الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


السياسات الاجتماعية واقتصاد السوق الاجتماعي -

قدري جميل

2006 / 3 / 12
الادارة و الاقتصاد


مقدمة:


عندما تطرح قضايا السياسات الاجتماعية وعلاقتها بالاقتصاد، وبسبب تاريخ هذه العلاقة غير الموفق في أكثر الأحيان، يخطر للذهن وجودُ تناقض مستعصٍ في هذه الثنائية، والواقع أن التناقض مصطنع، سببه التطبيقات المشوهة إن كان في مجال الاقتصاد أو في مجال السياسة الاجتماعية التي كانت تعالج الموضوع المطروح ضمن خيارات أحادية، مستندة فعلاً إلى وجود تناقض بين الاقتصادي والاجتماعي.


والأكيد أن أي خيار اقتصادي أو اجتماعي له محتواه وطبيعته الاجتماعية التي تعبر عن مصالح محددة في المجتمع المكون من شرائح وطبقات اجتماعية مختلفة، ومتباينة المصالح.


إن التجربة الماضية والواقع الملموس اليوم يتطلب إعادة البحث في علاقة الاقتصادي بالاجتماعي للوصول إلى العلاقة الحقيقية بينهما ضمن تأثيرهما المتبادل.


إن مهمة البحث الحالي إثبات افتراض: أن السياسة الاجتماعية هي جزء مكون ضروري لأي سياسة اقتصادية، والتي أصبح بدونها لايمكن تحقيق أي نجاح اقتصادي إن كان في مؤشراته الكمية وبالأحرى النوعية.


من هذه الزاوية يرتدي أهمية بحث العلاقة بين هذين الحدين في الإطار الكلي والجزئي، وفي علاقتهما في إطار الشكل والمضمون وفي تأثير بعضهما على بعض من زاوية العلاقة بين العدالة الاجتماعية والفعالية الاقتصادية.




-Iعلاقة الاقتصادي بالاجتماعي:


‌أ) من حيث الشكل والمضمون:


إن علاقة الاقتصادي بالاجتماعي، هي علاقة شكل بمضمون، فالشكل لايتغير إلا بتغير المضمون، كما أن تغير الشكل يؤدي إلى تغييرات في المضمون. فالهدف ليس المؤشرات الاقتصادية بحد ذاتها، بل الوصول من خلالها إلى أحسن المؤشرات الاجتماعية قدر الإمكان.


وإذا بحثنا العلاقة بينهما بشكل أكثر تفصيلاً لتبين التالي:


- شكل متخلف عن حاجات المضمون يؤدي إلى إعاقة التطور كله.


- عدم تلبية حاجات المضمون وتحقيقها يؤدي إلى عرقلة تقدم الشكل نفسه.


- إيجاد الشكل المناسب للمضمون يسمح بالتطور المتناغم والمنسجم للاثنين.


- تحديد حاجات المضمون الحقيقية، يسمح بإعادة صياغة الشكل كي يتناسب معها.


وبالتالي، نستنتج أن كل الكلام عن التناقض بين الاقتصادي والاجتماعي هو كلام غير صحيح إذا لم ينظر له من زاوية وحدة هذه الثنائية وتفاعلها المتبادل، أي أن التناقض بينهما ليس مستعصياً يؤدي إلى نفي أحدهما للآخر بل على العكس، هذا التناقض هو من التناقضات الضرورية للتقدم والتي يمكن وعيها والتحكم بها لمصلحة التطور نفسه.


لقد سادت في العقود الماضية، عقلية تقول إن توفير الشروط الاقتصادية للتطور ستضيق هامش تحقيق مكاسب اجتماعية، كما كان يجري تبرير اللافعالية الاقتصادية بضرورات اجتماعية. والواقع أن هذا التناول أدى في نهاية المطاف إلى تراجع الاقتصادي والاجتماعي معاً، مما يتطلب تدقيق الرؤية وتصحيحها.


‌ب) المستوى الكلي والجزئي (ماكرو ـ ميكرو)


إذا بحثنا في العلاقة بين الاقتصادي والاجتماعي تاريخياً في ظروف سورية الملموسة لرأينا التالي:


أ‌) على المستوى الكلي: اقتصادياً تم تحقيق معدلات نمو لابأس بها ولكن ليس بسبب الفعالية العالية للمؤسسات الاقتصادية على المستوى الجزئي، بل بسبب نوع من الريع تم تحقيقه بسبب الظروف الإقليمية والعالمية.


وهذا ماسمح بحل ومعالجة جملة من القضايا الاجتماعية في حينه من خلال الفوائض المتاحة والتي لم تكن مصادرها داخلية.


ب‌) على المستوى الجزئي: كانت الفعالية الاقتصادية متدنية لأسباب لها علاقة ببنية الإنتاج وعدم انسيابية عملية الإنتاج والنهب الذي تعرضت له المؤسسات الاقتصادية من خلال مدخلاتها أو مخرجاتها. لذلك عندما كانت تحل بعض المهام الاجتماعية على المستوى الجزئي كانت تستخدم كحجة لتبرير تدني الفعالية الاقتصادية وللتغطية على عملية النهب التي كانت تجري على قدم وساق.


ونتيجة لكل ذلك جرى تحميل الاجتماعي مسؤولية اللافعالية الاقتصادية، وكما يتبين فإن ذلك كان غير صحيح ومحاولة لتغطية الأسباب الحقيقية.


إن التجربة المتراكمة في هذا المجال تؤكد أن حل قضية علاقة الاقتصادي والاجتماعي على المستوى الكلي والجزئي لابد من أن تأخذ بعين الاعتبار التالي:


1) تحقيق أكبر فعالية ممكنة على المستوى الجزئي.


