الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مركز البحوث العلمية -5-

علي دريوسي

2018 / 3 / 28
الادب والفن


خرجنا، اِلياس وأنا، صباح يوم السبت من شقتنا في الوقت نفسه. على الدرج المُوصل إلى الباب الخارجي اِلتقينا للمرة الأولى بسكان المبنى، من كل طابق وشقة وصلتنا تحيات الزملاء الطلبة مع التحفُّظ أو كنا نسمع تحيات بعضهم لبعض: "السلام عليكم، صبحك الله بأنوار النبي، بالتوفيق والنجاح لنا جميعاً إن شاء الله، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته".
خرجنا من السكن الطلابي في طريقنا لحضور جلسة الفطور المُخَصَّصة لاستقبالنا والترحيب بنا وتعريفنا بقاعات التَّدريس ومخابر المركز والمطعم الطلابي، لتبدأ من بعدها بعض المحاضرات التمهيديّة للماجستير في اليوم الأول.
من محطة الباص القريبة صعدنا وطلبة آخرون إلى باص المركز. بعد مرور حوالي عشر دقائق على مغادرة الباص الذي أقلنا من الحمدانية وصلنا إلى عنوان المركز في شارع أمير الشعراء بالقرب من كلية الهندسة المعمارية.
كان كل شيء غريباً عني في اليوم الأول، كان لكل دقيقةٍ مذاقها الخاص بالنسبة لي، الفطور مختلف، التعامل الاجتماعي مختلف، الابتسامات مختلفة، الملابس غامقة، وحدها الحالة الذكورية كانت القاسم المشترك الوحيد المُسيطر على الجوّ.
كنّا ستة عشر طالباً في السنة الأولى، جاؤوا من دمشق، حلب، حمص، حماة، الجزيرة والساحل، أربعة عشر طالباً ممن اعتادوا على الصلاة اليومية، طالب من حملة الصليب وطالب من حملة الِغْمد، بعد أن ضاع السيف لتحل محله الرؤى الوطنية ورياح الماركسية التي هبت في تلك القرية التي ولد فيها.
تم فصلنا إلى مجموعتين وفقاً لرغبات تسجيلنا، مجموعة الهياكل ومجموعة المحركات، صدف أن تواجد ثمانية طلاب في كل مجموعة. كنا نبدأ دوامنا كل يوم في تمام الساعة الثامنة صباحاً وننتهي من محاضراتنا في الخامسة عصراً، يتخلَّلها موعد الطعام واستراحة الظهيرة من الثانية عشر حتى الواحدة إلا ربع.

في بداية محاضرة الميكانيك العالي حدّق المحاضر بعيوننا طالباً طالباً، اِبتسم برصانةٍ وقال: "لعلكم تتسائلون يا أبنائي عن سبب عدم تواجد الطالبات بينكم! الجواب بسيط. هل تعرفون السبب؟"
وعندما لم يتلق أية إجابة من قبلنا أجاب على سؤاله بنفسه دون أن تفارقه الابتسامة: "لأنَّ الفيزياء ذكورية والتصميم الميكانيكي أيضاً. فقط سيدتان استطاعتا الحصول على جائزة نوبل للفيزياء حتى الآن. البولندية ماري كوري لعام 1903 في مجال اضمحلال النشاط الإشعاعي. والثانية هي الألمانية ماريا غوبرت مايرلعام 1963 عن إدخالها نموذج الغلاف النووي للنواة الذرية. في المقابل استطاع حتى الآن 143 من الذكور الفوز بهذه الجائزة".
*****
مضت الأيام بطيئة، مُشَوِّقة علمياً لكنها مُمِلّة اجتماعياً. كنا اِلياس وأنا غالباً ما نذهب إلى كافتيريا كلية الهندسة المعمارية بالقرب من بناء المركز لتناول فنجان قهوة وتمضية بعض الوقت في اِختلاس النظر إلى أجساد الطالبات. من خلال هذه اللقطات كنا نشعر بأنَّنا ما نزال على قيد الحياة بمعناها المدني، كانت تخيِّم على المركز حالة عسكرية غير مُعلنة.

