الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الهجرة نحو العالم الآخر

يحيى نوح مجذاب

2018 / 5 / 19
الادب والفن


الهجرة نحو العالم الآخر

إنّها امرأة متميزة، اختصرت بقوّتِها السِّحرية وحضورها الطّاغي قدرة عشرة رجال. واستطاعت بشخصيتها اللّامعة أن تَتَحدّى قوانين وأعراف المجتمع وكسرت قيوده التي جعلت من الأنثى ظِلاً مُستكيناً يحتمي خلف الرجال. لقد دخلتْ مُعترك الحياة غيرَ آبهةٍ بكلِّ مصاعبها.
عَمِلتْ بوظائف عدة بعضها حكومية وأخرى أعمالاً حرة.
كان همُّها تربية أولادها الصغار بعد أن رحل أبوهم مبكراً إلى دنيا الغيب دون أن يترك وراءه شيئاً سوى امرأة من حديد.
ابتنت لهم داراً يليق بهم وأدخلتهم المدارس والجامعات وشقَّت طريقها في دروب الحياة واثقةً كسيّدة مجتمع فُضلى.
دخلت مجالس الرجال ونزلت إلى الشارع وتعاملت مع صنوف البشر في الأسواق بثقة واعتدادٍ بالنفس. كانت تقود مركبتها بثقة مخترقةً زحام الشوارع بحرَفيّة عالية دون أن تفقد وقارها ورزانتها. فاحترمها الرجال والنساء على حدِّ سواء فليس في سلوكها وتفاعلها مع عالم البشر مُتقلِّبي الأطوار ما يعيب، لأنها استطاعت أن تتفاعل مع الجميع وتستوعب الجميع دون أن تثلب شخصيتها.
طيبة .. ودودة .. متحدِّثة.. لَبِقة، لا تخذل أحداً إذا طُلِبَ منها العون وطموحاتها لا حدود لها .... حيويتها تفوق الوصف والخيال رغم اقتراب خط عُمرها من الخمسين .. لم تنسَ واجبها في القِوام على المنزل الذي يضم بناتها وأولادها حتى الذين تعدّوا سنّ الثامنة عشر فهي تتصرّف معهم كأمٍّ وكأب. لم تتعب أبداً أو تملّ في مُقارعة مصاعب الحياة الكبيرة، لكنها فطنت على نفسها آخر المطاف عندما حمي وطيس السياسة في البلد الذي لوّث تركيبته طمع الغرب، ورأت صراع الأقوياء لا يُبقي ولا يذر، ويدفع ثمنه كل يوم، بل كل ساعة أبرياء الوطن الذين لا ناقة لهم ولا جمل في حرب الهويات المُخْتَرَعة، فقررت الهجرة إلى أرض الله الواسعة مُرغمة، لتهرب من جحيم البلد الذي لا يرتوِ من الدم. فشدّت الرحال إلى بلد قريب كخطوة أولى ومنه أرادت أن تنطلق إلى حيث الحرية والأمان فهيأت كل شيء؛ حقائبها... موافقات البلد المضيف... ما ادَّخرَتْهُ من مال. لكن ليس كل أماني البشر قابلة للتحقيق، ففي الصبيحة التي ستستلم فيها أوراقها لتطير هي وأفلاذ كبدها إلى بلاد الحرية استعجلها الرحيل إلى حيث الفضاء الأرحب، فكوكب الفناء لا أمل فيه للبقاء إلاّ لومضات بارقة فقط من لمحة الوجود، حتى تلك التخوم المُظَلَّلة بقوانين الحضارة المُسبغة بالحرية ودعة العيش. لقد اختارت لها الأقدار الرحيل النهائي حيث الصمت الأبدي الذي لن تسمع فيه بَعدُ انفلاق القنابل، أو تشهد أمام أعينها ظُلم الأفّاكِين.

يحيى نوح مجذاب








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عأساس بدّن يمدّوا كابل...????‍?? صار بدّن يصوروا ببيت عبدو و


.. الأبطال | الرواية الكاملة لتحرر 6 أسرى فلسطينيين من سجن جلبو


.. فنانون ونقاد يحتفون بحصد -الاختيار- جائزة الشارقة للاتصال ال




.. لويس ميغيل بوينو: الاستفتاءات الروسية هي مسرحية ولم يكن هناك


.. - علاقة اللغة بالتفاهم، في هذه الحلقة من واقعنا بين الأسئلة