الحوار المتمدن - موبايل


المؤرخون الجدد وتقويض الأطروحات الصهيونية(2)

محمد عمارة تقي الدين

2018 / 6 / 19
القضية الفلسطينية


المؤرخون الجدد وتقويض الأطروحات الصهيونية(2)
دكتور محمد عمارة تقي الدين
كنا قد توقفنا في المقال السابق عند أطروحات البروفسير شلومو ساند باعتباره أحد المؤرخين الإسرائيليين الجدد الذين قوضوا بأبحاثهم العلمية المقولات الصهيونية التي تأسس عليها الكيان الصهيوني وفضحوا زيفها.
والآن لننتقل للحديث عن مؤرخ آخر وهو آفي شلايم (Avi Shlaim) والمولود في بغداد لعائلة يهودية ثرية عام 1945م، وهو يعيش الآن خارج إسرائيل، ويكتب في الجارديان البريطانية، ومن أهم مؤلفاته " الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي" (The Iron Wall: Israel and the Arab World).
يؤمن شلايم بفكرة إقامة دولة واحدة لليهود والفلسطينيين على أرض فلسطين، ويوجه نقده للأساطير التي عمقتها الصهيونية في الوعي اليهودي بل والعالمي للترويج لأطروحاتها، وهو أحد الموقعين على بيان إدانة المذابح ضد الفلسطينيين في غزة في عدوان 2009م، وهو البيان الذي وقعه أكثر من 300 أكاديمي ونشرته الجارديان في يناير 2009م.
وبعد اندلاع ثورات الربيع العربي هاجم آفي شلايم الحكومات الإسرائيلية بأنها تدعم الأنظمة الديكتاتورية وتحول دون قيام حكم ديمقراطي في المنطقة على عكس ما كان يروج له بن جوريون بأن إسرائيل جاءت لنشر قيم الديمقراطية في الشرق الأوسط.
في أكتوبر من العام 2015م،كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد هاجم الحاج أمين الحسيني مفتي القدس الأسبق زاعمًا أنه من حرّض الزعيم النازى هتلر على إبادة اليهود، إذ قال نتنياهو: " لقد أخبر هتلر الحسيني أنه يريد طرد كل اليهود من القارة الأوروبية، فأجابه الأخير: سينتقلون إلى فلسطين بل أحرقوهم "، وقد هاجمه يهود كثيرون مؤكدين أن كلامه لا يقوم على أي سند تاريخي، فالوثائق التاريخية تدحض ذلك الادعاء، كما أن المحرقة قد بدأت قبل هذا اللقاء بكثير.
هنا تدخل آفي شلايم مدافعًا عن الحاج أمين الحسيني حيث قال: " لم يكن الحسيني لديه أدنى تعاطف مع أيديولوجية ألمانيا النازية، وإنما جاء تحالفه معهم أثناء الحرب كتصرف براجماتي ولصالح شعبه، فالصهاينة كانوا العدو وألمانيا كانت عدوًا لليهود ، وهناك مقولة تذكر أن عدو عدوي هو صديقي".
ومن المقولات التي تترد عن آفي شلايم قوله: " لم تكن أرضًا بلا شعب، لشعب بلا أرض" مكذباً الرواية الصهيونية التي رفعت شعار (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) فهو طرح زائف عمقته الصهيونية في وقتها في الوعي العالمي بحجة أنه طالما أنهم شعب بلا أرض (اليهود) فهناك أيضًا أرض بلا شعب (فلسطين) وعلى العالم أن يساعدهم لكي يستوطنوها.
يؤكد شلايم أن ما ارتكبه الصهاينة بحق الفلسطينيين هو تطهير عرقي بكل المقاييس كما أن أكثر من 700 ألف فلسطيني وهو ما يعادل نصف السكان العرب أصبحوا لاجئين بسبب تلك الممارسات الإجرامية.