ذات يومٍ اِلتقينا في الكافتيريا طالباً في الفصل الأخير من دراسته في المركز، وقف قبالتنا، باعد بين رجليه، وضع حقيبة السامسونايت بينهما، شاب وسيم بدا من خلال تناسق جسده أنّه قد تعب على بنائه في السنوات الأخيرة، بعد تبادل التحيّات والنظرات الهادفة، بعد أن تعرَّف كل منهما على صليب الآخر، بعد أن تعرَّف على غمدي الفارغ، قال لنا ساخراً: "بالله عليكما ماذا تفعلان هنا!؟"
ردَّ عليه اِلياس بفوقيةٍ: "كما تفعل أنت".
ضحك طوني وقال: " شابان وسيمان ينتظرهما المستقبل خارج حدود المركز ليبتسم لهما، شابان يمتلكان جوازي سفر ومُصدَّقتي تخرُّج، شابان لهما الحق بالتعيين في الجامعة بصفة معيد وبالحصول على منحة دراسة الدكتوراه في أوروبا الغربية، ما الذي يجبرهما على الحياة في مدينة الصلاة ومركز الذكور، ما الذي أضعتماه هنا؟ من أقنعكما أنَّ المركز جدير بالاحترام والبقاء فيه؟ من قال لكما أنَّه في المركز علم وإبداع؟ من وعدكما بالسفر بعد نهاية الماجستير؟ كل ما سمعتما به من تفاصيل يحلم بها كل المتخرجين حديثاً هي مجرد أوهام، انِفدا بجلديكما من مشنقة المركز، لم يفت الوقت عليكما بعد".
علّق اِلياس هازئاً: "تنصحنا بالهروب، ما الذي أبقاك في المركز حتى اليوم!؟ ستصبح قريباً من حملة الماجستير وستسافر إلى الخارج، ما الذي يضايقك هنا؟"
أجاب طوني: "لم أجد من ينصحني، ومرّت الأيام وها أنا على أبواب التخرُّج ولا يلوح في الأفق أي سفر، لقد وصلتني رسالة منهم هي بمثابة أمر تعيين في منطقة جغرافية صحراوية نائية لم أُحبّها في حياتي يسمونها السفيرة".
تابع اِلياس بدبلوماسيةٍ: "ياعمي، لكل منا تجربته التي يجب أن يعيشها، الأمور تبدو في الواقع حتى الآن في غاية الروعة، الإنسان لا يتعلّم إلا من كيسه، وما سنحصل عليه من دخل شهري و نحن ندرس هنا يبلغ ثلاثة أضعاف ما يحصل عليه مهندس من أترابنا يعمل في شركة أو في جامعة".
أجاب طوني: "القضية أكبر بكثير ممّا تقوله يا صديقي، لا تنسى أن راتب الباحث الذي ترسله الدولة إلى الخارج يبلغ على الأقل خمسة أضعاف راتبك الذي ستحصل عليه في المركز".
هنا تدّخلت قائلاً: "عفواً للمقاطعة، بماذا يمكن أن تنصحني أستاذ طوني؟"
ردَّ طوني: "إحزم حقائبك وغادر، عليك أن تكتب لهم رسالة تقدِّم فيها استقالتك، إياك والموافقة على استلام الراتب الشهريّ الأول وتعويضات السكن وما شابه".
قال اِلياس: "لماذا لا ينبغي عليه أن يقبل ما يستحق، نحن ندرس هنا منذ أكثر من شهر!؟"
قال طوني موجهاً كلامه إليّ: "ببساطةٍ، إذا ما استلمتَ راتبكَ، يدخل العقد المُبرم بينك وبينهم حيز التنفيذ، وقتئذٍ سيجبروك على دفع أكثر من مليوني ليرة، الكفالة التي تعهَّدت بدفعها".
لمعت عينا اِلياس بدهاءٍ وعقّب بخبثٍ: "ليقتلع كلٌ منا حينئذٍ شوكه بيديه".
أنهى طوني كلامه بأن قال: "عزيزي أحمد، بالطناجر القديمة تتعلّم الطبخ، على الخيول الهَرِمة الركوب، على العجلات البالية القيادة، على السفن العتيقة الإبحار، وفي مركز البحوث العلمية لا يتعلّم الطالب منا إلا العودة إلى الوراء".
*****
يتبع








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهدوا الإطلالة الأولى للمطرب پيو على المسرح ??


.. أون سيت - فيلم -إكس مراتي- تم الانتهاء من تصوير آخر مشاهده




.. أون سيت - فيلم عصابة الماكس يحقق 18 مليون جنيه | لقاء مع نجو


.. أون سيت - أول عرض | فيلم النمر والأنثى مع إنجي يحيى




.. أون سيت - محمد ثروت بيحكي عن الجزء الثاني من فيلم بنك الحظ