2) من خلال تأمين أكبر فوائض ممكنة على المستوى الكلي.


3) إعادة توجيه جزء من هذه الفوائض لتحقيق سياسات اجتماعية قوية على المستوى الكلي.


4) تحقيق وتنفيذ أية سياسات اجتماعية على المستوى الجزئي، يجب أن يتم ضمن إطار السياسة الكلية وبتفويض من الدولة، مقونن وخاص وحسب كل حالة على حدة.




‌ج) العدالة و الفعالية:


كانت العلاقة بين العدالة الاجتماعية والفعالية الاقتصادية تاريخياً، تحل على حساب أحد طرفي المعادلة، فأي رفع لمستوى العدالة الاجتماعية كان يرافقه تصور أنه يؤدي إلى انخفاض الفعالية الاقتصادية والعكس صحيح.


والحقيقة أن التجربة التاريخية كانت تحتوي المثالين: مثال التفاعل الصحيح بين طرفي المعادلة ومثال الاختلال بينهما على حساب أو لحساب أحدهما.


ولكن كل ذلك كان يجري في ظروف لم تكن قد تحولت فيه قوة العمل البشرية إلى عامل حاسم في تطور القوى المنتجة كما الحال عليه اليوم، وذلك بسبب ازدياد كميات العمل الذهنية في كميات العمل المنتجة مجدداً، مما ينعكس بتطور وتعقد التكنولوجيا المستخدمة على أدنى مستويات العملية الإنتاجية الأمر الذي يستدعي أكثر فأكثر الالتفات إلى حاجات قوى العمل البشرية وتلبيتها إلى أعلى درجة ممكنة.


والحقيقة أنه إذا كان في السابق، وبسبب مستوى تطور القوى المنتجة، يمكن الفصل بين ضرورتي العدالة الاجتماعية والفعالية الاقتصادية سبباً، إلا أنه اليوم، يتضح مع الوقت أن هذين العاملين يندمجان في بعضهما البعض، وأصبح أحدهما يتطلب الآخر، وانخفاض وضعف أحدهما يؤدي تلقائياً إلى ضعف وتراجع العامل الآخر.


لذلك تصبح العدالة الاجتماعية بمفهومها الضيق (الأجور وعلاقتها بالأرباح) ومفهومها الواسع (مستوى المعيشة ونوعيتها) جزءاً مكوناً وفاعلاً في عملية الفعالية الاقتصادية، كما أن الفعالية الاقتصادية بتطورها تؤمن أرضية تأمين حاجات العدالة الاجتماعية.


وتبقى المشكلة القائمة التي تتطلب الحل عبر النقاش اللاحق: ماهي المؤشرات التي يجب اعتمادها لقياس مستوى الفعالية الاقتصادية على المستوى الكلي والجزئي، وهي إذا كانت أكثر وضوحاً على المستوى الكلي نسبياً، إلا أنها على المستوى الجزئي تتطلب التدقيق والتمحيص، والأكيد أن الربح وحده ليس مقياساً صالحاً لقياس الفعالية على المستوى الجزئي فهو مؤشر كمي وتضليلي أحياناً.


إن حل هذا الإشكال علمياً، سيسمح بإيجاد وحدات قياس فعالية الوحدة الإنتاجية على المستوى الجزئي، بشكل تندمج فيه مع جميع مكونات الاقتصاد الوطني.


والخلاصة أن الفعالية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية في حال تم الوصول إلى العلاقة المثلى بينهما ستسمحان بـ:


- التوازن بين الأجور والأرباح.


- إعادة تجديد قوة العمل.


- إعادة إنتاج الاقتصاد الوطني بوتائر أعلى.


- تحويل تمركز الثروة من نقمة إلى نعمة عبر جعل هذا التمركز بيد المجتمع.


- تأمين وتائر نمو عالية تنعكس إيجابياً على مستوى ونوعية المعيشة.




-IIمفهوم الأمن الاجتماعي:


إن السياسات الاجتماعية بمجموعها عند تطبيقها، إما أن تؤدي إلى تحقيق الأمن الاجتماعي أو لا. وهنا مقياس فعاليتها.


فالأمن الاجتماعي هو جزء مكون من الأمن الوطني الذي يختلف مفهومه الحقيقي عن المفهوم المتداول والذي يقصد به أمن الدولة، فالأخير مفهوم ضيق وهو يمكن أن يكون أحد مكونات الأمن الوطني في أحسن الأحوال.


فالأمن الوطني هو منظومة أمن شاملة ومتكاملة وتشمل إلى جانب الاجتماعي، الأمن بمعناه الاقتصادي والثقافي والسكاني والمائي والطاقي والغذائي والسياسي والعسكري . . . .إلخ. ويبقى أساس الأمن الوطني أكبر من الجانب الاقتصادي والاجتماعي.


وقد ازدادت مؤخراً أهمية الأمن الاجتماعي بما لايقاس بالمقارنة مع العقود السابقة، بعد اختلال ميزان القوى الدولي ومحاولة الولايات المتحدة الأمريكية الهيمنة الوحيدة القطب على العالم معتمدة على آليات التفتيت داخلياً في كل منطقة وبلد، ومشروع الشرق الأوسط الكبير ـ نموذج واضح على ذلك.


لذلك تبقى منظومة الأمن الاجتماعي ـ جهاز الدفاع الأساسي عن السيادة والكيان الوطني.


