء والقياديين في الدولة يجفلون حينما يسمعون بمصطلح انتاجية العمل في المناقشات الدائرة حول هذا الموضوع). كما رفعت شعارات اشتراكية خاصة بانتاجية العمل في ربيع العام 1976 وذلك من أجل اعطاء الخطة الانفجارية اهمية خاصة وكذلك بيان تأثير الاستثمارات الكبيرة في مشاريع البنية التحتية ورفع المستوى المعاشي للسكان ولكن لم يؤخذ التضخم وارتفاع الأسعار المفاجىء للحاجات المادية وغير المادية بعين الاعتبارالذي حدث بما يقارب الشهرين قبل استلام الزيادة في الرواتب والأجور في القطاع العام والذي اثر سلبيا على مستوى دخل الفرد العراقي.
أما الخطة التي وضعت في نهاية العام 1980 للفترة 1981- 1985 واثناء فترة الحرب العراقية-الإيرانية فقد اتصفت بزيادة الانفاق العسكري الذي التهم الاحتياطي من العملة الصعبة لدى البنك المركزي العراقي وقد بلغ حوالي 80 مليار دولار أمريكي. ومما فاقم الوضع المالي المتردي للعراق هو انخفاض انتاج النفط الخام وتصديره بسبب العمليات الحربية. ولهذا السبب اهملت مشاريع الخطة الاقتصادية لصالح المجهود الحربي وتحولت الخطة الخمسية الى خطة لتغطية النفقات العامة الجارية والميزانية العامة السنوية، في حين انحسر دور وزارة التخطيط ومجلس التخطيط لصالح وزارة الصناعة ومؤسسة التصنيع العسكري وانخفض الوزن النوعي للإدارة الاقتصادية وتأثيرها في الاقتصاد الوطني في الفترة الزمنية 1991- 1996 مع زيادة حدة التضخم في البلد. وفي سنوات تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء من قبل الأمم المتحدة بداية من العام 1997الى 2003 كان دور وزارة التخطيط وتأثيرها ضعيفا على تطوير الاقتصاد الوطني ولا يرتقي الى عمل هيئة ولا حتى وزارة.