لقد تم ذلك ضمن ما يعرف بالخطة (داليت) (Plan Dalet) تلك الخطة الإجرامية التي وضعتها العصابات الصهيونية في فلسطين إبان أحداث عام 1948م، والتي بموجبها تم طرد الفلسطينيين من أرضهم عبر إعمال التدمير والقتل وارتكاب المذابح بحق هؤلاء الفلسطينيين لدفعهم للفرار من القرى تاركين منازلهم وأرضهم خلفهم ليتأسس واقع جديد يكون اليهود فيه هم واضعي أيديهم على الأرض ومن ثم يأتي المجتمع الدولي المنحاز دائمًا لإسرائيل ليعترف بهذا الواقع.
كما أدان شلايم الهجوم الصهيوني المتكرر على غزة واعتبره هجوماً بربرياً، ورأى أن شارون كان يمثل النمط الوحشي الاستعماري الكامن في الفكر الصهيوني، وأن فلسطين كانت بمثابة (تعويض) إذ قدمتها أوروبا لليهود تكفيراً عن جريمة الهولوكوست.
يذهب شلايم إلى أن إسرائيل تسير في الاتجاه الخاطئ وأنه يوماً ما سيدرك الإسرائيليون أن أمن دولتهم لا يمكن الحفاظ عليه عبر اللجوء للقوة المفرطة والممارسات المتوحشة بل بالسلام العادل والتفاهم المتبادل، مؤكداً أن سياسات إسرائيل العدوانية هي ما منعت وأحبطت أي فرصة لتحقيق سلام حقيقي مع جيرانها العرب.
يعترف شلايم أن لليهود تاريخ طويل من المعاناة عبر العصور، لكن الذي حدث في العام 1948م أنهم قاموا بدور الجلاد الذي تصرف بوحشية ضد الفلسطينيين، فقد تبدل موقعهم من الضحية إلى المجرم.
وقد زار شلايم المملكة العربية السعودية وألقى محاضرة في مركز الملك فيصل للأبحاث والدراسات الإسلامية وأعلن من هناك تأييده للمبادرة العربية التي تنص على اعتراف عربي شامل بإسرائيل وإقامة علاقات بين الطرفين مقابل انسحابها من الأراضي العربية المحتلة في 1967، والسماح بإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.
ويعد الروائي الإسرائيلي ألون حيلو (Alon Hilu)، وكما يذهب جعفر حسن، واحدًا من المؤرخين الجدد، إذ عبر أعماله الروائية أعاد توثيق ما قامت به الصهيونية في فلسطين من جرائم جرت محاولات كثيرة لطمس معالمها، وهو ينطلق من رؤية مفادها: إذا لم نُقِّر بما جرى من مذابح بحق الفلسطينيين ومن ثم الاعتراف بحقوقهم ومنحها لهم كاملة فإن مصيراً كارثياً بانتظار إسرائيل في المستقبل، يقول (حيلو): " إن حالة إسرائيل اليوم مثل قطار يسير بسرعة في الاتجاه المعاكس، وإذا لم نعترف بما ارتكبناه من مذابح فسيكون مصيرنا الارتطام ".
وتعتبر رواية (بيت دجاني) هي الأشهر من بين أعمال (حيلو)، فالرواية تجسد في إطار روائي سردي عملية استيلاء اليهود على أراضي الفلسطينيين، فالمستوطن اليهودي حاييم مرجليوث وهو أحد أبطال الرواية لا يشغله سوى أمر واحد طوال الوقت وهو كيفية طرد الفلسطينيين من أرضهم والاستيلاء عليها، وقد صوّره (حيلو) قواداً ومخادعا وانتهازيا وكذاباً لا يتورع عن اللجوء للرشوة والابتزاز لتحقيق أهدافه، في المقابل تجد الشاب الفلسطيني صلاح دجاني وعائلته يدافعون عن أرضهم باستماتة كبيرة، غير أنهم فقدوها في نهاية الأمر وموقعها الآن شرق تل أبيب حيث بنت العصابات الصهيونية مكانها أبراج أزريلي الشهيرة.