فالأهداف البعيدة المدى للمخطط الأمريكي ـ الصهيوني تستهدف التصدعات الاجتماعية لتوسيعها وتحويلها إلى شروخ تؤدي إلى انهيارات كاملة، أي أنها تعتمد في تنفيذ مخططها على الثغرات الداخلية وعوامل الضعف في البنية، بينما كان يتم الاعتماد في العقود السابقة وبسبب توازن ميزان القوى الدولي على العامل الخارجي بالدرجة الأولى، لقد أصبح العامل الخارجي في مخططات اليوم عاملاً مساعداً على إحداث تغيير عميق في البنى الداخلية أي بنية الدولة أو المجتمع أو ثقافته.


لذلك فإن السياسات الاجتماعية في هذه المرحلة لها الدور الحاسم، فهي إما أن تؤدي إلى استقرار وتصليب بنية المجتمع والدولة، وإما أن تؤدي إلى توتر يفضي إلى المساعدة موضوعياً على تنفيذ المخططات الخارجية البعيدة المدى.


لذلك إذا كنا في الماضي القريب والبعيد، نتعامل مع السياسات الاجتماعية من منطلق أيديولوجي له علاقة بالدرجة الأولى بفهم موضوع العدالة الاجتماعية والموقف منها، فإن الموضوع اليوم، تجاوز ذلك بكثير وأصبح له علاقة مباشرة بالأمن الوطني بالمعنى المباشر.


وحين نؤكد على ذلك، لانقصد القول إن الأمر بشكله الجديد وتطبيقاته هو بحكم الغيب أو موضوعة على بساط التطبيق على المستوى البعيد، فإذا علمنا أن عام 2010 هو عام حاسم بالنسبة للإدارة الأمريكية لإحداث انعطاف نهائي في منطقتنا يغير بنيتها، لفهمنا أن الخطر جدي وأن المطلوب إيجاد حلول سريعة ومعالجات إسعافية لتحويل نقاط ضعفنا إلى نقاط قوة قادرة على إحباط كل مايمس الأمن الاجتماعي كأحد المكونات الأساسية للأمن الوطني.






-IIIمنظومة السياسات الاجتماعية:


سنتناول أهم أهداف منظومة السياسات الاجتماعية التي لها دور بحركة الفئات الاجتماعية ومناخها وعلاقاتها ببعضها البعض.


‌أ. مستوى المعيشة:


تحتل قضية مستوى المعيشة موقع الصدارة في منظومة السياسات الاجتماعية لما لها من تأثير مباشر على المجتمع ومزاجه ومواقفه، والغريب أن قضية مستوى المعيشة تختصر مؤخراً بقضية الفقر فقط، حتى أن قضية الحد الأدنى لمستوى المعيشة الذي يقاس عادة على سلة الاستهلاك المبنية على مستوى الأسعار الملموس، أهملت لصالح مؤشرات مجردة عالمية غير ملامسة حدة الفقر، مع الملاحظة أن مستوى المعيشة يقاس ليس فقط كماً من حيث الدخل المجرد، وإنما أيضاً من حيث الخدمات المتوفرة وسعرها ونوعيتها بالمقاييس العالمية.


إلى جانب ذلك يجب أن لايهمل أن الحد الأدنى لمستوى المعيشة هو مجرد مؤشر، كي تبنى على أساسه مؤشرات أخرى ليست أقل أهمية، وهي مثلاً الحد المتوسط لمستوى المعيشة. فالهدف الحقيقي لايمكن أن يكون فقط الوصول إلى معادلة الحد الأدنى للأجور بالحد الأدنى لمستوى المعيشة، فهذا المؤشر مع ضرورته، لايكفي لتغيير مستوى المعيشة، بل يجب الانطلاق منه للوصول إلى الحد المتوسط لمستوى المعيشة الذي بتوفره كوحدة قياس يسمح بمعرفة درجة تأمينه في المجتمع مع الآثار المختلفة الإيجابية أو السلبية المنبثقة عنها.









‌ب. البطالة:


مع تزايد معدلات البطالة وصعوبة إيجاد حلول لها تتغير معها الآثار السلبية المعروفة تاريخياً والمرافقة لها، فمن ظاهرة غير دورية ومتقطعة وغير منتظمة الظهور عند شرائح بعينها، تحولت البطالة إلى ظاهرة ثابتة ومستمرة ومنتظمة الظهور وخاصة في القطاعات التي تدخل سوق العمل مجدداً، والتي تبقى مرشحة له لسنوات طويلة، مما يخلق فعلياً شرائح اجتماعية جديدة تتميز بزيادة تهميشها عن الشأن الاجتماعي والوطني، الأمر الذي يخلق قنبلة اجتماعية عالية الخطورة في حال انفجرت في ظرف ملائم ما.


إن البطالة لاتعني فقط هدر قوة عمل وإخراجها خارج دائرة الفعل، بل إن البطالة المستمرة هي عامل سلبي في التكوين والمزاج الاجتماعي بما تخلقه من حالة لاانتماء وإحباط، تتجلى في نفسية المهمشين الذين يتحولون إلى قوة متمردة، سهلة التحريك ضد كل شيء.


والمشكلة الأكبر هي إعادة تأهيل العاطلين عن العمل من الشباب، إن استمرار البطالة لسنوات طويلة واستقرارها خلق أخطاراً غير معروفة سابقاً، الأمر الذي يتطلب معالجتها حفاظاً على الاستقرار والأمن الاجتماعي.









‌ج. هجرة العقول:


إن جذر البطالة وهجرة العقول واحد، وهو عدم قدرة سوق العمل على استيعاب الإمكانيات المتوفرة والثانية هي هجرة الكفاءات العالية التأهيل.


