الحوار المتمدن - موبايل


المقالة الأدبيّة وآفاقها ...

سعيد عدنان

2018 / 6 / 18
الادب والفن


المقالةُ الأدبيّة ؛ هل طُويتْ صفحتها ، وأفل نجمها ، وذهب الذي كان لها ؟!
حين نشأت المقالة الأدبيّة عند مونتيني ( 1533 – 1592 ) كانت ضرباً من التأمّل ، وإدارة الكلام على نصوص قديمة ؛ جعل منها الكاتب كالمرآة يرى فيها نفسه ، وخلجات ضميره . كان مونتيني على جانب من أناقة الفكر ، وأناقة اللفظ ؛ تلتقي عنده روح الشعر ، بروح الفلسفة على مهاد من التساؤل والشكّ . وكان كلّما مضى مع هذا الضرب الجديد من الكتابة ؛ انبسط له الكلام ، ولانت جوانبه ، وزاد الماء فيه ؛ إنّه يكتب ليُعرب عن نفسه في اختلاف الأحوال عليها ؛ صنيعَ الشاعر إذ يُبين عمّا ينتابه .
غير أنّ المقالة ، حين ذهبت إلى إنكلترا ، وعالجها فرنسيس بيكون ( 1561 – 1626 ) ؛ مسّها شيء من الجفاف ، وكادت تصبح فكراً خالصاً . وإذا كان كلا الكاتبين ذا عرق في أرض الفلسفة ؛ فإنّ فلسفة مونتيني مغموسة بدم القلب ، وفلسفة بيكون ترصد الظواهر في اختلافها ، وتشابهها ، وتؤسس منهجاً جديداً في مزاولة العلم . وقد صبغت كلتا الفلسفتين كتابة صاحبها بصبغتها ؛ فجاءت مقالة مونتيني منسوجة من الفكر والعاطفة ، على اعتدال في المقادير ؛ على حين رجحت كفّة الفكر في مقالة بيكون ، وشالت كفّة العاطفة .
لكنّ الأدب الإنكليزي سيشهد ، في القرنين الثامن عشر ، والتاسع عشر ، أقلاماً تُعلي من شأن المقالة الأدبيّة ، كمثل : جوزيف أديسون ، وتشارلز لام ، ووليم هازلت ، وآخرين ممّن يعود بهم الميزان فيعتدل بين الفكر والعاطفة .
على أنّ من مزيّة المقالة الأدبيّة أن ليس لها قالب صارم الملامح ، كقالب القصيدة ، أو قالب القصّة ؛ وإنّما هي في جوهرها حديثٌ يُلقيه صديق إلى صديقه ؛ فيه الصدق ، والهدوء ، والبوح الخفي ، وضرب من التأمّل ، وشيء من المناجاة ؛ ثمّ لا بدّ أن يكون حديثاً ممتعاً .
وقد ارتبطت المقالة الأدبيّة بالصحافة ، واغتذت منها ؛ ما خلا مقالة مونتيني فإنّها نشأت في معزل عنها ، ونُشرت ، أوّل ما نُشرت ، في كتاب . غير أنّ أثر الصحافة لا يخفى في رسم ملامح المقالة ، وفي إشاعتها بين الناس .
ولم تعرف العربيّةُ المقالةَ الأدبيّة قبل القرن التاسع عشر ؛ وإن كانت قد عرفت ، من قبل ، في أعصر ازدهارها ، ضروباً من الكتابة تشبه المقالة بنحو ما ؛ كمثل الرسائل ، والفصول . نعم لم تعرفها ، بما هي عليه من شرائط ، إلّا حين اتّصل العرب بالغرب في طلائع النهضة الحديثة ، وعرفوا الصحافة ، فعرفوا معها المقالة . لكنّها كانت مقالة من دون فن ؛ كانت تتوخّى بسط الأفكار وشرح المعاني ، وأقصى ما تروم ؛ أن تتخفّف اللغة من ثقلها الذي ألقى به عليها عصر طويل من الجمود .