ولم يسلم (حيلو) من هجوم مؤيدي الفكر الصهيوني عليه فقد اتهموه بأنه معاد للسامية وأنه يردد أطروحات المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد.
إذن فهؤلاء هم أبرز المؤرخين الجدد من اليهود الإسرائيليين الذين دحضوا الرواية الصهيونية التاريخية عبر مجموعة من الأبحاث الموثقة، والحقيقة أنه يمكن اعتبارهم امتداداً لمفكرين يهود كبار سبقوهم في هذا المجال.
لعل أبرزهم المفكر الكبير روجيه جارودي وتحديداً في مؤلفه الرائع (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية) الذي أكد فيه كيف وأن الصهيونية قدمت قراءة منحرفة للدين اليهودي في محاولة لإضفاء المشروعية الدينية على أساطيرها السياسية التي أقامت عليها دولتها تلك الدولة التي لا تعدو كونها استعماراً استيطانياً إحلالياً، كما شكك جارودي في أرقام الضحايا التي ادعت الصهيونية أنها قضت في المحرقة (الهولوكوست) مؤكداً أن رقم ستة ملايين يهودي هو رقم مبالغ فيه جداً، كما أن الضحايا لم يكونوا يهوداً فقط بل هناك الغجر والسلاف وغيرهم، فشنت الصهيونية العالمية هجمة شرسة عليه بدعوى معاداة السامية ومنعته من نشر كثير من أبحاثه.
ومن هؤلاء أيضاً تأتى المفكرة الألمانية اليهودية حنا أرنت Hannah Arendt (1906ـــ 1975)، ففي الخمسينيات من القرن المنصرم بدأت تنتقد فكرة إقامة دولة لليهود باعتبارها خلطاً متعمداً بين الديني والقومي، ومن أشهر أعمالها كتاب (إيخمان في القدس) (Eichmann in Jerusalem )، وقد كان أدولف إيخمان هذا أحد رجال هتلر النافذين وهو، وفقًا للزعم الصهيوني، المسئول عن إعدام كثير من اليهود في ألمانيا النازية، وقد قام الموساد الإسرائيلي باختطافه ونقله للكيان الصهيوني حيث جرت محاكمته محاكمة هزلية ومن ثم تم إعدامه، وقد ذهبت أرنت إلى أن تلك المحاكمة والبروباجندا التي شنتها الدولة الصهيونية حولها ما هي إلا إستراتيجية صهيونية خادعة لتوظيف المحرقة النازية " الهولوكوست " برجماتياً وسياسياً لكسب التعاطف الدولي مع الكيان الصهيوني ولابتزاز العالم الغربي ماليًا وسياسيًا.
بل وفضحت أرنت التشابه الكبير فيما بين الصهيونية والنازية من حيث العنف الكامن في كلا الأيديولوجيتين، كذلك العلاقة الوثيقة بينهما، إذ كانت علاقة برجماتية نفعية بامتياز، فالاثنان كان هدفهم النهائي واحداً وهو طرد اليهود من أوروبا ودفعهم نحو التوجه إلى فلسطين لإقامة وطن قومي يهودي هناك، ومن ثم تعاونا لإنجاز هذا الهدف وتلك الغاية.
ومما يجدر ذكره هنا أن حنا أرنت نفسها قد فرّت من ألمانيا عام 1941م هروباً من الاضطهاد النازي ومن ثم توجهت للولايات المتحدة الأمريكية حيث أقامت بها، وهي فيلسوفة وتلميذة لكل من الفلاسفة الكبار هيدجر وهوسرل وياسبرز، وقد قدمت أرنت إنتاجاً فكرياً وفلسفياً رائعاً وعميقاً حول تحليل الشر الإنساني المتفشي في ظل الأنظمة الشمولية وتفكيك أسسه غير أنه ليس موضوعنا هنا، فله حديث آخر.
