الحوار المتمدن - موبايل


الإعلام السلطوي ومغالطة الإلهاء(الرنجة الحمراء)

محمد عمارة تقي الدين

2018 / 4 / 28
الصحافة والاعلام


الإعلام السلطوي ومغالطة الإلهاء(الرنجة الحمراء)
دكتور محمد عمارة تقي الدين

هي واحدة من المغالطات المنطقية التي تقترفها كثير من وسائل الإعلام بحق مشاهديها، وتتجسد مغالطة الإلهاء أو الرنجة الحمراء Red herring في قيام تلك الوسائل الإعلامية بتناول موضوعات فرعية هامشية وغير هامة لتشتيت الانتباه عن الموضوع الأصلي(1) ، فيبدأ الرأي العام في الحديث عن الموضوع الهامشي ومناقشة أبعاده وتداعياته ومن ثم تموت القضية الأصلية وتضمحل.

ويُنسب اسم المغالطة(الرنجة الحمراء) لحيلة كان يستخدمها المُجرِمون الهاربون لتضليل كلاب الحراسة التي تتعقبهم، وذلك بوضع سمكة رنجة حمراء في طريق هروبهم، وبما أن هذا النوع من السمك له رائحة قوية ونفاذة فإنها تطغى على رائحة المجرمين فيصعب على الكلاب تمييز رائحتهم فيضلوا الطريق، أي أنه جرى التعمية على الهدف الأصلي بهدف آخر هامشي.

فعلى سبيل المثال تلجأ وسائل الإعلام في الأنظمة السلطوية إلى تسليط الضوء بشكل مكثف على قضايا وموضوعات غالباً ما تكون فنية أو رياضية أو فضائح جنسية لمشاهير وتكثيف الحديث عنها لتصبح الشاغل الأكبر للرأي العام ومن ثم يخفت الحديث عن الهم العام وقضايا المواطن والوطن وهمومه الجوهرية.

إذن فتلك المغالطة تُستعمل للتهرب من مناقشة أو تناول قضية ما عبر طرح قضايا خارجة عن الموضوع ومثيرة للجدل فتجد الرأي العام وقد نسي الموضوع الأصلي وانخرط في مناقشة الموضوع الآخر الغير جوهري(2).
ولعل إستراتيجية الإلهاء التي ذكرها ناعوم تشاومسكي ضمن الاستراتيجيات العشر التي يستخدمها الإعلام السلطوي في تضليل الشعوب هي ذاتها مغالطة الرنجة الحمراء، إذ يجري عبرها إلهاء انتباه العامة عن القضايا الهامة، من خلال تصدير كم كبير من الموضوعات والمعلومات التافهة التي من شأنها جعل الرأي العام مشغولاً بها على الدوام.

يقول بيير برديو:"يمكن للإعلام أن يقدم أحداثًا من شأنها تحويل الأنظار وإلهاء المشاهدين، إن الحواة والسحرة لديهم مبدأ أول يتمثل في جذب الانتباه نحو شيء آخر غير ذلك الذي يقومون به"(3) ، وهو يسميها لعبة المنع بواسطة العرض.
وهي قريبة جدًا من مغالطة تُدعى تجاهل المطلوب، فمثلًا لكي تتجاهل وسائل الإعلام المطالب الداعية لتغيير النظام الاستبدادي، تعمد إلى التحجج بأن كثير من الأنظمة المحيطة هي أنظمة استبدادية، ثم تتساءل: لماذا تسلطون الضوء فقط على نظامنا وتتجاهلون استبداد أنظمة أخرى، وما الدافع وراء طرحكم هذه القضية في ذلك التوقيت بالذات، ومن الذي يقف وراءكم(4) ؟ وهكذا، فتتفرع عن الموضوع الأصلي موضوعات فرعية تتكاثر حوله فتخنقه وتقتله في نهاية الأمر ويصبح هو والعدم سواء في وعي المُتلقِّي وضميره.

مراجع الدراسة:
(1) أحمد دعدوش، أساليب الدعاية المعاصرة..الغاية تبرر الوسيلة، مجلة البيان، العدد 238.
(2) عادل مصطفى: المغالطات المنطقية، صـ 63 وما بعدها.
(3) بيير بورديو: التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول، ترجمة درويش الحلوجي، دار كنعان للنشر، سوريا، الطبعة الأولى، 2004م، صـ 47.
(4) أحمد دعدوش: المغالطات المنطقية في وسائل الإعلام، دار ناشري للنشر الإلكتروني، الطبعة الأولى، 2014م، صـ 20.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فرنسا تطالب بوضع خطوط حمراء ضد موسكو


.. أندريه مورتازين: روسيا تحولت إلى قلعة للصمود ضد الولايات الم


.. اتفاق بين الصين والولايات المتحدة على تعزيز التعاون




.. قصة شارع- الأشهر في أمريكا.. شارع بنسيلفانيا


.. أقوى رجل في كازاخستان يحقق رقما قياسيا في تقويم حذوات الخيول