الحوار المتمدن - موبايل


.. وهبَ الشعرَ حياته، فضمن له الشعرُ الصدارة والخلود !

سليمان جبران

2018 / 7 / 8
الادب والفن


.. وهبَ الشعرَ حياته، فضمن له الشعرُ الصدارة والخلود !
مقابلة مع بروفسور سليمان جبران
أجرى المقابلة:ا د. حسين حمزة
[من كتاب "ملفّات الذات" الذي سيصدر قريبا]
س.1. هلّا حدّثتنا عن بداية إهتمامك بالأدب العربي الحديث؟
ج. اهتمامي بالأدب، وبالشعر خاصّة، بدأ في الواقع قبل دخولي المدرسة. ذكرتُ في موضع آخر أنّا تربّينا في بيت يقدّس الشعر والشاعر. هكذا نشأنا على حبّ الشعر قبل دخولنا المدرسة. كان بيتنا في طفولتنا "سوقا" للشعر والمساجلات الشعريّة، فنشأنا على حبّ الشعر وحفظه. قبل معرفتنا الدنيا وما فيها من معارف وفنون.
في المدرسة الثانويّة زاد اهتمامي بالعربيّة بوجه خاصّ. بدأتُ بكتابة الشعر، وقرأتُ كلّ مجموعة شعريّة طالتها يدي. من المعاصرين، والقدماء أيضا. أُعجبتُ يومها جدّا بالشاعر المصري محمود حسن إسماعيل. قرأتُ كلّ مجموعة شعريّة استطعتُ الحصول عليها لهذا الشاعر. مازلت حتّى في هذه الأيّام أحنّ إلى قصائده الرومانسيّة الأخّاذة. أذكر أنّي نسختُ مجموعة "هكذا أغنّي" كاملة بخطّ يدي. حتّى في هذه الأيّام، ما زالت قصيدة "الذهول"، والصورة المرفقة بها، مطبوعتين على لوحة ذاكرتي !
أنهيتُ الثانويّة في حزيران، وبدأتُ التعليم، طبعا في المدارس الابتدائيّة، في تشرين الثاني من السنة ذاتها. وفي كلّ مدرسة ابتدائيّة عملتُ فيها، كنتُ أعلّم اللغة العربيّة، بكلّ فروعها طبعا، للصفوف العليا.
ويوم تسنّى لي دخول الجامعة، وجدتُني أختار دراسة اللغة العربيّة وآدابها دونما تردّد أو تفكير. أبْعد مطامحي كان تعليم العربيّة في مدرسة ثانويّة لا أكثر. لكنّ الأيّام ساقتْني في طريق آخر، في رحاب العربيّة ذاتها. لم تكنْ قراءاتي يوما تنحاز للحديث أو القديم من الشعر العربي. حتّى في الجامعة، علّمتُ الشعر الحديث، والشعر الكلاسيكي في الوقت ذاته، بنفس الإخلاص ونفس المتعة !
لكنْ في نهاية دراستي اللقب الثاني، في الجامعة العبريّة في القدس، كان عليّ أن أحزم أمري وأقرّر مصيري، باختيار مجال تخصّصي. لم يكنْ من السهل عليّ اختيار منحاي: اللغة، الأدب الكلاسيكي، أم الأدب الحديث؟ الظروف هي التي ساقتْني أخيرا إلى الأدب الحديث، وإلى الفذّ أحمد فارس الشدياق، وكتاب "الساق على الساق.." بالذات !
س.2. كنتَ مشاركًا في المشهد الأدبي المحلّي في الستّينات من القرن الماضي، ما هي أهمّ ميزات أدبنا المحلّي في رأيك ؟
ج. في تلك الأيّام البعيدة كنتُ موقنا أنّي سأحترف الشعر. كان الشاعر في نظري يومها غاية الطموح الفنّي. لكنْ يبدو أنّ الشعر يصعب عليه مجاورة التعليم. الشعر لا يرضى بضَرّة تقاسمه الإخلاص والهوس، كما تبيّن لي لاحقا. هكذا انتقلتُ، بعد دراستي في الجامعة، من كتابة الشعر إلى نقده، وإنْ كان الشغف القديم ذاك ما زال مقيما في داخلي.