وهناك نورمان فلينكشتاين المفكر اليهودي الأمريكي ومؤلف كتاب "صناعة الهولوكوست"، الذي أكد أنه يجري استغلال الهولوكوست وتوظيفه لتمويل إسرائيل ودعمها عبر ابتزاز دول العالم الغربي، تأتي تصريحاته هذه على الرغم من أن والديه كانا من ضحايا أحداث الهولوكوست، يقول فلينكشتاين بهذا الشأن:" ليس هناك أحقر من استغلال معاناة آبائي واستشهادهم لأبرر التعذيب والدمار الذي ترتكبه إسرائيل يومياً بحق الفلسطينيين"، كما دعا الفلسطينيين لهدم جدار الفصل العنصري بالمعاول عملاً بقرار محكمة العدل الدولية الذي اعتبره جداراً غير شرعي.
يقول فلينكشتاين: " وفقاً لمبادئ القانون الدولي فإن للفلسطينيين كل الحق بمقاومة الاحتلال سياسياً وعسكرياً، والمفاوضات بين السلطة وإسرائيل لا تعدو كونها مضيعة للوقت، وإنما يتم التوجه للمفاوضات بعد كسب المعركة في الميدان مثلما حدث في التجربة الجنوب إفريقية".
وبسبب مواقفه تلك ونتيجة لضغوط اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة تحديداً تم فصله من جامعته بشيكاغو في عام 2007 م.
حاول فلينكشتاين دخول فلسطين إلا أن السلطات الإسرائيلية قامت بترحيله بمجرد وصوله إلى مطار بن جوريون، ومن ثم توجه للبنان ليواصل أداء رسالته المتجسدة في فضح ممارسات الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين.
وتضم القائمة البروفسير يشعياهو ليبوفيتش، والذي أكد عبر أبحاثه على النزعة النازية الكامنة داخل الشخصية اليهودية الإسرائيلية، والتي تتبدى في معاملتهم للفلسطينيين، مؤكداً أن إسرائيل لن تتوانى عن بناء معسكرات إبادة جماعية على غرار الهولوكوست لهؤلاء الفلسطينيين بغرض الخلاص النهائي منهم إذا ما وجدت ظروفاً مواتية: داخلية وخارجية لفعل تلك الجريمة.
وهي استنتاجات أكدتها الوقائع التاريخية، ففي أحداث 48م تصرف الصهاينة بالفعل كالنازيين فارتكبوا مذابح بشعة ضد الفلسطينيين، وهي المذابح التي اعترف بها أهارون زيسلينج (Aharon Zisling) وزير الزراعة الإسرائيلي الأسبق، إذ كان عضوًا بعصابات الهاجاناه الصهيونية، حيث قال:"لم أتمكن من النوم طوال الليل، ما جري يؤلم روحي، فقد أخذ اليهود بدورهم يتصرفون كالنازيين وهو ما يفجرني من الداخل".
وربما يقدم لنا علم النفس تفسيراً لهذا العنف الصهيوني الذي يأتي في سياق محاولة الخلاص من إرث عذابات الماضي عبر التنفيس باتجاه آخرين (الفلسطينيين)، أي أن تتقمص الضحية دور الجلاد لإحداث تفريغ نفسي لعقدها وصراعاتها الداخلية، من هنا كان وصف إدوارد سعيد للفلسطينيين بأنهم ضحايا الضحايا.
وبالعودة لسياق موضوعنا فهناك الكاتب المجري اليهودي آرثر كوستلر، مؤلف كتاب"إمبراطورية الخزر، القبيلة الثالثة عشرة " الذي توصل عبر صفحاته إلى حقيقة مفادها أن اليهود الحاليين هم أحفاد الخزر الذين تهودوا في القرن العاشر الميلادي وليسوا أحفاد اليهود القدامى، وبالتالي فالادعاء الصهيوني بأحقيتهم في فلسطين هو إدعاء كاذب وتدحضه الحقائق التاريخية.