إن هجرة العقول بغض النظر عن الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي تسببها على مستوى التبادل اللامتكافئ مع الدول المتقدمة، تخلق خلخلة اجتماعية وتحمل أضراراً تؤثر على منحى التطور العام في البلاد وسرعته وحجمه. إن الدراسات الأخيرة تبين أن هجرة العقول تسبب خسائر كبرى للاقتصاد الوطني ويكمن جذرها في نهاية المطاف في مستوى الأجور المتوسطة أو المتدنية بالمقارنة مع أمثالها في الدول الأخرى، من هنا تأتي الأهمية الإضافية لحساب وضبط الحد المتوسط لمستوى المعيشة الذي أتينا على ذكره أعلاه.


‌د. الصحة والتعليم:


إن مستوى التعليم والصحة في عالم اليوم يجب أن يعالج ليس من زاوية كونهما خدمتين تقدمان للمجتمع، وإنما من زاوية ضرورتهما القصوى لعملية إعادة الإنتاج الاجتماعية الموسعة، فحجم ومستوى التعليم والصحة يحددان إلى حد كبير مستوى النمو اللاحق.


إن الميزة النسبية المؤقتة لسورية اليوم، أنها باستطاعتها أن تجني نتائج ثمار التعليم المجاني في كل المراحل التي تمت في العقود السابقة، وهذه الميزة إذا استخدمت بشكل جيد ستسمح بالاستخدام الأمثل للإمكانيات التي يجب أن توظف في اقتصاد المعرفة، ويجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أن هذه الميزة آيلة إلى التراجع مع توسع التعليم الخاص في كل المراحل، والمشكلة أن التوظيفات في هذا المجال لاتظهر فوائدها إلا بعد جيل أو جيلين من الاستثمار المستمر في هذه القطاعات.


وصحيح أن حجم الاستثمارات في هذه المجالات التي يجب أن تنعكس على تحسن المؤشرات النوعية وعدم الاكتفاء بالمؤشرات الرقمية الكمية مثل حصة الفرد من الخدمات وتطويرها.


‌ه. السكن:


إن مشكلة السكن ليس لها علاقة بالمساحات وبدل السكن عن طريق الشراء والإيجار وعلاقته بمستوى المعيشة، بقدر مالها علاقة بقضيتين:


1) توسع مناطق المخالفات نتيجة تعقد الوضع السكني مع التوتر الاجتماعي الكامن فيها، فمناطق السكن العشوائي حول المدن الكبرى هي أحزمة توتر بسبب التهميش الذي تخلقه عطفاً على ظروف السكن والخدمات المتوفرة.


2) توسع الهوة في السكن بسبب ارتفاع أسعار الأراضي والبناء بين المناطق الغنية والفقيرة، له آثار معنوية ونفسية بعيدة المدى اجتماعياً.


إذا جمعنا كل هذه الملفات من مستوى معيشة إلى بطالة وهجرة عقول وصولاً إلى الصحة والتعليم والسكن، لتوضح حجم المشكلة ليس بالمعنى الاقتصادي فقط وإنما بالمعنى الاجتماعي أيضاً، فهذه الملفات إلى جانب بعضها البعض تخلق وضعاً مركباً نوعياً جديداً يتميز بالآتي:


- زيادة إلى الحد الأقصى في درجة التوتر الاجتماعي، وهي قابلة للانفجار مع التأخر في الحل.


- زيادة درجة الإرهاق والتعب في المجتمع الذي يتحول إلى اللامبالاة أمام حجم المشكلة المتمثلة أمامه، ويعيق بالتالي ويصعب أية إمكانية للحلول اللاحقة التي تتطلب بحد ذاتها مشاركة مجتمعية واسعة.


- إن هذه المشاكل باستمرارها تخلق حالة كبح في الوعي الاجتماعي تجعله لامبالياً وحيادياً أمام المخاطر الخارجية في الظروف الحالية المعقدة.


وإذا أضفنا إلى ذلك الضخ الذي يقوم به الإعلام العالمي عبر الفضائيات المختلفة، لتحسسنا حجم الخطر الذي يتوجب التحرك السريع لإيجاد حلول للمشاكل المعلقة وتنفيذها.

**************************************
الجزء الثاني

-IVاقتصاد السوق الاجتماعي كمفهوم


أحسن المصطلحات والشعارات لاتعني شيئاً، إذا لم تؤكد الممارسة مصداقيتها. فالاقتصاد السوري كان يوصّف خلال عقود، في النصوص القانونية وفي الوثائق الرسمية على أنه اشتراكي، بينما كان في واقع الحال رأسمالياً مشوهاً ومتخلفاً، إذن فقوة النص أو المفهوم تأتي من الواقع وليس العكس.


واليوم في إطار الصراع الجاري مع قوى السوق الكبرى التي تريد سوق فوضى تسميها «بالحرة»، يأتي مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي ليفتح إمكانية، مجرد إمكانية، للقوى المناهضة لأخطار السوق الحرة، كي تمنع حدوث كارثة إذا أحسنت تنظيم قواها وعبأت قوى المجتمع معرفياً وسياسياً في الاتجاه الصحيح.


وبعبارة أدق، إن مصطلح اقتصاد السوق الاجتماعي، ليس تعويذة قادرة بلمسة ساحر على إيقاف قوى السوق الكبرى المنفلتة والمتوحشة والمرتبطة بقوى السوق العالمية، فالشكل النهائي والملموس له ستحدده على الأرض محصلة صراع القوى الاجتماعية المختلفة، والذي يجري في بيئة إقليمية وعالمية غير ملائمة مؤقتاً للقوى النظيفة في جهاز الدولة والمجتمع.


لذلك فإن وضوح صياغة المفاهيم، وإيجاد أشكالها التطبيقية على الأرض سيرتدي أهمية كبيرة بالنسبة لمآل الصراع الجاري في البلاد حول آفاق التطور اللاحق.


من هنا تأتي أهمية الإجابة الدقيقة والواضحة عن الأسئلة التالية:


1. ماهي علاقة اقتصاد السوق، حتى لو كان اجتماعياً، بأشكال الملكية المختلفة (خاص، دولة، عام، إلخ)؟


يحاول البعض أن يتنصل من هذا الموضوع، كي يبقى الطابع الاجتماعي لاقتصاد السوق معوماً؟ والمقصود بالاجتماعي هو: مصالح أية فئة اجتماعية يجب أن يخدم في ظل وجود مصالح متناقضة في المجتمع مستحيلة التوافق فيما بينها؟ أي بكلام آخر كيف يجري توزيع الدخل الوطني في المجتمع؟ وفي نهاية المطاف ماهي العلاقة بين الأجور والأسعار؟


لذلك يبقى الكلام عن اقتصاد السوق الاجتماعي بلا معنى، إذا لم يلامس أشكال الملكية التي تؤثر على طريقة توزيع الدخل، من هنا يصبح واضحاً أن أي تراجع لدور الدولة وأشكال ملكيتها هو خطوة إلى الوراء موضوعياً فيما يخص العدالة الاجتماعية، حتى لو كان هذا الدور من خلال ما ينتجه من قيمة مضافة يجري حتى الآن ليس لصالح الجماهير الشعبية، فهذا الدور هو شرط ضروري للعدالة الاجتماعية ولكنه غير كاف إذا لم يرافقه ضرب لمواقع الفساد يسمح بإعادة توزيع عادلة، وغني عن البيان أن التراجع عن هذا الشرط الضروري يطيل المسافة نحو العدالة الاجتماعية.


2. ماهي علاقة اقتصاد السوق الاجتماعي بدرجة التحكم أو العفوية في الاقتصاد؟


من المعروف أن الاقتصاد السوري الآن هو في أحسن الأحوال اقتصاد سوق مشوه، وهذا يعني أن درجة التحكم فيه منخفضة بغض النظر عن الإعلانات المختلفة حول دور الدولة المركزي سابقاً، وهذا يعني أن درجة عفوية فعل قوانين السوق عالية، والسير إلى الأمام يتطلب تخفيف التشوه وصولاً إلى إزالته لا زيادته، مما يتطلب زيادة درجة التحكم الواعي الذي يتطلب دوراً جديداً للدولة، كما يتطلب تخفيض مساحة عفوية فعل قوانين السوق التي تنعش وتقوي قوى السوق الكبرى، وهذا إن حصل سينعكس إيجابياً على وتائر النمو التي تتطلب موارد يجب توجيهها نحوه بشكل واع، كما يتطلب تغيير معادلة الأجور والأرباح بشكل واع وعقلاني نحو تحقيق العدالة الاجتماعية مع كل ما يتطلبه ذلك من تحكم بالأسعار والضرائب والاستثمار وإزالة الفساد.


3. مامحتوى اقتصاد السوق الاجتماعي بعلاقة الاقتصادي والاجتماعي؟


حتى الآن يحمّل البعض انخفاض الفعالية الاقتصادية لنشاط الدولة لأعبائها الاجتماعية، والواقع أن العبء الاجتماعي هو دور وواجب للدولة، لامبرر لوجودها دونه في العالم المعاصر، ولكن السؤال: كيف يجب ممارسة هذا الدور؟


إن رفع الفعالية الاقتصادية على مستوى المنشأة عبر القضاء على النهب والفساد والهدر، سيؤمن تلك الفوائض الضرورية لممارسة الدولة لدروها الاجتماعي في التعليم والصحة والثقافة.. إلخ.. التي هي مجالات للاستثمار البعيد المدى وليست استهلاكاً لاتقوى الدولة عليه. وخلاصة القول إن قوى السوق الكبرى تريد تخفيض دور الدولة الاقتصادي، وبالتالي الاجتماعي، لتصبح لا دولة، كي تبني دولتها الحامية لانفلات قوى النهب والفساد، ولكن هذه المرة بشكل مقونن ومشروع حقوقياً.


4. و أخيراً: ما وضع قوة العمل في السوق الاجتماعي؟


من المعروف أن مكونات السوق هي البضائع والرساميل وقوة العمل، وأنصار السوق الحرة يريدون تحرير سوق البضائع والرساميل، وإبقاء سوق قوة العمل مقيدة، بالمعنى الاقتصادي: حيث تثبيت الأجور، وبالمعنى السياسي: حيث منع أية مطالبة بالحقوق بأي شكل كان. إن اقتصاد السوق الاجتماعي الذي يحرر البضائع والرساميل من كل قيد ويبقي قوة العمل مقيدة هو اقتصاد سوق أكثر تشوهاً من الذي عرفناه، وهو ينقلنا عملياً إلى دكتاتورية الرساميل، لذلك يصبح تحرير قوة العمل أجراً وحقوقاً هو الشرط الضروري لاقتصاد سوق اجتماعي متوازن.






-Vالسياسة الاجتماعية واقتصاد السوق الاجتماعي


إن درجة عمق الدور الاجتماعي لاقتصاد السوق الاجتماعي سيحدده عوامل موضوعية لها علاقة بدرجة استعداد المجتمع من جهة للدفاع عن حقوقه، ومن جهة أخرى قدرة جهاز الدولة على استيعاب ضرورات الجانب الاجتماعي من التطور وإيجاد الآليات والموارد المختلفة الضرورية له.


وعن مشكلة الموارد تحديداً لتأمين الدور الاجتماعي للدولة، وإمكانية تأمينه ومصادر هذه الموارد سيتحدد مصير العملية الاجتماعية كلها.


إذ أن حجم الموارد الضرورية، هي قضية مرتبطة بنهاية المطاف بطريقة تأمينها وتوجيهها بالاتجاه الصحيح.


وهذه القضية لايمكن أن تخرج خارج إطار الصراع الاجتماعي بين الأجور والأرباح، إذن فتناسب القوى الاجتماعية والبرامج الملموسة التي تعبر عنها هي التي ستحدد مآل هذه العملية فنتائجها.


وفي حال تم تحقيق الجانب الاجتماعي وتلبية حاجاته، فستنفتح الآفاق للعملية الاقتصادية نفسها كي ترتقي إلى مستوى أعلى نوعياً مما كانت عليه. وفي حال لم يتحقق ذلك، ستدور العملية الاقتصادية في حلقة مفرغة باتجاه التباطؤ التدريجي وانخفاض نسب النمو وتحولها إلى نسب سلبية مع ازدياد تدهور كل المؤشرات التي لها علاقة بالوضع المعاشي والاجتماعي.


لذلك لابد من دراسة بعض جوانب هذه العملية واحتمالاتها المختلفة في ظل الخيارات والآراء المطروحة وخاصة في الخطة الخمسية العاشرة.


سنتناول في البحث المواضيع التالية:


1. مستوى المعيشة.


2. البطالة.


3. الدعم الحكومي.










1. مشكلة مستوى المعيشة وطرق حلها:


حسب دراسة مسح دخل ونفقات الأسرة 2004 هناك 3.5 مليون شخص أو ≈ 30% من السكان تحت خط الفقر، وكشفت علاقة الفقر بروابط التعليم والنوع الاجتماعي والتوزع الجغرافي ولكنها لم تستطع أن تكتشف الرابط المركزي للفقر.


وإذا كانت مجانية التعليم والخدمات الصحية والدعم الحكومي للمواد الغذائية وللطاقة وللمياه، كانت تعتبر عوامل تحد من الفقر كونها تقوم بعملية توزيع غير مباشرة للدخل الوطني فاليوم تجري محاولة التخلص منه بحجة أنه يستهلك ≈ 15% من الناتج الإجمالي.


فمشروع الخطة الخمسية العاشرة يعتبر أن خط الفقر الأعلى هو 2052 ل.س للفرد شهرياً، وأن نسبة هؤلاء 30% (حوالي 5.3 مليون شخص) ويضع هدف تخفيض عددهم إلى 22.6% في نهاية الخطة، أما من هم تحت خط الفقر الأدنى (أي يحصلون على 1458 ل. س للفرد شهرياً) فتعد الخطة بتخفيض عددهم من 11.9% في 2004 إلى 8.7% في نهاية 2010 حتى 7.13% 2015 أي تخفيض عددهم خلال عشر سنوات من 2 مليون إلى 1.497مليون أي أن عدد الفقراء الذين يعيشون تحت الحد الأدنى من الأدنى سيتناقص سنوياً بحجم 40 ألف شخص وإذا استمرينا على هذه الوتيرة سيقضى على الفقر الشديد كلياً في عام 2030.


هذا عن الفقر الشديد، أما الفقر العادي فتقترح الخطة محاربته بشكل أكثر ليونة بحيث أن تنخفض نسبتهم من 30% من السكان حالياً إلى 22.6% عام 2010 أما الباقي فقد أبقي بحكم الغيب وتحت رحمة القدر، أي أن الرقم سينخفض من 5.2800000 إلى 4524405 منهم 262 ألف تخلصنا من مشكلتهم خلال الكفاح ضد الفقر الشديد ونقلناهم إلى حد الفقر الأعلى، واستطعنا هكذا ترفيع ( 5.28 م ـ 4.524م -0,226)=0,492 ألف شخص من حد الفقر الأعلى إلى حد الفقر الأدنى بمعدل 98000 شخص سنوياً.


بحيث أن يبقى تحته في عام 2010 بشكل عام 4.5 مليون تقريباً.


طبعاً هذه النتائج تفترض أن المخططين استطاعوا التحكم بمعدل النمو السكاني المفترض 2.26% سنوياً وآخذين بعين الاعتبار أن نسبة النمو الاقتصادية العامة قد تحققت والتي هي بحدود 7% ونحن من جهتنا افترضنا أن التناقص في نسبة الفقر الشديد مستمر بنفس الوتيرة التي بدأ فيها في أعوام 2005 ـ 2010 ـ 2015.


كل هذه الافتراضات والاحتمالات ندرسها كي نرى ماهي واقعية الحلول المطروحة من وجهة نظر ضرورات المجتمع والتحديات المنتصبة أمامه.


وهنا ارتضينا أن نتفق مع واضعي الخطة على أن مؤشر مستوى المعيشة هو حد الفقر الأعلى المعلن الذي هو 2052 ل. س ضمن مستوى أسعار فترة إعداد الخطة.