ميزة أدبنا المحلّي، شعرا وقَصصا، أن يأتي بالجديد، فيعكس الحياة الجديدة لعرب هذه البلاد. قيمة الأدب في نظري هي في اجتراح فضاء جديد؛ ما يُملي بالضرورة أسلوبا أو لغة جديدة نضرة. لذا كان الأدب عندنا، حتّى الستينات، منتَجا أصيلا، جاء بالجديد على الأدب العربي المعاصر. صحيح أنّ النقّاد العرب بالغوا في الستّينات في قيمة أدبنا المحلّي، وقد "اكتشفوه" بعد قطيعة طويلة فجأة، إلّا أنّ الشعراء المجيدين من تلك الفترة ما زالوا، حتّى في هذه الأيّام، علامات بارزة على طريق الشعر العربي الحديث. على كلّ حال، القَصص في رأيي لابدّ أن يتصدّر المشهد الأدبي في هذه الأيّام. لكنْ لا يرتقي الأدب إلّا إذا جاء بالجديد المتميّز، ثيمة وقالبا طبعا.
س.3. مِن أهمّ إصداراتك كتابك الأخير "نظم كأنّه نثر، محمود درويش والشعر العربي الحديث"، لماذا نشرتَ كتابك بعد وفاة درويش ؟
ج. عرفتُ محمود في مدرسة ينّي الثانويّة في كفرياسيف. لم يكن في صفّي. كان في صفّ أخي المرحوم الشاعر سالم جبران. وعن كثب في بضع سنوات أواخر الستّينات، في حيفا. يومها كنتُ معلّما أعزب في الدالية ، ومقيما في حيفا. وكان محمود محرّرا في "الاتحاد".
لم أرغب في الماضي، ولا أرغب اليوم، في نقد شعر الأصدقاء، فتشوبه المجاملات و"الإخوانيّات". أو هكذا يمكن أن يعتبره القارئ، ربّما. محمود في رأيي أفضل شاعر عربي بعد الحرب العالميّة الثانية. حياته كلّها كرّسها للقراءة الجادّة ولكتابة الشعر الراقي.. لم يفلح مرّتين في الزواج .. وهب الشعر حياته كلّها.. فضمن له الشعر الصدارة والخلود!
على كلّ حال، في الكتاب مقالة واحدة نشرتُها قبل وفاته، تناولتُ فيها صورة الأب المتحوّلة في شعره. إلّا أنّ المقالة المذكورة نُشرتْ يومها في الإنجليزيّة، ولا أظنّ معظم القرّاء العرب اطّلعوا عليها يوم نُشرتْ.
س.4. لقد صدّر للكتاب الباحث الفلسطيني المرموق فيصل درّاج. ما هي علاقتك به ؟
ج. عجبتُ أنّ كثيرين عندنا سألوني عن الدكتور فيصل درّاج، كاتب المقدّمة. الدكتور درّاج منّا وإلينا. كاتب ومفكّر فلسطيني كبير. ولد الأستاذ درّاج في قرية الجاعونة الفلسطينية، قرب صفد، سنة 1943. عاش فترة طويلة بعد 48 في دمشق، وحصل على الدكتوراه من فرنسا في موضوع الاغتراب. له عشرات الكتب في الفلسفة والفكر، منها مثلا: الحداثة المتقهقرة؛ طه حسين وأدونيس، نظريّة الرواية والرواية العربيّة، الرواية وتأويل التاريخ، ذاكرة المغلوبين .. ومئات المقالات في الفكر والأدب.
أمّا علاقتي به فهي صداقة عريقة منذ سنين طويلة، وإن كانتْ لقاءاتنا قليلة فعلا؛ حين يتاح لي زيارة عمّان، حيث يقيم حاليّا. معرفتي به كانت بدايتها في لجنة الجوائز الفلسطينيّة، وكانت أوّل الأمر برئاسة محمود، وخلفه في رئاستها، بعد وفاته، الدكتور درّاج.