فالقائمة طويلة إذ تضم كل من بوعز عفرون وإسرائيل شاحاك وناعوم تشومسكي وغيرهم مما لا يتسع المجال لذكرهم هنا.
وفي التحليل الأخير يرى البعض أن ظاهرة المؤرخين الجدد هي جزء من تيار ما بعد الصهيونية الهادفة لتقويض المقولات الأساسية للحركة الصهيونية، كما ترى أنه يجب اعتبار إسرائيل دولة مدنية تحكمها قيم الديمقراطية بتجلياتها العلمانية، وبالتالي نزع القداسة الدينية الزائفة التي كانت قد أضفتها الحركة الصهيونية عليها .
لكن ما يعنينا هنا هو، وكما سبق القول، كيف نستفيد من تجربة هؤلاء المؤرخين الجدد؟ كيف نوظف أبحاثهم في شن دعاية مضادة ضد الصهيونية والنزعة الاستعمارية الإجرامية الكامنة داخلها؟ كيف نعيد تجذير جرائمها وقت تأسيس الكيان الصهيوني في الوعي العالمي وإعادة إحيائها كجرائم لا تسقط بالتقادم؟
وإذا كانت المقولة الرائجة تقول: " اليهود لا يصنعون الأحداث بل يستغلونها عن وقوعها" ، فهل يمكن بذات المنطق توظيف هذه الظاهرة،ظاهرة المؤرخين الجدد، في خدمة قضيتنا، فهو حدث قد وقع بالفعل فلماذا لا نحسن استغلاله؟ أم سنظل في موقف المتوجس والمرتاب من كل ما يقدمه اليهود من إنتاج فنرفضه بجملته دون أن نفرق بين يهودي وصهيوني.
إذ لا يجب أن نضع هؤلاء المؤرخين في سلة واحدة، فالتعميم المتسرع واحدة من المغالطات الفكرية التي أصابت العقل العربي في مقتل، فبيني موريس ليس شلومو ساند، الأول تراجع عن أطروحاته وانتهى به الأمر مرتمياً في أحضان المشروع الصهيوني(ومع ذلك تبقى أبحاثه الأولى ذات دلالة وأهمية)، في حين ظل الثاني متمسكاً بمواقفه بل وازداد رفضه للممارسات الصهيونية الإجرامية بمرور الوقت.
فالتعميم المتسرع قاد البعض لأن يعتبر المؤرخين الجدد بجملتهم امتداداً للفكر الصهيوني وليسوا خروجاً عنه، وأن هدفهم هو تأمين استمرارية الكيان الصهيوني وتطبيعه داخل محيطه العربي الرافض له عبر إعلان التبرؤ من أفعال الماضي ومن ثم حقهم في بدايات جديدة، من هؤلاء المفكر الفلسطيني عبد القادر ياسين الذي يؤكد أن هؤلاء المؤرخين ما هم إلا محاولة لغسل التاريخ القذر للكيان الصهيوني وتنظيفه من الملوثات، وهو قول يتجاهل الكثير من الحقائق كما يضعهم في سلة واحدة دون تفرقة بين جيدهم ورديئهم.
أياً ما يكن الأمر فهم تعبير عن مرحلة انهارت فيها الأطروحات الصهيونية ولم تعد قادرة على مواكبة تطورات واقع ما بعد الحداثة في صيغته الراهنة حيث لا حقائق ثابتة على الأرض وإنما محاولات يائسة للوصول إليها ومن ثم يجب إعادة النظر في كل شيء.