كانت العربيّة في القرن التاسع عشر ثقيلة الخطى ، يثقلها زمن راكد ، كثيرة الألفاظ ، قليلة المعنى ؛ فلمّا نشأت الصحافة ، وعُرفت المقالة ؛ أخذت اللغة تنفض ما ران عليها شيئاً فشيئاً ؛ فتهبط من المعجمات إلى حياة الناس ؛ لتعبّر عن أشيائهم ، ومشاعرهم ، وأفكارهم . ولقد كان من رادة ذلك ؛ رفاعة الطهطاوي ( 1801 – 1873 ) ؛ الرائد الأصيل الذي أحسن المواءمة بين تراثه العربيّ الإسلاميّ ، والثقافة الفرنسيّة ؛ فلانت العربيّة بين يديه ، واتّسعت ، واتّجهت نحو سبل العصر . ثمّ كان من أمر جمال الدين الأفغاني ( 1838 – 1897 ) ونزوله مصر ، ما كان ، فأيقظ الأنفس ، وشحذ الهمم ، وألقى في روع من حوله نزوعاً نحو التجدّد ، وأشاع ضرباً من العقلانيّة . كان في الحلقة التي انتظمت حوله ؛محمّد عبده ( 1849 – 1905 )، وأحمد لطفي السيّد 1872 – 1963 ) ، وآخرون ، وكلّهم أفاد منه شيئاً ؛ فقد كان محمّد عبده فقيهاً ، ولكنّه مع الفقه كان أديباً كاتباً ، يحبّ الشعر ، ويتذوّق الجياد من القصائد ؛ فأراد أن يجدّد النظر في البلاغة ، وقد أثقلتها نزعة عقليّة بعيدة عن جوهرها ؛ فأقرّ كتابي عبد القاهر : دلائل الإعجاز ، وأسرار البلاغة في الأزهر ، وأجرى دراسة البلاغة عليهما ، وأقرّ معهما درس الأدب ، وأسند القيام به إلى سيّد بن علي المرصفي الذي تخرّج به طه حسين ، وأحمد حسن الزيات ، ومحمود محمّد شاكر ، وغيرهم من أيمة البيان في مطلع هذا العصر . وكان محمّد عبده ، مع ذلك ، يكتب في شؤون الدين والعقيدة ، وكان يناظر من يرمي الإسلام من المستشرقين ، ويردّ عليهم أقوالهم ؛ وكلّ ذلك يقتضي منه عربيّة طيّعة قادرة على استيعاب الأفكار ، والإبانة عنها . وقد صحبه ، على أدبه وفكره ومكانته ، مصطفى لطفي المنفلوطي ( 1876 -1924 ) ووجد منه حدباً ورعاية ؛ فمضى يكتب نظراته ، وعبراته ؛ ويزيد من الفن في المقالة ، فلقي أدبه إقبالاً من جمهور القرّاء من أجل غزارة عواطفه ، وتلهّب مشاعره ، واستقامة ألفاظه .
أمّا أحمد لطفي السيّد فقد أخذ عن جمال الدين الأفغانيّ الجانب العقليّ ؛ ثمّ مضى به إلى غايته ؛ إذ ألّف ، وإذ ترجم ، وكان من الذين جعلوا العربيّة تسع الفكر الفلسفيّ حين ترجم جملة من آثار أرسطو . وكان قد عرف المقالة ، ومكانتها في الأدب الغربيّ ، وتشرّب هيكلها ؛ فلمّا أنشأ صحيفته ( الجريدة ) أتاح للمقالة حيّزاً كبيراً فيها . كان يبني مقالته التي ينشرها في ( الجريدة ) بناء رصيناً محكماً ، يهيئ لها الألفاظ الواضحة الفصيحة ، والجمل المتينة ، والفقرات المترابطة التي يأخذ بعضها برقاب بعض ، والمعنى الذي يتحدّر منها تحدّراً ؛ غير أنّه ، مع هذا كلّه ، لم يكن يتوخّى وجه الفن ، وإنّما هو يريد أن يُبين عمّا لديه إبانة صحيحة واضحة .
وكان ممّن كتب المقالة أيضا ، في أُخريات القرن التاسع عشر ، وأُوليات القرن العشرين ؛ ولي الدين يكن ( 1873 – 1921 ) فجعل منها مجلى نقد أراد به السياسة والمجتمع ، مع عناية حسنة بالألفاظ وبنائها . ومثله كان صنيع أحمد شاكر الكرمي ( 1894 – 1927 ) ، على قصر حياته ، فقد زاول المقالة ، وجعلها على جادّة النقد ، وتطلّب الإصلاح ؛ فكانت جمله قصيرة نافذة ، وكان أسلوبه نقيّاً صافياً لا كدر فيه ، قد جاءت ألفاظه مفصحة عن معناه . ولو امتدّ به العمر لكان كبير الشأن في المقالة .
