الحوار المتمدن - موبايل


خالتي

سلمان عبد

2018 / 4 / 3
كتابات ساخرة



كنت اسميها " المظلومة " ، فمنذ طفولتي ، عرفت كيف يكون الاستبداد و الظلم ولمسته لانني عايشته وشهدته عن قرب ، فقد ابتليت خالتي بزوج احمق متهور ظالم ، سامها العذاب ، مع انها مثال الطيبة و الوداعة الى حد كبير، وكنت اشاركها همومها واتعاطف معها كثيرا ومن يومها ترسخ في ذهني فداحة الظلم وجبروته وقسوته ، كنت اتمنى ان ارفع عنها هذا الظلم ولكن لم يكن بمستطاعي ، كانت تعيش معه كجارية او عبدة ، لم اسمع منه اطلاقا مرة واحدة ناداها باسمها ، وكانت كلمة " ولچ " على لسانه دائما وقد الغى انسانيتها تماما .
حين صدرت ثلاثية نجيب محفوظ في الستينيات ، قراتها ولاحظت مدى التشابه الكبير بين " السي سيد " وبين زوج خالتي ، وكنت اقص عليها احداث الثلاثية وتتعجب من التشابه الكبير بين حالتها وحالة " امينة " زوجة سي السيد .
كانت تلجأ خالتي الى الترنيم لطفلها فتنفس عن خاطرها بان " تهدهده " وتترنم بشعر مألوف من قبل الامهات العراقيات " دللول " ، كان صوتها صوتا شجيا وهي تترنم وتهز المهد بيدها :
دللول يالولد يبني دللول / عدوك عليل وساكن الجول
لم اسمع مطربة وبضمنهن " وحيدة خليل " التي غنت نفس الكلام ، بعذوبة صوت خالتي وشجنه ، كنت انصت اليها وكأنني استمع لصوت ملائكي رقيق مضمخ بالحزن و الشجن و اللوعة ، انصت لها بكل جوارحي ، ومن حينها زرعت في نفسي الشغف بالغناء الذي يغسل الهموم وعرفت بانه يساهم في صفاء الروح .
تتغنى بــ " دللول " وكانها تداعب اوتار عود حزين فتخرج بأعذب لحن لانها تمتلك أجمل الأوتار الصوتية التي وهبها الله لها ، لأنها كانت تعتصر قلبها المهموم وتصبه كلحن ينطلق من شفاهها وكأنها تزيح به عن قلبها الحزين :
يحگلي لاصير دلي / ترة …أطلڰ الدنية وأولّي / على ظليمتي من دون حلي
تقولها بتفجع ممزوج بالاسى ، فتهدد ، وتتوعد ، وهي في حالة من اليأس واصلاح الحال ، وكنت اتوقف طويلا عند المقطع المثير :
ترة …أطلڰ الدنية وأولّي/ على ظليمتي من دون حلي
اين تولين يا خالة ؟ اين تهربين من الظلم ؟ واي مكان يصلح لك بعد ان " طلقت " الدنيا ؟ اين ؟ اين ؟ اين ؟
لم تخرج من بيتها اطلاقا ، فمنذ دخلت البيت بزواجها لم تغادره ، وكانت تقول :
ـــ هاي الذبانة احسن مني ، اتطير وين ما تريد .
أي هوان ، للانسان ان يحسد الذبابة ؟
خالتي ليست الوحيدة التي اختصها الظلم ، بل هي نموذج لمظلومية النساء العراقيات .
ارقدي بسلام وانعمي بالراحة الابدية .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قصة نجاح لمشروع نسائي بدأ بدولار منذ نحو 60 عاما.. وأصبح إله


.. المنتج والمخرج الأردني إياد الخزوز يكشف عن ماذا ينقص المسلسل


.. الممثلة المغربية جيهان خماس.. عفوية معهودة وتلقائية في التفا




.. حوا بطواش - حوار عن الأدب والكتابة وأجمل إبتسامة محفورة في ا


.. نشرة الرابعة | ماهي دوافع إنشاء جمعية للفنانين السعوديين؟