الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الأخرق

يحيى نوح مجذاب

2018 / 6 / 18
الادب والفن


الأخرق

ضحكةٌ صفراءَ متعالية، وبطنٌ كبير أجوف اهتزَّ أكثر من مرة كلما أطلق العَنان لكفّه البهيمية وهي تنثر عشرات الأوراق الخضراء من دولارات الدولة العظمى المتفرِّدة بالعالم، لتنهال فوق الجسد الذي يتلوى رَقْصاً رخيصاً، غاب عنه الفن وسِمات الجمال، وفي جوٍّ غطَّتهُ سُحب الدُخان التي تنفُثها الأجواف العَطِنة التي ملأت المكان بالضجيج.
كان يبدو كبرميل قَميء يُوشك أن يتدحرج إذا لُطِمَتْ قَفاه، كائنٌ غابت عنه أبعاد الجسد الآدمية الجميلة خَلْقاً وخُلُقاً. شراهةٌ في الأكل أتَتْ على الأخضرَ واليابس الممتد على السُفرة. إنه لم يضع في الحسبان أن ما يندلِق في جوفه بدون مكيال سيُحيله إلى بهيمة مُجترَّة، أما نظرته البلْهاء المَمسوخة الملامح للأجساد العارية أوحت له خطأً بأنه هو الإنسان الأعلى بين مجموع البشر، وأنه الرجل المُحق بين جميع الخلائق، فهو يمارس فُحولته بما يُنفقه من مال، لا كما تفعل المخلوقات الأخرى حتى في مُستوياتِها الدُنيا في سلّم التطور الأحيائي من قَبول ورِضا ومشاعر حُب ورغبة. كان ثوبُه المُلتصِق بكرشه المكوّرة رغم سعته، ونِعاله الرخيصة التي يدوس فيها البلاط الأملس اللامع كلّما نهض من مجلسه وهو يُجاري الراقصات بحركات مشوّشة باقترابِه من حلقة الرقص التي تقودها هذه المرأة الماكرة وهي تدفع بصغيراتها إلى هذا الصيد الثمين، وهن يتمايَلْنَ ويهززن الأرداف بملابس الرقص الشفّافة التي عرّت كل شيء حتى دواخل الأنفس. كانت ألغادُه المُتَدلِّية على ياقته المُتَهدِّلة، وصِوان أذنيه المشنّفتين كأرنب خانس بين الأحراش هي بعض من مزاياه التي يمتلكها في سلّم تطوره الأدنى. ولا عيبَ في الجسد إن تقمَّص حُسن السجايا والخصال وفضائل الأخلاق لكن أن ينحدرَ كلّ شيء في رحلة تحقيق الذات وتقوقعها في بؤرة الأنا الضَّالة فتلك هي مُعضِلة الوجود ومأساة الخلق. كانت الموسيقى تنطلقُ بِنشاز من آلات العازفين الثَمِلين، وكادت أن تسقطَ إحدى الراقصات أرضاً عندما اختلّ عندها تناسق النغمة مع الحركات لكنها تداركت الأمر واستمرت بأدائها العبثي. قناني المشروب كانت تتقاطر عليه بلا رحمة وهو يُعَبِّئ جوفَه دون توقف إلّا عندما يختلس النظر ويصبّه بشبقٍ محموم نحو هذا اللّحم الأبيض المكدّس وهو يتماوج أمامهُ وينحسر تحت الطيَّات المُتَحرِّكة المُنسَابة لبدلات الشيفون والموسلين الملوّنة البرَّاقة التي غطَّت أجزاء قليلة من أجسادهن. وعندما لم يَعُد في جوفِه ثمة فراغ لقطرة أخرى فَقَد السيطرة على نفسه تماماً وانهار على المنضدة والزَبَد يتقاطر من جانبي فمه، ولم يعد هناك من بُد الّا بحمله خارج القاعة إلى الجُنَينة الجانبية حيث الهواء الطبيعي النقي لِيُرشّ على وجهِه الماء، لكنه لم يصحُ من غفوته حتى غادر الجميع المكان عدا المُحيطين به من صِحابه الماجنين.
عندما تغيب نفحاتُ الجمال في سرائرِ النفس وخبايا الروح، وانعكاسات الجسد ونشاطاته، والتعاطي مع الأفراد في مسالك الحياة بدقائقها ولحظاتها وساعاتها الممتدة، والتفاعل مع الأقران من بني آدم في السلوك اليومي، ماذا يتبقى إذاً من الهيكل الوافد إلى الوجود الحيّ سوى مادة فائضة وطاقة سلبية تَسلِبُ من صُروحِ الجَمال وعُنفوان القِمَم كلّ ما هو شُعاعٌ ونُورٌ مُستفيض لِتُعَرقِل شُموخُ البِناء ورحلةِ المُستقبل نحو الحَقيقة المطلقة المليئة بفيضِ الحُب وسموّ الحياة وسرمديتها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عأساس بدّن يمدّوا كابل...????‍?? صار بدّن يصوروا ببيت عبدو و


.. الأبطال | الرواية الكاملة لتحرر 6 أسرى فلسطينيين من سجن جلبو


.. فنانون ونقاد يحتفون بحصد -الاختيار- جائزة الشارقة للاتصال ال




.. لويس ميغيل بوينو: الاستفتاءات الروسية هي مسرحية ولم يكن هناك


.. - علاقة اللغة بالتفاهم، في هذه الحلقة من واقعنا بين الأسئلة