وتخطو المقالة الأدبيّة ، في تلك السنوات الأولى من القرن العشرين ، خطوات فيها الإجادة في المحتوى ، وفي طريقة الأداء ؛ وقد نهض بجانب من ذلك محمّد السباعيّ ( 1874 – 1931 ) إذ كان على حسن بيان ، ومتانة نسج ، وتدفّق مشاعر . وكان من كتّاب صحيفة ( الجريدة ) . ومن آثاره في ميدان المقالة التي ضمّها في كتب : ( الصور ) ،و( السمر ) ، و( خواطر في الحياة والأدب ) ، و( مملكة الحبّ ).
وكلّ أولئك الكتّاب إنّما عبّروا عن عصرهم أحسن تعبير ؛ عبّروا عن المجتمع وما يضطرب فيه ، وعبّروا عن الأنفس وما ينتابها ، ويختلف عليها من حالات ، ثمّ إنّهم مرّنوا العربيّة ، ووصلوا أطرافها بأطراف العصر .
لكنّهم جميعاً كانوا كالتمهيد لمن سيبلغ بالمقالة الأدبيّة ذروة رفيعة ، ويجعل منها ، مدّة سنوات ، الفن الأدبيّ الأوّل ؛ أريد طه حسين ( 1889 – 1973 ) ، وأحمد حسن الزيّات ( 1885 – 1968 ) ، وإبراهيم عبد القادر المازني ( 1890 – 1949 )، ومصطفى صادق الرافعي ( 1880 – 1937 ) ، وعبّاس محمود العقّاد ( 1889 – 1964 ) ،وأحمد أمين ( 1886 – 1954 ) وأمثالهم ممّن هم في طبقتهم ، أو دونها قليلاً .
وقد كان من شأن طه حسين ؛ أنّه بدأ شاعراً يقول المنظوم في الأغراض السائدة يومئذٍ ؛ يُلقي القصائد في المحافل ، وينشرها في الصحف ؛ ويستصعب النثر ، وكان صاحبه الزيّات أوثق صلة بالنثر منه . ثمّ أدرك ضآلة نصيبه من النظم ؛ فمال إلى النثر مستصحباً روح الشعر معه ، وأخذ يكتب المقالة على ما استقر في صحيفة ( الجريدة ) من قالب لها ؛ لكنّه لم يكتف بصحّة الهيكل ، وترابط الفِقَر ؛ وإنّما بناها على ألفاظ متخيّرة ، وفكر متوثّب ، وعاطفة متّقدة ، وخيال رفيع ، وجعلها واسعة الميدان ، غير مقتصرة على منحى بعينه ؛ تمتدّ أطرافها من التاريخ القديم ، إلى الساعة التي هو فيها . وكلّ شيء متاح له أن يكتب فيه ؛ بل ما أن تمتدّ يده إلى أمر ما حتّى تدبّ فيه الحياة . وقد سارت مقالة طه حسين سيرورة عظيمة ؛ فكان إذا كتب ، وهو في القاهرة ، قرأ مقالته من في المغرب ، ومن في المشرق . ومقالته أدبيّة نقديّة في كلّ أحوالها ؛ كتب عن الشعر القديم ؛ فقرّب مداره من الناس ، وصار كتابه : ( حديث الأربعاء ) من معالم الأدب العربيّ في صدر القرن العشرين . وكتب المقالة مستمدّةً من الحياة ، كما يستمدّ الشاعر قصيدته ، أو القصصيّ قصّته ، فنشر ( من لغو الصيف إلى جدّ الشتاء ) ، و( جنّة الحيوان ) ، و( مرآة الضمير الحديث ) وغيرها .