7. التخطيط الاقتصادي في العراق بعد العام 2003
لم يستند تخطيط الاقتصاد الوطني في العراق على نظام إداري وتنظيمي مستقر حتى يمكن وضع سياسة اقتصادية رصينة تنسق بين النفقات العامة والإيردات العامة وانما وقع تحت تأثير أهواء ومصالح سياسية محلية وأجنبية ولهذا من الضرورة بمكان الإشارة الى النقاط التالية:
1. مارست الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي تأثيرا في وضع السياسة الاقتصادية للبلد وذلك من خلال تقديم الاستشارات والمقترحات ومتابعة تنفيذ القرارات بخصوص القروض ومؤشرات عجز الميزانية المزمن واصلاح هيكل الإدارة الاقتصادية في مؤسسات الدولة.
2. تلعب هيئة النزاهة دورا مهما في كشف الفاسدين والمرتشين في دوائر الدولة ولكن تدخل الكتل السياسية في البرلمان تحول دون اكمال عملية التحقيق مع الموظفين الحكوميين المطلوبين للقضاء.
وقد كشفت هيأة النزاهة عن مجمل إنجازاتها للربع الأول من العام الجاري 2017، مُؤكِّدة استرجاعها وإيقافها صرف ومنع هدر أكثر من اثنين وتسعين مليار دينار، فيما بلغ عدد البلاغٍات والإخبارات والقضايا الجزائيَّة قرابة أربعة آلاف واستصدرت قرابة خمسمائة أمر قبضٍ وأكثر من ألفٍ وخمسمائة أمر استقدامٍ ومائتين وخمسين أمر توقيف بحقِّ مُتَّهمين، منهم وزراء ومن بدرجتهم (8 - الموقع الرسمي لهيئة النزاهة العراقية في الانترنيت).
3. واجه ديوان الرقابة المالية الإتحادي في العام 2016 الكثير من المصاعب التي تحول دون أداء عمله بالشكل الصحيح ومنها على سبيل المثال لا الحصر( 9 – الموقع الرسمي لديوان الرقابة المالية الاتحادي في الانترنيت):
أ - تأخر وزارة المالیة في اتخاذ الاجراءات اللازمة لحسم موضوع البیانات المالیة للسنة المنتهیة فـي 31/12/2014.
.
ب -كثرة العقود التي یكلف الدیوان بتدقیقها وانعكاس ذلك على باقي مخرجات العمل الرقابي حیث انجز الـدیوان 1168 تقریـراً فـي مجـال تدقیق العقود من أصل 1711 .
ت -التأخر في الاجابة على تقاریر الدیوان واتخاذ الاجراءات اللازمة لمعالجة المخالفات.
ث- ضعف أداء العاملین في الادارات الخاضعة لرقابة الدیوان.
ح -التحدیات التي یواجهها الرقیب في تلك الادارات الأمر الذي یتطلب دعم الرقباء بما یكفل الحفـاظ علـى سـلامة وحیادیـة واسـتقلالیة وأمن الرقیب.
ج - تــأخر الإدارات الخاضـــعة للرقابــة عـــن تقـــدیم بیاناتهــا فـــي المواعیــد المقـــررة لتقـــدیمها.
4. انخفاض فعالية عمل المفتشين العموميين وتعثره بسبب الفهم الخاطيء لدورهم وكذلك المعوقات التي يواجهها في حالة طلب معلومات معينة وخصوصا اذا كانت تتعلق بفساد إداري ومالي، كما ان خوف الناس من الاخبارعن الفساد الاداري والمالي الى الجهات المعنية لازال مسيطر على الكثيرين منهم وهذا ما يؤدي الى استمرارية ذوي النفوس الضعيفة والذين يتبوؤن مناصب عليا في الدولة باستغلال مناصبهم لجمع الاموال بطرق غير شرعية(10).
الخاتمة
وعلى الرغم من صدور قانون وزارة التخطيط رقم 19 في العام 2009 التي تسعى بموجبه الوزارة الى تحقيق الأهداف المرجوة منه في مجال اعداد ومتابعة تنفيذ خطط التنمية الاقتصادية المتوسطة والبعيدة المدى في البلد بالتنسيق والتعاون مع جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية ومشاريع قطاعي العام الخاص وكذلك القطاع المختلط ومنظمات المجتمع المدني، إلا أنه يجب القول اذا لم يكن هناك تعاون وثيق بين الجهات الواردة الذكر أعلاه فلايمكن تنفيذ أية خطة تنموية لأن الخطة الاقتصادية يجب ان تناقش على كافة المستويات الرسمية والشعبية وفي كافة المشاريع العامة والخاصة- المصانع والمعامل والورش الصناعية وفي جميع وحدات القطاع الزراعي العامة والخاصة والمختلطة ولأن الخطة توضع وتناقش في المشاريع الانتاجية ، أي في أسفل السلم الاجتماعي-الاقتصادي وبعد ذلك ترسل الى قاعدة البيانات في وزارة التخطيط وتناقش من قبل أجهزة الدولة العليا وتعطى على ضوئها التعليمات والتوجيهات والأوامر لتنفيذها مع الأخذ بمقترحات المشاريع الانتاجية في القطاعات المادية وغير المادية. وخلاف ذلك سوف تبقى الخطة الاقتصادية حبر على ورق. ويجب أن لا ننسى أنه لا تخطيط بدون احصاء ولهذا يجب تقوية الجهاز المركزي للإحصاء ورفده بعناصر علمية كفؤة للقيام بالعمليات الإحصائية الميدانية والمكتبية المتعلقة بالتعداد السكاني والصناعي والزراعي وتأمين المعلومات والبياناتت وتحليلها حتى تخدم عملية التخطيط والتنمية والتطوير والبحث العلمي. وفي الخاتمة نفول لم يفقد التخطيط الاقتصادي قوته في الوقت الحاضر وإنما فقد القائمون عليه الجدية والحزم في تطبيق مبادئه المذكورة أعلاه.
هوامش ومصادر البحث:
1. الدستور العراقي الدائم الذي صوت عليه البرلمان في 15 تشرين الأول 2005.
2. ف . أ. لينين . مجموعة المؤلفات الكاملة، الطبعة الخامسة، الجزء 42 ، ص154 باللغة الروسية.
3. نفس المصدر السابق ص 165.
4. يفيموف، ألكساندر نيكولايفيتش. معنى كلمة تخطيط الاقتصاد الوطني، موقع الموسوعة العلمية السوفيتية الكبيرة باللغة الروسية.
5. المصدر: البيانات مستلة من مقالة د. علي مرزا: ملاحظات على التخطيط في العراق، مجلة دراسات اقتصادية ، بيت الحكمة ، بغداد العدد 25، 2011 . وكذلك شبكة الاقتصاديين العراقيين.
6. World Bank, The East Asian Miracle, Economic Growth and Public Policy, Washigton D.C. 1993
7. معلومات مستقاة من الأستاذ قاسم عباس محمد الذي عمل مترجما مع الخبراء السوفيت لمدة ثلاثة أشهر بوزارة التخطيط في العام 1974.
8. الموقع الرسمي لهيئة النزاهة العراقية في الانترنيت.
9. الموقع الرسمي لديوان الرقابة المالية الاتحادي في الانترنيت.
10. شعيا، د. سامية يوسف، دور المفتش العام. مقالة منشورة في موقع النهرين بالانترنيت. http://www.cese.iq/sada_alnahrayn/
11. كجةجي ، صباح. التخطیط الصناعي في العراق أسالیبه، تطبیقاته، وأجھزته الجزء الأول للفترة الزمنية 1980 – 1921 ، شبكة الاقتصاديين العراقيين.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. زيادة في الطلب وارتفاع في أسعار العقارات


.. نبض السوق | أسعار النفط تكسب 5% مع تراجع كبير بالمخزونات


.. قرارات بشار الأسد الاقتصادية.. العطل من الغسالة أم من المسحو




.. أدنوك للإمداد والخدمات تستحوذ على ناقلتي نفط عملاقتين | #الا


.. الصين تستهدف نمو عند 6% على الأقل في 2021 | #الاقتصاد