الحوار المتمدن - موبايل


كيف أكل الغرب أطفاله؟

فضيلة يوسف

2018 / 12 / 12
الادارة و الاقتصاد


شهدت العلاقات الدولية تغيراً عميقا عند إصابة الاتحاد السوفييتي بالشلل عام 1986 ، عندما لم يستطع السيطرة على الحادث النووي في تشرنوبيل ، ثم مع إلغاء حلف وارسو في عام 1989 ، وتدمير الحزب الشيوعي الألماني الشرقي لجدار برلين ، وأخيرا ، مع تفكك الاتحاد السوفياتي في عام 1991.

في ذلك الوقت ، قرر رئيس الولايات المتحدة ، جورج بوش الأب ، تسريح مليون جندي وتكريس جهود بلاده لتحقيق رخائها الاقتصادي الخاص. وأراد تحويل الهيمنة الأمريكية داخل منطقة نفوذها ، وتوسيعها إلى زعيم للعالم ، وضامن للاستقرار العالمي. وبهذا ، وضع أسس "النظام العالمي الجديد" ، أولاً وقبل كل شيء في الخطاب الذي ألقاه جنبًا إلى جنب مع رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر ، في معهد أسبن (2آب 1990) ، ثم خلال خطابه أمام الكونغرس ( 11 أيلول 1990) ، معلناً عن عملية «عاصفة الصحراء».
عالم (ما بعد ) الاتحاد السوفييتي هو عالم تداول حر ، ليس للبضائع فقط، بل أيضاً للرأسمالية العالمية ، تحت السيطرة الفريدة للولايات المتحدة. وبعبارة أخرى ، بدأ العبور من الرأسمالية إلى الاقتصاد المالي- لم تكن الذروة لانتصار التبادل الحر فقط ، بل شكل من أشكال الاستغلال الاستعماري للعالم كله ، بما في ذلك الغرب. في غضون ربع قرن ، تضاعفت ثروات الولايات المتحدة الكبرى مرات عديدة ، وازدادت الثروة العالمية في العالم بشكل كبير.

من خلال السماح للرأسمالية بالعربدة ، كان الرئيس بوش الأب يأمل في توسيع الرخاء للعالم. لكن الرأسمالية ليست مشروعاً سياسياً ، بل هي ببساطة نظام منطق مصمم لتحقيق الربح. كان منطق الشركات متعددة الجنسيات في الولايات المتحدة هو زيادة أرباحها عن طريق نقل الإنتاج إلى الصين ، حيث أصبح ذلك ممكنا الآن ، وحيث يكون العمال هم الأقل دخلًا في العالم.
اولئك الذين كانوا مستعدين لقياس تكلفة هذا التقدم للغرب كانوا قليلين ومتباعدين. بدأت الطبقات الوسطى الجديدة تظهر في العالم الثالث ، وعلى الرغم من أنها كانت ، بطبيعة الحال ، أقل ثراء من تلك الموجودة في الغرب ، إلا أنها مكنت دولاً جديدة ، آسيوية في الأساس ، من لعب دور على المسرح العالمي. لكن في الوقت نفسه ، بدأت الطبقات الوسطى الغربية تختفي ، وهذا يعني أنه أصبح من المستحيل بقاء المؤسسات الديمقراطية التي بنوها. وقبل كل شيء ، كان من المقرر أن يتم سحق سكان مناطق بأكملها بالكامل ، بدءاً من مناطق البحيرات الكبرى الأفريقية. حيث تسببت الحرب الإقليمية الأولى في وفاة 6 ملايين شخص ، في أنغولا وبوروندي وناميبيا وأوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا وزمبابوي ، وقد لقيت حالة من اللامبالاة. وكان الهدف هو الاستمرار في الاستيلاء على الموارد الطبيعية لهذه البلدان ، ولكن بثمن أقل وأقل بكثيرمن اللازم ، وهو ما يعني التعامل مع العصابات بدلاً من التعامل مع الدول التي اضطرت إلى إطعام شعوبها.
حدث التحول الاجتماعي في العالم بسرعة كبيرة ، ومن الواضح أنه لم يسبق له مثيل ، رغم أننا لا نمتلك الأدوات الإحصائية المتاحة اليوم لتقييمها بدقة. ومع ذلك ، يمكن للجميع أن يشهدوا زيادة في قوة أوراسيا ( روسيا وآسيا بدون أوروبا الغربية والوسطى) ، التي تسعى إلى الحرية والازدهار ، بينما القوى الغربية ، بما في ذلك الولايات المتحدة ، تتراجع ببطء وبشكل تدريجي ، وتحد من الحرية الفردية وتطرد نصف سكانها إلى مناطق الفقر..

اليوم ، النسبة المئوية للسجون في الصين أقل أربع مرات من الولايات المتحدة ، في حين أن قوتها الشرائية أعلى بقليل لذلك ، وبصورة موضوعية ، ومع كل أخطاءها ،أصبحت الصين أكثر حرية وازدهاراً من الولايات المتحدة.
كانت هذه العملية متوقعة من البداية. وقد تمت دراسة تطبيقها لفترة طويلة. لذلك في 1 أيلول 1987 ، نشر شخص في الأربعين من العمر صفحة من الدعاية المضادة في نيويورك تايمز ، واشنطن بوست وبوسطن غلوب. لقد حذر مواطنيه من الدور الذي كان الرئيس بوش يخطط لتخصيصه للولايات المتحدة (تحميل جيوبهم الخاصة مسؤولية تمويل وتطوير «النظام العالمي الجديد»). قرأها الناس وضحكوا. كان مؤلف هذه النصوص هو المروج العقاري ، دونالد ترامب.
تطبيق النموذج الاقتصادي على العلاقات الدولية
رشح وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد صديقه الأدميرال آرثر سيبروفسكي مديراً لمكتب التحولات الجديدة بعد شهر واحد من هجمات 11أيلول 2001 . لقد تم تكلفيه بتغيير ثقافة الجيش الأمريكي بأكمله من أجل تمكينه من الاستجابة لتغييرات كاملة في مهماته.
لم يعد هناك تساؤل حول استخدام الجيش الأمريكي للدفاع عن المبادئ أو المصالح ، ولكن لاستخدامه لإعادة تنظيم العالم بتقسيمه إلى قسمين – القسم الأول الدول التي اندمجت في الاقتصاد المعولم ،والقسم الثاني ( الآخرين) . لم يعد البنتاغون يخوض الحروب من أجل سرقة الموارد الطبيعية ، ولكن للتحكم في الوصول إلى تلك الموارد من قبل الدول المعولمة. قسمة مستوحاة مباشرة من عملية العولمة التي حطمت بالفعل نصف السكان الغربيين. هذه المرة ، كانوا من نصف سكان العالم الذي تم استبعاده.
بدأت عملية إعادة تنظيم العالم في المنطقة السياسية المعروفة باسم "الشرق الأوسط الكبير" ، أي المتمدد من أفغانستان إلى المغرب ، باستثناء إسرائيل ولبنان والأردن. أدى هذا إلى انتشار وباء الحروب الأهلية في أفغانستان والعراق والسودان وليبيا وسوريا واليمن ، والذي تسبب بالفعل في قتل عدة ملايين .
وعلى غرار الوحش الذي يأكل أطفاله ، واجه النظام المالي العالمي في الولايات المتحدة أول أزمة له في عام 2008 ، عندما انفجرت فقاعة الرهان العقاري ، وعلى عكس الاعتقاد السائد ، لم تكن هذه بالتأكيد أزمة عالمية ، بل كانت مشكلة غربية. شهدت دول الناتو للمرة الأولى النتائج الأولى للسياسة التي كانت تدعمها. ومع ذلك ، فإن الطبقات الغربية العليا لم تغير شيئًا في سلوكها ، حيث شاهدوا حطام الطبقات الوسطى وتعاطفوا معها. كان التعديل الوحيد الملحوظ اعتماد "قاعدة فولكر" ، التي منعت البنوك من الاستفادة من المعلومات التي يتم الحصول عليها من عملائهم من أجل الاضرار بمصالحهم . لكن في حين أن تضارب المصالح مكّن عدد من المحتالين من الثراء بسرعة ، لكنهم ليسوا أصل المشكلة ، والمشكلة أوسع بكثير.