س.5 : يضمّ الكتاب ثلاثة محاور: دراسات في الإيقاع والوزن، وأخرى في الأدب، ومقالات ذاتيّة وتعقيبيّة عن الظاهرة الدرويشيّة. في إحدى دراسات المحور الأوّل "شبه نظريّة للإيقاع وتطوّره في الشعر العربي"، تلخّص الإرث الضخم للإيقاع العربي في عدّة مراحل. ما هي هذه المراحل باختصار ، وما هي ميزاتها ؟
ج. إذا سلّمنا بالفرضيّة التي ترى انبثاق الشعر الموزون من النثر، أو النثر الفنّي بتعبير أدقّ، فقد عاد الشعر أخيرا، في عصرنا هذا، إلى أمّه النثر !
يصعب في هذه العجالة تلخيص المقال المذكور، وقد احتلّ في كتابنا أكثر من ثلاثين صفحة، رغم توخّينا هناك الاختصار والقفز في مواضع كثيرة. تطوّر الإيقاع العربي، على مرّ العصور، يصلح في اعتقادي أطروحة ضافية لرسالة دكتوراه.
أكتفي في هذا المجال بالوقوف، من المقال، على شعر الرجز أو الأراجيز. إذا كان الرجز إيقاعا مبتذلا في نظر الكلاسيكيين؛ يحمل صفات "دونيّة" ورثها عن أمّه النثر، فقد غدا في أواخر الخمسينات وفي الستّينات، من القرن الماضي، حجر الزاوية في الشعر العربي آنذاك. ألم يعلّمونا أنّ الحجر المرذول ينقلب في أحيان كثيرة حجر الزاوية؟!
على هذا النحو إفترضنا تطوّر الإيقاع الشعري في شبه دالّة، بالأسلوب الرياضي، تبدأ بالصفر، من النثر، ثمّ النثر الفنّي، وترتقي حتّى تبلغ الذروة أو القمّة؛ متمثّلة في الشعر الكلاسيكي. ثمّ تعود بعد ذلك فتأخذ في الانحدار، إلى أن تصل نقطة الصفر التي انطلق منها، أي إيقاع النثر.
في مقالنا ذاك أوردنا شواهد كثيرة من الشعر، قديمه وحديثه، إلّا أنّ المجال يضيق هنا عن التمثيل. لكنْ لا يفوتنا،على الأقلّ، ذكر الشعر المهجري، وشعر التفعيلة، بعد الحرب العالميّة الثانية، ومدرسة "شعر" أواخر الخمسينات- باعتبارها جميعها محطّات كبرى بارزة على هذا الطريق الطويل.
س.6: لقد خلصتَ إلى أنّ الشعر سيعود إلى أمّه النثر. ماذا قصدتَ بذلك، وهل ما زلتَ تؤمن بهذه المقولة التي اجترحتَها؟
ج. قصدتُ أنّ الشعر سيصل آخر الأمر إلى المحطّة الأخيرة؛ إلى قصيدة النثر. وقد وصل فعلا. لكنْ لابدّ لي من ملاحظتين هامّتين في هذا السياق:
الأولى أنّ قصيدة النثر مطالَبة بسمات إيقاعيّة وتعبيريّة بديلة، تعويضا عن إيقاع الوزن المفقود. مبدأ التعادليّة يحكم كلّ شيء تقريبا، في الحياة والفنّ. هذا يقودنا إلى الحكم بأنّ كثيرا من الشعر الذي يُكتب اليوم؛ أغلب ما تنشره الصحف ربّما، سيذهب جفاء. متسلّقون كثيرون، عندنا وفي العالم العربي طبعا، استسهلوا قصيدة النثر؛ الكلام دونما وزن، وفي سطور متفاوتة الطول، فتوهّموا أنّهم شعراء فعلا! وفي العصور السابقة: ألم يتسلٌق الشعر كثيرون، كثيرون جدّا؟ هل صمد على الدهر سوى النتاج الأصيل؟!
الملاحظة الثانية أنّ انتصار قصيدة النثر لا يعني اختفاء الأشكال الأخرى تماما. هل انقرض المبنى الكلاسيكي بظهور شعر التفعيلة مثلا؟ الحديث هو عن الجانر الغالب، لا ظهور صيغة جديدة واختفاء ما دونها تماما. هذا ما رمينا إليه في كتابنا ذاك، ونؤكّده هنا مجدّدا.
س.7: كثير من الباحثين يظنّون أنّ درويش لم يكتب قصيدة النثر. ما رأيكَ في هذه المسـألة ؟ وهل ساهم درويش بذلك ؟
ج. في مقالنا في الكتاب، "نظم كأنّه نثر؛ التباس الحوار بين محمود درويش وقصيدة النثر" بيّنّا بإيراد الشواهد المادّيّة أنّه كتب قصيدة النثر، وإنْ كان ينكر ذلك، ويسمّي ما يكتبه نصّا، لا قصيدة نثر! بل أوردنا هناك شاهدين: الأول مقطعان متواليان من كتابه "في حضرة الغياب"ً حيث يورد أربعة أسطر، دونما وزن، وبعدها مباشرة ينتقل إلى الموزون في 12 سطرا؛ يبدؤها بالمتقارب، فعولن، ويختمها بأربعة مقاطع من الهزج، مفاعيلن. وفي كتابه "أثر الفراشة" يورد نصّين متتاليين، في "الرثاء"؟ الأوّل من "المتدارك" بعنوان "الطريق إلى أين"، والثاني من النثر، أو من قصيدة النثر، بعنوان "فاكهة الخلود"، فلا يكاد النصّان يختلفان في شيء، سوى قيام الوزن في النصّ الأوّل، واختفائه في الثاني.
في مقالتنا في الكتاب تناولنا هذه المسألة بإسهاب، فلا حاجة إلى إيراد ذلك كلّه هنا أيضا. لم يرغب محمود المقامرة برصيده الكبير لدى جمهوره، فكتب قصيدة النثر؛ أو الشعر دونما وزن خليليّ، لكنّه رفض تسميتها قصيدة نثر!
س.8: لقد استطاع درويش، على الرغم من كتابته قصيدة النثر، أن يجد حلوله في الوزن الخليليّ. كيف فعل ذلك؟
ج. درويش كما ألمحنا في الإجابة السابقة كتب قصيدة النثر، وإن كان رفض تسمية ما كتبه من هذه الصيغة قصيدة نثر. من ناحية أخرى علينا الاعتراف أنّ الدرويش "وجد حلوله"، بتعبيره هو، في المبنى التفعيليّ أيضا. بكلمة أخرى: في مواضع كثيرة من شعر درويش المتأخّر يمكن القول إنّ الشاعر استوعب ملامح أسلوبيّة كثيرة من قصيدة النثر مع إبقائه على الوزن التفعيليّ. وتلك مهمّة شاقّة جدّا؛ أشبه بمن يمشي على الحبل، وهمّه طوال الوقت حفظ توازنه أيضا. درويش نفسه ذكر أنّ كثيرين يقرءون شعره المتأخّر فيحسبونه قصيدة نثر، رغم إبقائه على الوزن التفعيلي.
لا أريد هنا تفصيل "الحيل" الفنيّة التي أخذ بها درويش في كتابة هذا الشعر "الملتبس" جانريّا: شعر تفعيلي تماما، إلّا أنّه يحمل سمات كثيرة من النثر أو قصيدة النثر. أكتفي هنا بسرد بعض هذه الحيل لا أكثر.
الإيقاع في هذا الشعر خافت، أبعد ما يكون عن الخطابيّة القديمة. لذا تغلب على هذا الشعر بحور الرجز والمتقارب والخبب بتفعيلتيه ب ب ـ / -- ، والمتدارك بتفعيلتيه فاعلن – ب – / ب ب ـ . وأخيرا المزج بين المتقارب والمتدارك في المقطع ذاته أحيانا، بحيث سمحنا لأنفسنا بتسمية هذا الوزن الهجين "المتدارِب" ! والإكثار من التدوير، لا بين سطرين متتاليين فحسب، بل على امتداد أسطر أحيانا. واستبعاد القافية، بل "قتلها" في مواضع كثيرة!
كما عمد الدرويش، في مقاطع كثيره من شعره هذا، إلى تبنّي سمات أسلوبيّة "نثريّة". كالإكثار من الحوار بقوالبه المختلفة، واستخدام "نثر الحياة" بأسلوبه هو، وإيراد الأعلام الأجنبيّة أيضا. ولا ننسى أخيرا علامات الترقيم، من فاصلة، ونقطة في وسط السطر الشعري أحيانا؛ بحيث لم تعدْ بداية السطر الشعري بداية التفعيلة، ولا نهايته نهايتها!
هذه السمات "النثريّة" في قصائد درويش المتأخّرة هي في رأينا "الحلول" التي ذكرها الشاعر، وإن لم تُغنِه تماما عن كتابة شعر دونما وزن، أو قصيدة نثر، "بعد إذنه" طبعا!
س.9. تقول إنّ الأوزان المهمّشة في الشعر القديم أصبحت في مركز الشعر العربيّ الحديث. ما هي هذه الأوزان، وما هي أهمّيّتها؟
ج. عرضْنا لهذه المسألة بإسهاب في مقالتنا الأولى في الكتاب، حيث تناولنا تطوّر الإيقاع في الشعر بشكل عامّ. فالشعر الكلاسيكي كانت فيه غلبة واضحة للبحر الطويل. وفي الكلاسيكية الجديدة احتلّ الكامل مكان الطويل في الصدارة. وبعد الحرب العالميّة الثانية وظهور شعر التفعيلة، سرعان ما ظهر الرجز، بعد مواصلة الكامل في أوّل العهد بقوّة الاستمرار.
ثمّ كانت الغلبة بعد ذلك للمتقارب بتنويعات ضربه، ثمّ الخبب ب ب - /-- ، وأخيرا المتدارك بشكله الأصلي - ب -/ ب ب - ، والمزج بينه وبين المتقارب، كما فعل درويش أحيانا، وسمّيناه المتدارِب. إلى أن انتهى أخيرا إلى قصيدة النثر!
ميزة هذه الأوزان كلّها هي خفوت الصوت، وتلاشي الإيقاع العالي شيئا فشيئا. وذلك ما يؤكّد في تصوّرنا ابتعادا مطّردا عن الإيقاع الخليلي، حتّى الانتهاء أخيرا إلى شعر لا يحكمه الوزن بتاتا؛ إلى قصيدة النثر. وفي هذه الصياغة الأخيرة لا بدّ للمبدع الحقيقي من الأخذ بوسائل إيقاعيّة مبتكَرة تعويضا عن الإيقاع الخليليّ المفقود!
س.10. اقترحتَ وزن "المتدارِب" في شعر درويش، وهو مزيج من المتدارَك والمتقارِب. لماذا لجأ درويش إلى هذا الوزن؟
ج. قصدْنا بالوزن المذكور المراوحة بين المتدارَك والمتقارِب. والغاية طبعا هي قتل الإيقاع في القصيدة الحديثة. شرحْنا ذلك في إجابتنا السابقة، فلا حاجة إلى الإعادة.
س.11: في محور الدراسات الأدبيّة، كتبتَ مقالة بعنوان "ريتا الواقع والقناع". فما هو الواقع وما هو القناع؟
ج. يوم كتب محمود، في أواخر الستينات من القرن الماضي، قصيدته "ريتا والبندقيّة"، عرفنا كلّنا يومها مَنْ هي ريتا وما اسمها الحقيقي. ومحمود نفسه ذكر في قصيدته هذه أنّ تجربته العاطفيّة تلك مع ريتا / تمار بن عمي دامتْ سنتين لا أكثر: ".. وأنا ضعت بريتا .. سنتين / وهي نامت فوق زندي سنتين".
لكنّ القارئ العربي رفع ريتا هذه إلى مستوى الكناية، كأنّما هي كناية لفلسطين. خصوصا أنّها ترِد في القصيدة غير مرّة، وفي العنوان طبعا، ملازمة البندقيّة. هكذا سارع القارئ العربي إلى اعتبار ريتا كناية لفلسطين المحاطة بالبنادق والأعداء!
في جملة معترضة يمكن القول إنّ الفنّان مارسيل خليفة، ملحّن ومغنّي "ريتا والبندقيّة"، استمرأ هذه التكنية، في أغلب الظنّ، فتهرّب من الإجابة الصريحة في هذا الأمر، تاركا المسألة لحكم القارئ، أو السامع، الذي ارتفع بالشاعر عن قيود اللحم والدم، وبريتا إلى المجاز أو الكناية!
ولا ندري فعلا هل القرّاء، أو السامعون، هم من دفع الشاعر، بتفسيراتهم الرمزية، إلى الانتقال بريتا إلى مستوى الرمز، أو الكناية لفلسطين في قصائده الثلاث الأخرى، أم أنّ الشاعر نفسه، بحسّه المرهف، هو من اهتدى إلى الارتفاع بريتا إلى مستوى الكناية لفلسطين، فجعلها في قصائده الثلاث الأخرى امرأة تحبّه ويحبّها، لكنّه لا يقوى على الزواج بها، على امتلاكها فعلا، إلّا "حين ينمو البنفسج/على قبّعات الجنود" - حين ينوّر الملح!
بهذا المنظور، على كلّ حال، يجب علينا قراءة قصائد ريتا الثلاث الأخرى: ريتا.. أحبّيني، الحديقة النائمة، شتاء ريتا. وفي الكتاب أوردنا نصّ قصائد ريتا الأربع، يعود إليها القارئ خلال قراءته مقالنا "ريتا الواقع والقناع"، كلّما رأى ذلك ضروريّا.
س.12: أغفل النّقاد قصيدة "الحديقة النائمة" التي يذكر الشاعر فيها ريتا. لماذا أغفلوها في نظركم ؟
ج. كثيرون أغفلوا فعلا هذه القصيدة، حين عرضوا لقصائد ريتا. ربّما لأنّ ريتا لا تظهر في عنوان القصيدة، ولا في مقاطعها الأولى. إلّا أنّها من قصائد ريتا، ما في ذلك شكّ. لذا فقد اعتبرناها نحن من قصائد ريتا، وأوردناها في الملحق الشعري أيضا. بل اقتبسنا منها أيضا استحالة زواج الشاعر من ريتا، أو استحالة امتلاك الشاعر فلسطينه : "وريتا تنام .. تنامُ وتوقظ أحلامها/ - نتزوّج ؟/ - نعمْ/ - متى ؟/ - حينَ ينمو البنفسج/ على قبّعاتِ الجنود.
س.13: الأب في شعر درويش موتيف واقعي واسطوري، وقد بحثت الجانب الواقعي. فما هي علاقة درويش بأبيه من خلال أشعاره؟
ج. عرضَ درويش في شعره لأبناء عائلته، ولأمّه وأبيه بشكل خاصّ. لا ننسَ أنّ الشاعر عاش بعيدا عن العائلة، حتّى قبل مغادرته إسرائيل سنة 1970. وإذا كانت أمّه ظلّتْ تحمل الصفات ذاتها تقريبا، مثل كلّ أمّ شرقيّة، من حبّ لولدها وخوف عليه وعلى مستقبله، كما تجلّى ذلك واضحا في قصيدة "أحنّ إلى خبز أمّي" المبكّرة و"تعاليم حوريّة" في مجموعة "لماذا تركتَ الحصان وحيدا"، وإن اختلفتِ اللغة طبعا، ووسائل البوح – إذا كانت الأم صورتها ثابتة على هذا النحو، إلى حدّ بعيد، رغم تغيّر القصيدة الدرويشيّة ووسائل التعبير فيها، فقد تغيّرتْ صورة الأب كثيرا خلال هذه السنوات الطوال، استجابة لتغيّر الشاعر نفسه، سنّا ومكانا وفكرا. تحوُّل صورة الأب في شعر درويش، خلال هذه الفترة الطويلة، يعكس في رأينا بوضوح تحوّل رؤية الشاعر نفسه. هذا ما حاولنا تأكيده في المقالة الوحيدة التي كتبناها، كما أسلفنا، في الإنجليزيّة قبل وفاة الشاعر.
باختصار وجدنا أنّ صورة الأب حتّى 1970، حين كان الشاعر في إسرائيل، وعضوا في الحزب الشيوعي، كانت صورة كادح، يحصّل قوت عياله بعرق جبينه، و"يطارد الرغيف أينما مضى ..". وإن لم يسلم الأب في هذه المرحلة من نقد ناعم، لمواصلته "صنع الأطفال" !
في المرحلة الثانية، بعد رحيل الشاعر من إسرائيل، ومناصرته المنظّمات الفلسطينيّة، تعرّض الأب للنقد، وفي قصيدة "رثائه" بالذات. فقد اتّهمه درويش بعدم تقريب ولده إليه، أو تشجيعه على النضال والتضحية، وبالسلبيّة: " .. أيُّ أبٍ أبي! يرمي نبال الظلّ نحو ترابه/ المسروق .. يخطف منه زهرة أقحوانْ! / ويعود قبل الليل". التفاني في العمل الجادّ في الأرض، لتحصيل الرزق للعائلة، غدا الآن مدعاة للّوم والذمّ، لأنّه انصراف عن النضال في سبيل استعادة الأرض "المسروقة"، وفي سبيل القيم القوميّة الكبرى !
إلّا أنّ الشاعر "يصالح" أباه، في المرحلة الثالثة، في فصل شبه أوتوبيوغرافي من مجموعة "لماذا تركت الحصان وحيدا". لعلّ الشاعر قصد في هذه المرحلة، بعد تحوّله هو أيضا عن مواقعه السابقة، "تعويض" أبيه الأذى الذي طاله سابقا. كأنّما يعطي الشاعر "المتّهم" هنا حقّ الدفاع عن نفسه، وبأسلوبه هو. فالأب هنا هو من يدافع عن نفسه، وبأسلوبه هو، مذكّرا أنْ كان للعدوّ تفوّق واضح في الحرب، بينما "حاربوا ببنادق مكسورة طائرات العدو". بل باعوا خواتم زوجاتهم ليشاركوا في المجهود الحربي. ولا ينسى تذكير ولده كيف صلبه الإنجليز "على شوك صبّارة ليلتين، ولم يعترف أبدا" ! وإذ يسأله ابنه لماذا ترك الحصان وحيدا، يجيبه جوابا لا يعدم الرمزيّة: " لكي يحرس البيت يا ولدي، فالبيوتُ تموت إذا غاب أصحابُها ..؟
لعلّه يجدر بنا أخيرا الوقوف على مشهد العودة من لبنان إلى الوطن. فالشاعر ينسب لأبيه هذه العودة، والابن في طريق العودة هذه يحْمل أباه المتعَب، ويرث عنه الحنين ليقطع الطريق
" إلى آخره". بكلّ ما تحمل هذه الخاتمة من رمز وتأويل!!
س.14: بماذا يختلف موتيف الأب عن توظيف موتيف الأمّ في شعر درويش؟
ج. ألمحنا إلى ذلك عرَضا في إجابتنا على السؤال السابق. ظلّت صورة الأمّ كما ذكرنا ثابتة لم تتغيّر ولم تتبدّل، وإنْ كان أسلوب الشاعر نفسه تغيّر طبعا. صورة الأمّ بقيتْ واحدة في جوهرها، وإنْ تغيّر أسلوب الشاعر طبعا في التعبير عن هذا الحوهر. وبكلمات درويش نفسه في مجلّة "مشارف": الأمّ هي الأمّ والأب هو الأب. إنّهما بشر. لكنّ كلّا منهما يحمل دلالات مختلفة. لا يكفي أن تحمل الأمّ فكرة البقاء المكاني في الأرض الفلسطينيّة. لنقف عند هذه الكناية. كان الآباء عبر التاريخ كُثرا والأمّ واحدة. الأمّ ذات هويّة مستقرّة، والآباء متغيّرون [...] فالأب لم يكنْ واحدا ولا نهائيّا ولا دائما. من هنا كان انتسابنا الحضاري والثقافي إلى الأرض، إلى الأمّ. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنا من جيل حمّل آباءه مسئوليّة الرحيل والهجرة لأنّهم، الآباء، آباءنا، لم يدافعوا جيّدا عن أرضنا، وما زلنا نسألهم عن ذلك، ولا تزال صلتنا بهم ملتبسة بالسجال والخلاف." هل هناك أوضح من هذا الكلام، في اختزال صورة الأب وصورة الأمّ، كما تتجلّى في شعره؟!