أمّا الزيّات فإنّه مُعرق في مزاولة الكتابة ؛ يفتنّ في تجويدها ، وإقامتها على ضرب من الازدواج ، وعنصر من النغم . نشأ كصاحبه طه حسين على المائدة نفسها ؛ فاستوعب القديم ، شعراً ونثراً ، وضمّ إليه الأدب الأوربيّ ؛ فأقام مقالته على عنصري ؛ الأصالة والحداثة . ثمّ أراد أن ينشئ مجلّة أسبوعيّة ؛ تقوم أوّل ما تقوم ؛ على المقالة ؛ فأنشأ مجلّة ( الرسالة ) في سنة 1933 ، وبقيت تصدر عشرين سنة . ولقد شعر الزيّات أن الميدان متاح للمقالة ؛ فقد مضى كبار الشعراء ؛ كأحمد شوقيّ ، وحافظ إبراهيم ؛ ولم يبلغ أن يسدّ مسدّهما أحد ، ولم تكن القصّة قد استوت ، ولم يكن كتّابها قد بلغوا منزلة رفيعة في الأدب ؛ ولم يكن في الصدارة غير المقالة وكتّابها . فلمّا صدرت ( الرسالة ) أقبل عليها القرّاء في البلاد العربيّة كلّها ، وأحلّوها ، من أنفسهم ، منزلة سامية . وأينما سارت ( الرسالة ) سارت معها المقالة الأدبيّة . كان الزيّات يكتب الافتتاحية ، كلّ أسبوع ، وكانت أقلام طه حسين ، والعقّاد ، والمازني ، والرافعي ، وزكي مبارك ، ومحمّد عوض محمّد ، ومن في طبقتهم ؛ تزين صفحاتها . وكلّهم جمعوا مقالاتهم ، من بعد ، ونشروها في كتب ؛ وقد جمع الزيّات افتتاحيّات ( الرسالة ) ونشرها بكتاب عنوانه ؛ ( وحي الرسالة ) ، ذي أربعة أجزاء .
وقد كان من حميد أثر ( الرسالة ) ؛ أنّها أتاحت لجيل جديد من كتّاب المقالة أن ينشأ على صفحاتها ؛ كمثل علي الطنطاوي ، وشكري فيصل ؛ وكلاهما من سوريا . وكمثل زكي نجيب محمود ، وعبد المنعم خلّاف ، وآخرين من مصر .
لقد قُدّر للمقالة أن تسود في الثلاثينيّات والأربعينيّات ، وأن تزاولها خيرة الأقلام ؛ فتبلغ بها مبلغاً رفيعاً من الفكر والفن . بل إنّ من كتّابها البارعين في صياغتها من وضع كتاباً عنها كالذي صنعه محمّد عوض محمّد بتأليفه : ( محاضرات عن فن المقالة الأدبيّة ) .
وكان لا بدّ أن يتّضح الفرق بين ضربين من المقالة ؛ ضرب يؤدي أفكاراً ، ويكتفي من اللغة بفصاحتها ، وسلامة بنائها ، ويتطلّب تماسك الفِقَر ، ورجاحة الحجّة ؛ ومن أبرز أعلامه : أحمد لطفي السيّد ، وعبّاس محمود العقّاد . وضرب يريد من المقالة ، فوق ذلك ، أن تجري على سنن الأدب من حيث اللغة المبينة الناصعة ، والعاطفة التي تصاحب الفكر ، والخيال الذي يحسن التصوير ، والتفنّن في إدارة الكلام ؛ ومن أبرز أعلامه : طه حسين ، والزيّات ، والمازني . وبين تمام الضربين ؛ درجات من التفاوت .
وتعاقبت أجيال المقالة ؛ كلّ جيل يزيد شيئاً ، أو يأخذ في منحى جديد ؛ إذ استقرّت نوعاً أدبيّاً قائماً برأسه يختلف عمّا سواه . ولقد كان زكي نجيب محمود أبرز من كتب المقالة بعد طه حسين وجيله ، وأحسن الوقوف عندها مبيّناً ما ينبغي أن تكون عليه . ونهجه فيها ؛ أن تكون ناقدة ، فيها نغمات من السخط ، والتهكم ، وأن تكون حديثاً مرسلاً ، لا يتكلّف فيه المتحدّث أمراً ، ثمّ هو ، من بعد ، لا يثقل على السامع ، ومع ذلك ، لا بدّ لها من أن يجري في عروقها رمز خفيّ ؛ يتّسع به معناها ، ويبلغ به الكاتب المراد .ومن جياد ما أصدر من كتب مقاليّة : ( جنّة العبيط ) ،و( قصاصات الزجاج ) وهما من ذرى المقالة الأدبيّة في الأدب العربيّ الحديث .
