الحوار المتمدن - موبايل


الإعلام وخداع الأولويات

محمد عمارة تقي الدين

2018 / 4 / 7
الصحافة والاعلام


الإعلام وخداع الأولويات
دكتور محمد عمارة تقي الدين
واحدة من الجرائم التي ترتكبها وسائل الإعلام بحق الجماهير هي إحداث خلل بنيوي وجذري في سلم أولوياتها عبر تهميش قضايا مركزية وتصعيد أخرى هامشية، ولكي نتفهم أبعاد تلك الجريمة دعنا نلقي الضوء بقليل من التفصيل على نظرية ترتيب الأولويات(نظرية وضع الأجندة) (Agenda-setting theory)، إذ وفقاً لهذه النظرية فإن وسائل الإعلام هي من يضطلع بمهمة ترتيب أولويات مشاهديه دون وعي منهم، ويجري هذا الترتيب وفق أولويات القضايا التي تعرضها وسائل الإعلام وطريقة تناولها من حيث تضخيمها أو تهميشها والتقليل من أهميتها، فالإعلام يحدد أولويات القضايا المطروحة، وبمرور الوقت يتبنى الجمهور هذه الرؤى وفقاً لما طرحته وسائل الإعلام وبحسب ترتيب أولوياتها(1)، ومن ثم فالمتلقي يتبني الأولويات المجتمعية كما رتبتها له وسائل الإعلام والتي قد تكون متناقضة مع ترتيبها في الواقع الحقيقي من حيث أهميتها.
ويلخص البعض هذا الأسلوب (وضع الأجندة) في المتتالية التالية:

1- وسائل الإعلام لا تستطيع تقديم جميع القضايا والأحداث التي تقع في المجتمع.

2 – ومن ثم يركو القائمون على وسائل الإعلام على بعض الموضوعات والقضايا في حين يجري إهمال قضايا وموضوعات أخرى.

3- هذه الموضوعات التي جرى التركيز عليها تبدأ في إثارة اهتمامات الناس تدريجياً، وبالتالي تمثل لدى الجماهير أهمية أكبر نسبياً من الموضوعات الأخرى التي أهملتها وسائل الإعلام والتي قد تكون في حقيقة الأمر أكثر أهمية من التي جرى تناولها بكثافة.
لذلك يُقال إن وسائل الإعلام لا يقتصر دورها على تعليم الجماهير كيف يفكرون، ولكنها تعلمهم ايضاً ما يجب أن يفكروا فيه دون غيره(2).
وترجع الأطروحة النظرية لنظرية وضع الأجندة إلى العالم والتر ليبمان WLippmann والتي ضمّنها في كتابه )الرأي العام (، فهو يرى أن وسائل الإعلام من شأنها أن تخلق صوراً زائفة في عقول الجماهير عبر التلاعب بأولوياته فيتكون رأي عام زائف لديه خلل في إدراك أولوياته المجتمعية والوطنية، فوسائل الإعلام بمقدورها توجيه الجماهير لما يجب أن يفكروا به دون غيره، فهناك وكما يذهب البعض علاقة ارتباطية طردية قوية بين أهمية الموضوع في وسائل الإعلام وأهميته لدى الجمهور(3)، إذ يتم توجيه انتباه الجمهور نحو قضية ما وتجاهل قضايا أخرى أو جانب محدد من القضية على حساب جانب آخر.
وعليه فنظرية وضع الأجندة تكتسب أهمية قصوى لدى الإعلام السلطوي أو المؤدلج إذ عبرها يجري التلاعب بالوعي الجمعي وتضليله عبر بتصعيد قضية للتغطية على قضية أخرى، هنا وفي تلك الحالة يتشكل وعي عام زائف سمته الأساسية اختلال سلم الأولويات.
ومن المؤكد أنه في ظل وجود أنظمة ديمقراطية تشاركية وإعلام لا تتحكم فيه أيديولوجيات أو قوى سياسية واقتصادية معينة، إعلام جماهيري حقيقي فإن ما سيتم تقديمه من أولويات عبر هذا الإعلام من شأنه أن يتفق كثيراً مع أولويات الجماهير ذاتها ليتأسس وعي عام حقيقي .
ومن ثم فعليك كمتلقي أن تنتبه لم يقدمه لك الإعلام من قضايا وموضوعات وتسأل نفسك هل تلك الموضوعات وبهذا الترتيب الذي اختارته تلك الوسائل الإعلامية يتفق والواقع من ناحية ومع قناعاتي ورغباتي واحتياجاتي من ناحية أخرى؟ أم أنه قُصد بها التعمية والتغطية على قضايا أخرى هامة ليتم تصفيتها بدم بارد داخل الوعي الجمعي للشعوب، ومن ثم يتشكل وعي عام زائف سمته الأساسية حالمة من الخلل في ترتيب الأولويات وعد مقدرة الجمهور على بلورة خريطة إدراكية حقيقية لواقعه.
مراجع الدراسة:
(1) للمزيد راجع حسن عماد مكاوي، ليلى حسين السيد: الاتصال ونظرياته المعاصرة، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة،1998م، صـ 288.
(2) فهد الشيميمري : التربية الإعلامية ، صـ 65 وما بعدها.
(3) راجع : نسرين حسونة، نظريات الإعلام والاتصال، رسالة ماجستير، 2015م .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رمضان في تركيا.. وجبات إفطار للمحتاجين في بيوتهم


.. شاهد: المروحية -إنجينيويتي- تنفذ أول طلعة جوية من نوعها في أ


.. نووي إيران.. مفاوضات في كنف العقوبات | #غرفة_الأخبار




.. نشرة الصباح | مسؤول إسرائيلي يحذرون بايدن من العودة إلى الات


.. 20 عاما على احتجاجات -الربيع الأسود- في الجزائر