ثورة الشعوب الغربية:
بدأت ثورة الطبقة الوسطى والطبقة العاملة في الغرب ضد الطبقة العليا المعولمة ، قبل عامين، ولأنه كان على اطلاع على الركود الغربي بالمقارنة مع آسيا ، فقد كان شعب المملكة المتحدة أول من حاول إنقاذ أسلوب حياته من خلال ترك الاتحاد الأوروبي والتحول إلى الصين والكومنولث (استفتاء 23 حزيران 2016) . ولسوء الطالع ، لم يتمكن قادة المملكة المتحدة من إبرام الاتفاق الذي كانوا يأملون مع الصين وصادفوا صعوبة كبيرة في إعادة تنشيط روابطهم مع الكومنولث.
بعد ذلك ، وبعد أن شاهدوا انهيار الصناعات المدنية في بلادهم، انتخب شعب الولايات المتحدة ، في 8 تشرين أول عام 2016 ،ا لمرشح الرئاسي الوحيد الذي عارض النظام العالمي الجديد دونالد ترامب. تحدث ترامب عن العودة إلى «الحلم الأمريكي» لسوء حظ ناخبيه ، وعلى الرغم من أن دونالد ترامب بدأ في التشكيك في قواعد التجارة المعولمة ، لم يكن لديه فريق معه باستثناء عائلته ، وكان قادرا فقط على تعديل الاستراتيجية العسكرية لبلاده ، ولكن ليس تغييرها. تبنى جميع الضباط العامين تقريباً أيديولوجية رامسفيلد-سيبروفسكي ، ولم يعد بإمكانهم تصور أنفسهم في أي دور آخر غير الدفاع عن العولمة المالية.
وإذ أدرك الإيطاليون انهيار صناعاتهم الوطنية ، و أنهم سوف يتعرضون للخيانة من جانب الطبقة العليا ، فإنهم انتخبوا في 4 آذار 2018 ، الطرف المناهض للنظام والمكون من (الاتحاد) و(حركة الخمسة نجوم). قامت هذه الأحزاب ببناء تحالف من أجل تنفيذ سياساتها الاجتماعية، و الحظ ، رفض الاتحاد الأوروبي ذلك . وفي فرنسا ، أفلست عشرات الآلاف من الشركات الصغيرة والمتوسطة ، والمتعاقدين من الباطن في الصناعة ، خلال السنوات العشر الماضية ، لكن اقتطاعاتهم الضريبية الإلزامية ، وهي بالفعل من بين أعلى المعدلات في العالم ، ارتفعت بنسبة 30٪ الفترة نفسها .
خرج مئات الآلاف من الفرنسيين فجأة إلى الشوارع للتظاهر ضد التدابير المالية المسيئة. ولسوء حظهم ، فإن الطبقات العليا الفرنسية تلوثت بالفكرة ، ولذلك بذلت قصارى جهدها لتكييف سياساتها مع الثورة الشعبية ، ولكن ليس لتغيير أسبابها الأساسية.
إذا نظرنا إلى كل من هذه البلدان الأربعة بشكل منفصل ، فسنجد أربعة تفسيرات مختلفة لما يحدث هناك. ولكن إذا قمنا بتحليل الوضع كظاهرة واحدة ، تؤثر على ثقافات مختلفة ، فسوف نجد أن ما يحدث في هذه البلدان نفس الشيء ، اختفت الطبقات الوسطى بسرعات مختلفة مع نهاية الرأسمالية ، واختفى معها النظام السياسي الذي تجسده – الديمقراطية.
إذن فإن على القادة الغربيين التخلي عن النظام الاقتصادي المالي الذي طوروه والعودة إلى الرأسمالية الإنتاجية ، أو سيضطرون إلى اختراع نظام مختلف لم يتخيله أحد حتى الآن. إذا فشل ذلك ، فإن الغرب ، الذي قاد العالم لمدة خمسة قرون ، سيغرق في فترة طويلة من الفوضى الداخلية.

كان السوريون أول (الآخرين) الناجين من التدمير على يد نظرية رامسفيلد-سيبروفسكي، وكان الفرنسيون أول (شعوب الاقتصاد المعولم) الذين انتفضوا ضد تدمير الغرب ، حتى لو لم يكونوا مدركين أنهم يقاتلون نفس العدو الفريد للبشرية جمعاء. ولا يستطيع الرئيس إيمانويل ماكرون أن يتعامل مع هذا الوضع ، ليس لأنه يتحمل أي مسؤولية عن النظام الذي سبقه ، بل لأنه نتاج صافٍ لهذا النظام. تحدث من مجموعة العشرين في بيونس آيرس ( رداً على أعمال الشغب في بلده )، معلناً أن الاجتماع كان ناجحاً في نظره (وهو لم يكن)، وأنه سيتقدم بكفاءة أكثر من سابقاته -الإتجاه الخاطئ-.
كيفية الحفاظ على الامتيازات:
يبدو أن الطبقة الحاكمة البريطانية لديها حلها - إذا لم تعد لندن بشكل خاص والدول الغربية عموماً ، قادرة على حكم العالم ، سيكون من الضروري تقليل الخسائر وتقسيم العالم إلى منطقتين متميزتين. هذه هي السياسة التي نفذها أوباما في الأشهر الأخيرة من رئاسته ، ثم تيريزا ماي ، والآن دونالد ترامب ، مع رفضهم للتعاون واتهاماتهم الجاهزة ، أولاً ضد روسيا والآن ضد الصين .
يبدو أيضا أن روسيا والصين ، على الرغم من التنافس التاريخي بينهما ، تدركان أنهما لن يكونا قادرين على التحالف مع هؤلاء الغربيين الذين لم يتوقفوا عن محاولة تقطيعهم. هذا هو مصدر مشروعهم ، "الاتحاد الاقتصادي الآسيوي" - إذا كان يجب تقسيم العالم إلى قسمين ، فإن على كل مشارك أن ينظم نشاطه الخاص. من الناحية الفعلية ، بالنسبة لبكين ، هذا يعني التخلي عن نصف مشروع «طريق الحرير» وإعادة انتشاره مع موسكو في منطقة أوراسيا الكبرى فقط.

كيفية تحديد الخط الفاصل:
سيكون من الضروري تحديد خط الانقسام في أسرع وقت ممكن بالنسبة للغرب وأوراسيا الكبرى . على سبيل المثال ، ما هو الجانب الذي ستختاره أوكرانيا؟ كان بناء روسيا لجسر كيرتش بهدف فصل البلاد ، واستيعاب نهر دونباس وحوض بحر آزوف ، ثم أوديسا وترانسنيستريا. وعلى الطرف الآخر ،فإن احداث جسر كيرتش والذي نظمته القوى الغربية ، بهدف تسجيل جميع أوكرانيا في حلف الناتو قبل تمزيق البلاد.
ومنذ غرق سفينة العولمة المالية ، بدأ العديد من الناس في إنقاذ مصالحهم الشخصية دون أي رعاية للآخرين. على سبيل المثال ، هذا هو مصدر التوتر بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ونوعاً ما يتعلق الأمر بهذه اللعبة في تفسير تغيير الاستراتيجية الإسرائيلية ، التي تخلت عن سوريا إلى روسيا ، وتحولت إلى دول الخليج وشرق إفريقيا.


وجهة نظر
مع الأخذ في عين الاعتبار ما هو قائم ، من الواضح أن الانتفاضة في فرنسا ليست سوى بداية عملية أوسع بكثير سوف تنتشر إلى دول غربية أخرى. وسيكون من السخف الاعتقاد بأنه في زمن العولمة المالية ، يمكن لأي حكومة ، مهما كانت ، أن تحل مشاكل بلدها دون فحص العلاقات الدولية أولاً وفي نفس الوقت استعادة قدرتها على العمل. لكن على وجه التحديد ، تم الحفاظ على السياسة الخارجية على هامش المجال الديمقراطي منذ تفكك الاتحاد السوفياتي. ومن الضروري والعاجل التخلي عن جميع المعاهدات والارتباطات تقريباً في الثلاثين سنة الماضية. فقط الدول القادرة على إعادة تأكيد سيادتها يمكن أن تأمل في التعافي.
مترجم
Thierry Meyssan








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بعد السياسة..النساء في أهم المناصب الاقتصادية


.. لبنان: احتجاجات وقطع للطرق تنديدا بانهيار الوضع الاقتصادي وا


.. مقتل متظاهرَين في ميانمار ودعوات نقابية لشل الاقتصاد




.. أخبار الاقتصاد في دقيقتين:


.. التأخير في توزيع لقاحات كورونا يلقي بظلاله على اقتصاد الاتحا