على أنّ زكي نجيب محمود يكتب ضربي المقالة كليهما ، ويجيد فيهما ، ويجعل بينهما وشيجة لا تنقطع عنده ؛ ذلك أنّه يرسل في المقالة الأدبيّة أطيافاً من الفكر ، ويمدّ المقالة الفكريّة بنسغ من الفن . وإذا كانت المقالة الأدبيّة ، بشرائطها ، قد تضاءلت ، معه ، كلّما تقدّم به العمر ؛ فإنّ المقالة الفكريّة القائمة على عِرْق من الأدب بقيت وسيلته في التعبير ، والمخاطبة كلّ حياته . ولا ريب في أنّ ثوب الأدب قد منح مقالته الفكرية مزيداً من البيان الموضح ، وزاد من تمكينها لدى القرّاء ؛ على نحو ما تجلّى في كتبه : ( قيم من التراث ) ، و( رؤية إسلاميّة ) ، و( عن الحرية أتحدّث ) ، و( مجتمع جديد أو الكارثة ) ، و( قشور ولباب ) وفي غيرها .
لقد كانت مجلّة ( الرسالة ) مدرسة في أدب المقالة ؛ إذ رعتها ، وقامت عليها ، وأرست مكانتها لدى القرّاء ؛ وبقيت تمدّها بالغداء مدّة عشرين سنة . غير أنّ أحوال الأدب لا تفتأ في تغيّر ، وتبدّل ؛ من جديد يظهر ، وقديم يختفي ؛ فقد أخذت القصّة يتّسع مداها ، وتعلو منزلتها ، ويكثر كتّابها ؛ ويقبل القرّاء عليها ؛ ثمّ نشأ الشعر الحر ؛ وما لبث حتّى انتشر ، وكثر من يزاوله ؛ قراءة ، وكتابة ؛ وصار الناس يميلون إليه ، وإلى القصّة ؛ ونشأ جيل وجد أصداء نفسه في غير المقالة الأدبيّة ؛ فكان ذلك كلّه إيذاناً بتقلّص ظلّ المقالة الأدبيّة ، وخبو توهجها .
غير أنّ أشعّة المقالة الأدبيّة التي ألقتها مجلّة ( الرسالة ) وكتّابها الكبار ؛ قد وجدت في العراق من أحسن تلقّيها ، والانسجام معها ؛ ثمّ مزاولتها على رفيع شرطها ؛ حتّى إذا خبت في مصر ، أو كادت ، أنارت في العراق على قلم علي جواد الطاهر ( 1919 – 1996 ).
كان الطاهر قد نشأ ، أوّل ما نشأ ، على آثار طه حسين ، وعلى مجلّة ( الرسالة ) ؛ وقد أحلّ الكلمة الرائقة ، والعبارة المتينة ؛ منزلة رفيعة من نفسه ؛ ثمّ اتّسع أمامه المدى ؛ في القديم والحديث ؛ فكتب المقالة الأدبيّة ، والمقالة النقدية ، وزاوج بينهما . وكان ممّا أصدر في سياق المقالة : ( مقالات )، و( وراء الأفق الأدبي ) ، و( أساتذتي ومقالات أخرى ) ، و( الباب الضيق ) وغيرها . وكلّها على شريطة الفن في صفائه ، وحيويته ، ونزوعه الإنسانيّ . وقد اتّسمت مقالته ، مع هذا كلّه ، بالأصالة الدالة عليه ؛ من حيث اللغة وصياغتها ، ومن حيث الفكر ومغزاه .
على أنّ الطاهر كان يبدو وحده في ميدان المقالة الأدبيّة ، بعد مضي ( الرسالة ) وجيلها ؛ ولا ينفي ذلك أن تجري مقالة هنا ،أو هناك ، على عرق من الأدب ، أو يستريح شاعر من الشعر ، في ظلّها ؛ مثلما كان يقع لحسين مردان ، وسعدي يوسف ، ورشدي العامل ، ويوسف الصائغ ؛ ولكنّهم شعراء أوّلا .
غير أنّ شاعرين كتبا ضرباً من المقالة الأدبيّة يتاخم القصيدة هما ؛ نزار قبّاني ، ومحمود درويش ؛ فقد أصدر نزار قبّاني : ( الشعر قنديل أخضر ) ، و( العصافير لا تطلب تأشيرة دخول ) ، وأصدر محمود درويش : ( يوميات الحزن العادي ) ، و( في إثر الفراشة ) ؛ لكنّهما شاعران أوّلا .
أتكون المقالة الأدبيّة قد طوت صفحتها ؟! فإن تكن ؛ فقد خسر الأدب ضرباً رفيعاً من الكتابة ...!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما