الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لقاءاتي بالقائد الأب مصطفى البارزاني 1/3 بمناسبة الذكرى 27 لرحيل البارزاني الخالد

خالد يونس خالد

2006 / 4 / 3
مقابلات و حوارات


القسم الأول: العلم والمعرفة مفتاح التحرر والتقدم
مقدمة تسبق أحلام اللقاء
لستُ هنا بصدد كتابة تاريخ القائد الأب مصطفى البارزاني، فقد كُتب عنه الكثير الكثير، ولذلك فإنني لا أريد أن أردد ماكتبه الآخرين عن إنسانيته وشجاعته ورجولته وقيادته، إنما أنا بصدد كتابة ذكريات لا تبرح عن خيالي. ذكريات عاشت معي منذ الشباب، وعشتُ معها في ذاكرة التارخ. وكم حاولت أن أجد ملجأ لهذه الذكريات، لكنها أبت إلاّ أن تراودني بين الحين والآخر. وكم عاندتُ نفسي أن أحتفظ بها لذاتي، وأتسلى بها لراحتي، بل أسجنها في مخيلتي لكنني وجدتها تثور في جوارحي، وتأبى إلاّ أن ترى النور. وفي غمرة هذا العناد وهذا التحدي وهذا الإلحاح في عقلي وهذا التمرد في قلبي دفعني أن أعترف بقوتها، وتمردها لكي تتحرر إلى النور.
لا يوجد كردي واحد في عموم كردستان لم يسمع بالبارزاني الخالد. فقد كان أحد أولئك القادة العظام الذين كتبوا التاريخ الكردي، وخاض معارك الحياة، وعانى الكثير من المآسي من أجل شعبه، وبدأ يخطط مشروع الكوردايه تي في زمن كانت القضية الكردية نبتة صغيرة بحاجة إلى عناية، فرعاها البارزاني ورواها بعرقه ودمائه وراحته وجهده وكده لئلا تموت، ولكي تكبر وتعيش وتثمر. فالفضل الأول يعود له حين بدأ يسير بخطى حذرة، ولكن حثيثة على الدرب الطويل، درب كردستان العظيم.
كثير من الشباب الكرد كانوا يحلمون أن يجدونه عن بعد وعن قرب، وكنت واحدا منهم. التقيتُ به قبل ثلاثة وثلاثين عاما، وأنا أتمتع بالحيوية والنشاط في عنفوان الشباب، بعد أن تخرجت من كلية القانون والسياسة بجامعة بغداد، محكوما عليّ بالإعدام من قبل نظام البعث الصدامي بسبب نشاطاتي السياسية، باعتباري أحد أولئك الذين انخرطوا في مسيرة البارزاني منذ أن كنتُ طالبا في الجامعة. والتحقت بالحركة التحررية الكرية تاركا الزمالة التي حصلت عليها في السوربون باعتباري كنت أحد الطلبة المتفوقين في الدراسة. آثرت أن أكون كادرا في مدرسة الشعب لأتعلم من الشعب تحت قيادة ذلك البارزاني الثائر الذي أبى أن يستسلم، وقرر أن يكون في المقدمة، بعد أن اختاره الشعب كله قائدا وزعيما لتلك الحركة الرائدة التي بدأت في الأربعينات، واستراحت، ثم تجددت في أوائل الستينات، وتعرضت لانتصارات ومؤامرات آذار بين النصر عام 1070، والمؤامرة عام 1975. وقد عشت بالذات هذه الفترة بين الدراسة الأكاديمية في بغداد والعمل السياسي والثوري في الثورة الكردية، وفي كلتا الحالتين تحت قيادة القائد الذي طالما حلمت أن ألتقي به يوما. فوجدت نفسي في صفوف الثورة وأنا أحمل معي ذلك الحلم الكبير.

اللقاء الأول
ترك البارزاني الأب ذكريات فريدة في ذاكرتي بلا انتهاء. كنتُ أكاديميا شابا متحمسا للقائه. التقيت به، فوجدت نفسي تلميذا أمام ذلك المعلم الذي تعلمت منه في أول لقاء دروسا مبرمجة في خدمة الشعب والوطن. وشعرتُ بأنني تلميذ أحتاج أن أتعلم من جديد دروسا إضافية في فنون النضال الوطني التحرري والكوردايه تي من قائد الثورة ومرشد النضال الديمقراطي.

تجربتي مع الراحل الخالد في ثلاثة لقاءات في كردستان وخارجها، جعلتني أشعر باحترامي لتراث ذلك الإنسان العظيم الذي علمني العمل من أجل حرية الشعب. تعلمت منذ ذلك الحين من أن الوفاء للشعب الكردي هو وفاء للبارزاني أيضا، وأن الإخلاص لتراثه هو إخلاص لذلك النضال الذي ناضله طوال سنين عمره التي ضحاها من أجلي ومن أجلكم ومن أجل كل كردي مخلص. فكل من التقى بسيادته يوما، وتعلم منه درسا يشعر أنه تلميذ مدرسته الرائدة التي تخرجَت منها آلاف الكوادر العاشقة للحرية والكرامة. وفهمتُ لتَوي بأنه من الصعب على تلاميذه المخلصين أن يتمردوا على خدمة الشعب الكردي وحقوقه.
إنه البارزاني الخالد قائد الشعب الكردي لمدة نصف قرن من تاريخ الأمة الكردية المعاصرة. اقترنت الحركة التحررية الوطنية الديمقراطية الكردية بإسمه منذ العشرينات من القرن العشرين. ولازال النور ينبعث من الشعلة التي أوقدها لمواصلة المسيرة الطويلة على الطريق الذي سار عليه لتحقيق الحرية والاستقلال للشعب الكردي.

وصلنا مقر الرئيس الخالد، وأخبَرنا بعض حراسه المقربين بضرورة التحدث معه بلا ألقاب، مثل "ماموستا" أو "رئيس" أو ما شابه، لأنه لا يحب الألقاب. شعرنا للتو أننا سنقابل إنسانا أعظم من الألقاب، وقائدا أكبر من الرؤساء. كان الأب مسرورا حين التقينا بسيادته، حيث تكَرَّم علينا نجله النشط الذي كان شابا يانعا، مسعود البارزاني بمصاحبتنا، إلى باب غرفته، وقال له بثقة واحترام: "أبي! هؤلاء يمكن التحدث إليهم".
استقبَلَنا الأب بعطف وإكرام كما يستقبل كل أب حنون أبنائه الذين يشتاقون للقائه. واستغربنا كثيرا من بساطته المليئة بالبهاء والجلال والوقار. واستطاع بكرمه أن يدخل قلوبنا، لا خوفا منه، إنما محبة له ووفاء لقيادته. فاحترام القائد المفعم بمحبة أعظم من احترامه خوفا منه.
كان سيادته جالسا على كرسي لايختلف أبدا عن تلك الكراسي التي جلسنا عليها أنا وزملائي. مهيب الطلعة يحمل كثيرا من الأسرار في مخيلته، وكثيرا من الحب الفياض في قلبه الكبير لشعبه الذي أحبه بلا حدود. يتحدث وعيناه ينبعث منهما شعاعا أزليا يدخل القلوب ليأثر عليها. وحاجباه الكثيفان الممتلئان بالشعر يحتضنان تحت كل شعرة مأساة من مآسي الشعب الكردي كله.
كان يعرف كيف يتحدث على قدرعقول الذين يتحدث معهم. وكان يفهم بجلاء نفسية الإنسان الذي ينظر إليه بعينيه المتوقدتين نظرات تحمل سهاما تصيب القلوب قبل الجلود، يؤثر على السامع الذي يجد نفسه مهيأ للسماع إليه بكل جوارحه. إنها كلمات تدخل القلب لتسكن فيه.
فرَح البارزاني كثيرا حين أخبرناه بأننا استطعنا أن نهيئ دورة خاصة لحماية أمن المواطنين بنجاح. فرسم على وجهه المهيب إبتسامة الرضى وقال: "الحمد للّه. الحمد للّه الذي أعان شعبنا أن يقود دورات ثقافية بنفسه". وأضاف: "أطلب منكم ياأبنائي أن تؤكدوا على العلم والمعرفة والثقافة لانها مفتاح التحرر والتقدم".
تحدَّث لنا عن نابليون بونابرت وتاريخ أوربا والثورة الفرنسية. فشعرنا بأننا أمام معلم ملم بالفكر السياسي الأوربي. كان يفهم بوضوح الأهداف التي ناضل من أجلها، وعن المرحلة التي كانت يمر بها نضال الشعب الكردي الذي كان يقوده. أكد على حقوق الشعب الكردي وضرورة نيل هذه الحقوق التي تتبلور وتتطور كلما قدّم الشعب الكردي تضحيات أكثر، وكلما ازداد تعنت النظام العراقي. وشدّد على أن الاعتراف بحقنا في الحرية والديمقراطية يقوي وحدة الأراضي العراقية وتقدُم العراق وأمنها. هذا الطرح الذي طرحه البارزاني الخالد في السبعينات كان حضاريا، وتعبيرا عن الوعي الاجتماعي من أجل الحرية والسلام للكرد والعرب والأقليات.
وشدّد البارزاني مصطفى في مقولته الخالدة: "كلما ناضلنا أكثر، واستغرق وقتا أطول، تزداد حقوقنا، وتترسخ تلك الحقوق في ذواتنا لكي نتمسك بها ونحققها. فإيماننا بالله لا يتزحزح، وسننتصر إنشاء الله، لأن الشعب معنا، ولأن أملنا في الشعب الكردي كبير والله المستعان".
1 مارس/آذار 2006
• باحث وكاتب صحفي مستقل
• القسم الثاني: حكمة البارزاني








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فرنسا: انقسام الجمهوريون وأمل تبعثه الجبهة الشعبية الجديدة


.. هل تتجه فرنسا نحو المجهول بعد قرار ماكرون حل البرلمان وإجراء




.. حزب الله.. كيف أصبح العدو الأكثر شراسة لإسرائيل منذ عام 1973


.. ترامب ينتقد زيلينسكي ويصفه -بأفضل رجل مبيعات-| #أميركا_اليوم




.. تصادم قطارين في الهند يودي بالعشرات