ولكن إذا انطلقنا من الواقع الملموس فإن الدراسات المحلية تؤكد أن الحد الأدنى الضروري لمعيشة أسرة وسطية العدد 5.6 فرد شهرياً، قبل ارتفاع الأسعار الأخير كان بحدود 18000 ل.س، أي حصة الفرد شهرياً 18000/5.6 = 3215 ل.س وليس حوالي 2000 ل.س كما يفترض واضع الخطة، وإذا أخذنا بعين الاعتبار ارتفاعات الأسعار الأخيرة منذ تذبذب سعر صرف الدولار إلى رفع أسعار البنزين والأسمنت الأخيرة لتوقعنا ازدياد الأسعار بنسبة 30% وبالتالي تغير الحد المفترض من 18000 إلى 23400 ل.س بواقع حصة فرد تقارب 4200ل.س أي أكثر من ضعف ماهو يعتبر نقطة استناد في مشروع الخطة لمحاربة الفقر.


إن الشعبوية بعينها هي التي تطلق شعارات براقة بحجة محاربة الفقر وغيره ولكن تخفي في طياتها حين البحث والتمحيص ديماغوجية اقتصادية تستخدم لغة شعبوية للتطمين.


إن قضية مستوى المعيشة حين المعالجة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار النقاط التالية:


1) خط الفقر المقترح دولياً شيء، والحد الأدنى لمستوى المعيشة الضروري الذي يضمن الحد الأدنى للكرامة الإنسانية شيء آخر.


2) إن قضية انخفاض مستوى المعيشة تخلق توتراً اجتماعياً غير مسموح باستمراره في جو المخاطر الإقليمية والتي يفرضها تغير الوضع الدولي في العقد الأخير، إذا كنا نريد الحفاظ على الوحدة الوطنية وعلى إرادة المواجهة.


3) المشكلة الأساسية تكمن في استحالة حل قضية مستوى المعيشة ضمن آجال منطقية تفرضها حساسية الوضع السياسي الحالي، دون إعادة النظر في العلاقة جذرياً بين الأجور والأرباح، وهي قضية خرجت بالتالي من دائرة مفهوم العدالة الاجتماعية البحتة إلى دائرة الأمن الوطني.


4) من كثرة استخدام مصطلح الحد الأدنى لمستوى المعيشة، تراءى للبعض أن الوصول إليه هو هدف بحد ذاته، بينما المقصود أن يتحول هذا الحد الأدنى إلى مقياس لدراسة مستويات المعيشة الأخرى وخاصة الحد المتوسط للمعيشة الذي يجب أن تذهب الجهود باتجاه تأمينه وتدل الدراسات الأولية أنه حينما كان الحد الأدنى 18000 ل.س كان الحد المتوسط 27000 ل.س.


5) يجب أن تبحث جدياً قضية الآجال الضرورية لحل مشكلة مستوى المعيشة ليس من زاوية الممكن ضمن الإحداثيات الاقتصادية الاجتماعية المشوهة الحالية، وإنما انطلاقاً من الضرورات السياسية ـ الاجتماعية التي تفرضها حدة المعركة التي تدور حول البلاد وفيها، وأعتقد أن حل هذه المواضيع يجب أن يتم حتى ضمن آجال متوسطة فقط لاغير من 5 إلى 10 سنوات كحد أقصى، فالشعب السوري يستحق أن يتمتع بثروات وخيرات بلاده وأن لاتؤجل القضية إلى الأحفاد دون ضمانات حقيقية.


6) إن انخفاض مستوى المعيشة يخلق سلسلة من المشاكل المشتقة منه وأولها الفساد والانحرافات الاجتماعية واستنزاف قوى العمل و انخفاض الإنتاجية، وابتعاد الرساميل عن الاستثمار الحقيقي المنتج نتيجة انخفاض القوة الشرائية في المجتمع.


 والسؤال هل لدينا حلول أخرى حقيقية وقابلة للتطبيق؟


نعم لدينا، في بحث جرى في معهد التخطيط للطالبة ضحى الشيخ حسن بإشراف د. قدري جميل ـ توصلنا إلى النتائج التالية:


1. لايمكن حل قضية الحد الأدنى للأجور إلا بعد 67 سنة إذا بقيت كتلة الأجور على حالها 17% من الدخل الوطني، وضمن العائدية المنخفضة للاستثمار والتي لاتتجاوز 15% حالياً، وضمن معدل النمو الاقتصادي الحالي 2 ـ 3%.


2. إذا لم تعدل علاقة الأجور بالأرباح ورفعنا الاستثمار إلى 25% وعائديته إلى 20% لتمكنا من الوصول إلى نمو 9% يسمح بحل قضية الأجور بعد 29 سنة.


3. إذا غيرنا علاقة الأجور بالأرباح كي تصبح الأجور 40% ورفعنا حجم الاستثمار إلى 30% والعائدية كذلك لأمكن تحقيق معدل نمو 6% ولأصبح بإمكاننا حل الموضوع بعد 15 عاماً.


4. النموذج الأقصى: تراكم 35% عائدية 40% أجور 60% نمو 10% و الحل بعد 5 سنوات.


وهكذا يتبين أنه لاحل إلا بإعادة نظر جذرية في حجم الاستثمار الداخلي وعائديته وعلاقة الأجور بالأرباح وإلا لن يمكن كسر الحلقة المفرغة.






2. البطالة:


يحدد مشروع الخطة تخفيض معدل البطالة إلى 8% في نهايتها أي إذا كان عدد العاطلين عن العمل اليوم هو أكثر من 2 مليون شخص فسيصبحون حينذاك 1.6 مليون وهي خطوة جدية ولكنها لاتكفي لتخفيض حدة التوتر الاجتماعي الذي تسببه ظاهرة خطيرة كالبطالة. فإذا اعتبرنا أن معدل تناقصها سيكون أقل من 1% سنوياً فمع التعقيدات المتوقعة لاتقترح الخطة حلاً للموضوع عملياً قبل خمسة عشر عاماً.