كما أنهم تعبير عن جانب من المأزق الأخلاقي الذي يعيشه قاطني الكيان الصهيوني نتيجة ما تم ارتكابه من مجازر بحق الفلسطينيين، وهو ما يعزز أن إسرائيل كيان قلق بكل ما تحمله الكلمة من معنى: صراع ديني/ علماني، وصراع ديني/ ديني، وعرب داخل الكيان الصهيوني لم يتم استيعابهم بعد بل يزداد رفضهم لهذا الكيان الغاصب، وانبثاق جيل جديد من الإسرائيليين فاقد للثقة في كل شيء، حتى السرديات الصهيونية اهتزت بشكل كبير إذ أضحت مجرد أساطير، فالرواية الأخلاقية لإسرائيل كيهود جاءوا لنشر قيم التحضر ثبت كذبها، والصهيونية انكشفت أوراقها كحركة استعمار وليس حركة تحرر، وأمراض نفسية تتزايد بين الإسرائيليين رغم كل وسائل الترفيه المتاحة بل أصبحت بمثابة (كابوس مكيف الهواء) إذا جاز لنا أن نستعير من ميللر، وتوجه متزايد داخل المجتمع الصهيوني نحو أقصى اليمين الديني ومحاولة انقضاض هذا اليمين اليهودي المتطرف على ما تبقي من مظاهر ديمقراطية داخل الدولة، فهي إذاً متناقضات بنيوية أوشكت على أن تفجر الأوضاع من الداخل، ولعل مقولة لورانس ماير ذات دلالة كبيرة هنا والتي نصها: " إن الخطر الأعظم الذي يهدد إسرائيل لا يكمن في خارج حدودها، ولكن في داخل روحها ونفسها ".
وعلينا أن ندرك أن ظاهرة المؤرخين الجدد لا تعدو كونها نخبة من المثقفين قليلة العدد إذ لا تمثل قطاعاً عريضاً ذو جماهيرية في الداخل الصهيوني، فالصفة الغالبة على هذا الكيان هي توجهه نحو مزيد من التشدد (بشقيه الديني والعلماني) بمرور الوقت ومن ثم تبني أقصى أطروحات العنف ضد الفلسطينيين، فالمتشددون(وهم كثرة) يريدون إسرائيل دولة يهودية، في حين يرى بعض هؤلاء المؤرخين ومؤيديهم(وهم قلة) أن إسرائيل يتحتم أن تكون دولة لكل مواطنيها، بغض النظر عن انتمائهم الديني أو العرقي وإلا فقدت استمراريتها ووجودها.
والسؤال الذي يطل برأسه الآن: أين دور المؤرخين العرب؟ أين إنتاجهم البحثي في هذا المجال؟ حقيقة أن المؤرخ العربي يعاني نقصاً حاداً في الوثائق التاريخية، فالحكومات العربية لم تكشف عن وثائقها بعد، ومع ذلك يمكنه أن يعمل مستفيداً من الوثائق الأوروبية والتاريخية القديمة، ليقدم أبحاثاً جادة من شأنها كشف جوانب المأساة الفلسطينية في الصراع العربي الصهيوني، شريطة أن تقوم مؤسساتنا بترجمتها للإنجليزية ونشرها عالمياً، ذلك أمر لا مفر منه حتى لا نظل نخاطب أنفسنا طوال الوقت متموضعين في دور المفعول به دائماً.
وهو عمل يعززه الحق في هذه الأرض، والأمل في عدالة قادمة لا محالة، فها هو المستعمر الصهيوني تضربه موجات قلق كبيرة جراء شعوره الدفين أنه مغتصب لتلك الأرض رغم مرور كل هذه السنوات، علينا إذن أن نعتبرهم مجرد عابرين كما علمنا الشاعر الكبير محمود درويش ومن ثم سيأتي اليوم ليرحلوا، فالاحتلال وكما يقول الرائع جمال حمدان سيظل جملة اعتراضية في حياة الشعوب.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. على أصغر وسيلة نقل.. مغامر أسترالي يقطع مسافة 4 آلاف كيلومتر


.. وزير الخارجية الجزائري يبحث في طرابلس العلاقات الثنائية بين


.. النيابة المصرية تواصل تحقيقاتها في حادث قطار طوخ | #رادار




.. قيس سعيد: صلاحياتي كقائد القوات المسلحة تشمل قوات الأمن | #ر


.. رئيس وزراء بريطانيا يلغي زيارة للهند بسبب مخاوف كورونا | #را