الحوار المتمدن - موبايل


الإعلام ومغالطة التكرار

محمد عمارة تقي الدين

2018 / 4 / 9
الصحافة والاعلام


الإعلام ومغالطة التكــرار
دكتور محمد عمارة تقي الدين
واحدة من المغالطات المنطقية التي ترتكبها كثير من وسائل الإعلام بحق الجماهير هو تكرارها بشكل مستمر لشعار أو فكرة ما، إذ بالتكرار المتواصل كثيرًا ما يتحول هذا الشعار أو تلك الفكرة إلى ما يمكن اعتباره حقيقة ثابتة لتستقر في وعي المتلقي وضميره، وهو ما يسمى في علم المنطق بمغالطة التكرار(Argument by repetition) .
ويرى البعض أن هذا الأسلوب من شأنه أن يُؤتي أُكُله بشكل كبير في حالة سيطرة الدولة أو النخبة الحاكمة أو مجموعة المصالح أو جماعة أيديولوجية على وسائل الإعلام وإحكام قبضتها عليها فيغيب الرأي الآخر ويضمحل لتتدفق المعلومات والآراء في اتجاه واحد، ومن ثم تكتسب المغالطة بكثرة تكرارها وإلحاحها وضعًا أقرب للمسلمة أو البديهية أو الأطروحة التأسيسية التي لا يجوز مساءلتها أو الاقتراب منها أو التشكيك في صحتها ومصداقيتها، وأشهر من استخدم هذه المغالطة هو الإعلام النازي فقد كان جوبلز وزير إعلام هتلر يردد دائمًا مقولته الشهيرة:"اكذب واكذب حتى تصدق نفسك عندئذ سيصدقك الآخرون"مبررًا أهمية إستراتيجية التكرار بقوله:"إذا كانت الكنيسة الكاثوليكية صامدة فذلك لأنها تكرر نفس الشيء منذ ألفي عام ويجب على الدول أن تحذو حذوها"، كما كان هتلر يردد: "الجماهير تأخذ وقتًا طويلًا حتى تفهم وحتى تتذكر ومن ثم كان من الضروري التكرار"، وكان نابليون يقول:"لا يوجد إلا شكل واحد من أشكال البلاغة هو التكرار، إذ بالتكرار سيتم قبوله كحقيقة قاطعة"(1).
ومن ثم تلجأ وسائل الإعلام المؤدلجة أو السلطوية للتكرار بشكل مُلِّح، كذلك يكرر المعلنون حملاتهم الإعلانية على مدار الساعة، فبالتكرار تتجذر الرسالة الإعلامية في اللاوعي وتصبح وكأنها صادرة من الداخل، كما يعتمد هذا التكنيك على تكرار عرض الفكرة في سياقات مختلفة، فالموضوع واحد دائمًا ولكن يتم عرضه وتكراره بأشكال وصور متباينة عبر وسائل الإعلام(2).
فالتكرار الذي يأخذ أشكالًا مختلفة من شأنه أن يؤثر كثيرًا في المتلقي، فتقديم فكرة بذات الصورة ربما يجعل المشاهد ينفر منها أو أن يتبنى موقفًا مضادًا لها، وهو ما يدركه جيدًا القائمون على الدعاية في وسائل الإعلام فيلجئون للتكرار لكن مع تنويع طريقة العرض،فهي ذات المادة ولكن في زجاجات جديدة، والحقيقة أن لكثرة التكرار عامل وتأثير نفسي مهم فالرسالة من كثرة تكرارها تصبح، وكما سبق القول، وكأنها أمر واقع أو حقائق ثابتة غير قابلة للمساءلة أو النقاش(3) .
وفي التحليل الأخير تبقى كلمة مفادها أنه عليك كمتلقي وكمستهلك لوسائل الإعلام أن تنتبه جيداً لحقيقة هذه المغالطة المنطقية وبنيتها الداخلية وآلية عملها، فوسائل الإعلام حين تستدعي هذه المغالطة فهي في حقيقة الأمر إما أنها تخدعك بهذا التكرار عبر تزييف الحقائق ومن ثم تريد غرس هذا الزيف الذي تروج له في وجدانك، أو أنها تريد التعمية على قضية مركزية أخرى عبر توريطك والقذف بك داخل غابة كثيفة ومتشابكة الأشجار من التكرار بحيث يستحيل عليك الإفلات من براثنها فتبقى حبيس أطروحاتها ومفرداتها لتموت القضية المركزية في عقلك وضميرك ومن ثم في العقل والضمير الجمعي لسائر الجماهير.
مراجع الدراسة:
(1) جوستاف لوبون: سيكولوجية الجماهير، صـ133.
(2) محمد كمال القاضي: الدعاية والحرب النفسية، صـ 178.
(3) محمد فتحي يونس: صناعة الدكتاتور..... دراسة في أساليب الدعاية للقادة السياسيين، صـ 116.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تركيا: رجب طيب أردوغان.. -السلطان الأخير-!!


.. المغربي نبيل غايل يتسلق أعلى قمم الجبال في أفريقيا


.. ما هو أرق كورونا وكيف نتغلب عليه؟




.. كلمة الشيخ محمد بن راشد أمام قمة المناخ


.. التربية الإيمانية .. ما أسس التنشئة السليمة؟ | #كأنك_تعيش_أب