نعتقد أن هذا الموضوع يندرج أيضاً ضمن مفهوم الأمن الاجتماعي الذي يتطلب حله الالتزام بآجال متوسطة المدى. فالبطالة إلى جانب كونها قوى وثروة مهدورة فهي تخلق بؤر توتر اجتماعي يسبب توسع دائرة المهمشين.


فهل هناك حلول عملية واقعية للموضوع في الظرف الحالي؟. إن البحث العلمي الجاد يؤكد أنه يمكن إيجاد حلول حقيقة.


إن حل مشكلة البطالة يتطلب التوسع في الاستثمار وتوسيع القاعدة الاقتصادية.


فالدراسات تبين أننا بحاجة إلى30% استثمار من الدخل الوطني لامتصاص الوافدين الجدد إلى سوق العمل ونسبة إضافية لامتصاص البطالة التراكمية مما يتطلب رفع عائدية الاستثمار إلى الحد الأقصى الممكن في الظروف الحالية.


وتبين الدراسات الجدية أن العام الأول للخطة يتطلب حجم استثمار 387 مليار ل.س تتصاعد سنوياً لتصل إلى 623 مليار ل.س في نهاية الخطة لحل الموضوع جذرياً، أي أن الخطة العاشرة تقترح 1800 مليار ل.س استثمارات فضرورات القضاء على البطالة خلال فترة متوسطة (7 سنوات) تتطلب 3000 مليار ل.س وهو غير مستحيل التحقيق في ظل دخل وطني حالي 1000 مليار ل.س إذا رفعت معدلات النمو إلى الحد الأقصى مع رفع معدلات الاستثمار والعائدية وبالاعتماد على الاستثمارات الخارجية بالحدود الدنيا، ولكن بشرط تعبئة الموارد الداخلية إلى الحد الأقصى وخاصة على حساب مخرجات الفساد الكبير الذي يقتطع من 20 ـ 40 % من الدخل الوطني.






3. الدعم الحكومي كأحد أشكال السياسات الاجتماعية:


ليس هنالك دولة في العالم لاتقدم الدعم لجهات اعتبارية أو فردية، ويخدم الدعم في النهاية أهداف سياسية اقتصادية واجتماعية.


فالبقرة في أوروبا تحظى بدعم يومي قدره 2.5 دولار أما في اليابان فوضعها أحسن إذ تحظى بـ 7.5 دولار يومياً، (المفارقة مع حد الفقر الأدنى).


أما الولايات المتحدة ذات الاقتصاد الحر فتدعم مزارعيها، وأوروبا يشكل مجموع الدعم الزراعي 30% من قيمة الإنتاج النهائي.


إن معزوفة أن يذهب الدعم إلى مستحقيه ولإعادة النظر تحمل في طياتها خطر أن يتبخر الدعم عن مستحقيه وغير مستحقيه، فكيف معالجة الموضوع. في دراسة هامة للدكتور حيان سلمان يشير:


 دعم السكر والأرز، يحق للمواطن السوري المدعوم بكيلو سكر (10 ل.س) ونصف كيلو رز شهرياً (12ل.س)، وبدون دعم (25) ل.س و (27) ل.س على التتالي.


وإذا اعتبرنا عدد أفراد الأسرة وسطياً خمسة أفراد:


ماتدفعه الأسرة بوجود الدعم من ناحية السكر 5×10 = 50 ل.س شهرياً. 50 × 12 = 600 ل.س شهرياً.


بدون دعم: 5 × 25 = 125 ل.س شهرياً.


125 × 12 = 1500 ل.س


الفرق 1500 – 600 ==900 ل.س تتحملها الدولة سنوياً.


 من جهة الأرز تتحمل الدولة 450 ل.س بما مجموعه 1350 ل.س وإذا احتسب على مجموع سورية فالمبلغ لايتجاوز 5 مليارات ل.س وهو لايشكل عبئاً على خزينة الدولة خاصة أنه يمكن تغطيته من مصادر أخرى وضمن سياسة سعرية اجتماعية.


4. دعم البنزين والمازوت


ارتفع سعر البنزين 23% ليصبح 30 ل.س / ليتر منذ مطلع 2006 بينما كلفته في مصافينا لاتتعدى 7.025 ل..س أي أن الدولة تربح عليه اليوم 41% أي حوالي 23 ل.س.


إن سياسة الدعم يجب أن تعتمد على فكرة أن الدولة لايجب أن تقوم بدور الجابي والتاجر بقدر ماتقوم بدور الضامن للأمن الاجتماعي وللاستقرار السياسي.


إن السياسة الاجتماعية الصحيحة هي التي توجه السياسات الاقتصادية ضمن منظور أولويات وأهداف محددة على أساس آجال زمنية مدورسة تفرضها ضرورات الواقع الإقليمي والمحلي.










التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قرارات الفيدرالي الأميركي.. الاقتصاد الدولي ومخاوف الارتدادا


.. رغم العقوبات.. -النقد الدولي- يتوقع زيادة إنتاج النفط الروسي




.. رئيس الوزراء: تنسيق مع البنك المركزى لضمان استمرار خروج السل


.. بانوراما | إضرابات بريطانيا .. ضربة للاقتصاد أم للحكومة؟




.. لحسن أقرتيت: إسبانيا أدركت أن المغرب منصة مهمة لبناء اقتصاد