س.15: أثارت مجموعة درويش الأخيرة "لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي"(2009) الصادرة بعد وفاته، تساؤلات في مسألة الوزن، فهناك من خطّأه، وهناك من نأى بدرويش عن الخطأ. فما هو رأيكم في هذه المسألة؟
ج. هذه المجموعة هي المجموعة الوحيدة الصادرة بعد وفاة درويش. وقد أرفقوا بالمجموعة كرّاسا صغيرا بعنوان "محمود درويش وحكاية الديوان الأخير" بقلم صديق محمود، الكاتب اللبناني المعروف إلياس خوري.
قرأتُ هذه المجموعة يوم صدورها فوجدتها حافلة بالأخطاء العروضيّة؛ فنسبتها جميعا إلى ظهور المجموعة بعد وفاة الشاعر. لأنّ مجموعات درويش السابقة، تكاد تخلو من الأخطاء المطبعيّة وغيرها، لصدورها في حياة الشاعر، وبمراجعته.
لكنّي قرأت بعد ذلك، في صحيفة "الحياة"، مقالة للشاعر اللبناني شوقي بزيع، أشار فيها إلى كثرة الأخطاء هذه، محاولا إصلاح بعضها أيضا. فانبرتْ إلى الردّ عليه الناقدة ديمة الشكر، خاتمة ردّها المذكور، دونما مبرّر: ".. وتكون النتيجة التي تشبه الفضيحة أنّ محمود درويش، وهو من هو، قد أخطأ في الإيقاع!" . تواصل الجدل المذكور، فردّ عليها الشاعر بزيع، وشاركتْ فيه أقلام أخرى، طال الشاعر دونما ذنب بعض رذاذه، كما كتبتُ هناك !
هذا ما دعانا إلى العودة مجدّدا إلى المجموعة المذكورة، متّخذين من مقالة بزيع الأولى منطلقا لمراجعتنا، مضيفين ملاحظات وتصويبات لم يذكرها بزيع، ولا ديمة الشكر أيضا !
فقد تناولتُ المجموعة الأخيرة هذه تناول المخطوطات، وأرجو أن أكون أفلحتُ في تصويب هذه "الأخطاء" التي أساءتْ إلى الشاعر، دونما ذنب، وإلى من قاموا بإصدار المجموعة بعد وفاته طبعا!
س.16: كثر أصدقاء درويش بعد وفاته، وقد ذكرتَ ذلك بصورة إيرونيّة في المرثية التي كتبتَها فيه. فهل مازالوا يكثرون؟
ج. درويش مثل كلّ شاعر كبير، كان له مريدوه، وخصومه طبعا. فجأة كثر محبّوه والمعجبون بشعره، بعد وفاته. وجدوها مناسبة للتمسّح بالشاعر والتذكير بأنفسهم هم. كتبنا كلمتنا الساخرة تلك، تسخيفا لهذه الظاهرة المقيتة بيننا. من ناحية أخرى، يبدو أنّ كثيرين أخذوا بعد وفاته يقرّون بمكانته وتفرّده. هكذا نحن: نبخس الحاضر القريب، ونمجّد الماضي البعيد !
س.17: أخيرا، كيف ترى إلى حركة الشعر العربي بعد درويش؟
ج. بعد وفاة الكبير ينشأ فراغ طبعا. يكثر الورثة والطامحون. تتواصل حالة "الهيولى" إلى أنْ يُثبت أحدهم جدارته ومكانته. لكن يبدو كما ذكرتُ سابقا أنّ القصّة بأنواعها لا بدّ أخيرا أنْ تتصدّر المشهد. هنا أيضا ما زلنا، في رأيي، في طور "الهيولى" !
2018








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بتوقيت مصر : جدل حول استخدام اللغة القبطية في الصلوات


.. قصته أشبه بأفلام هوليوود.. كيف ساعد شلومو هليل آلاف اليهود ع


.. بالغناء والصراخ موالو بشار يعبرون ...و وسيم الأسد -هي مو صفح




.. شاركت لمجرد أغنية -الغادي وحدو-.. الفنانة حريبة: تصدم جمهور


.. أن تكوني فنانة عربية.. رؤى وتحديات