الحوار المتمدن - موبايل


بحث حول حركة السترات الصفراء (في ندوة عامة عقدت في بغداد)

نادية محمود

2018 / 12 / 24
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


يدور حديثي اليوم حول اهمية هذه الحركة، نقاط قوتها ومستلزمات انتصارها. لماذا نحن مهتمون بحركة السترات الصفراء في فرنسا؟ لماذا تابعها مئات الالاف ان لم نقل الملايين بشغف؟ وبشكل منظم؟ لماذا جرى الحديث عنها في كل مكان في العالم للحد الذي ارتدى نفس المحتجون في البصرة وبغداد، والذين كانوا يتظاهرون ولمدة لخمسة اشهر هذه السترات؟

اول مسألة اكدتها حركة السترات الصفراء هي ابراز حقيقة الصراع الدائر في عالم اليوم هو الصراع الطبقي بين طبقة رأسمالية لا تستطيع الاكتفاء والتوقف عن جني الارباح باي شكل ووسيلة. اثبتت هذه الحركة بان الامال معقودة على الطبقة العاملة، فالطبقة العاملة هي القادرة على التغيير، وهي صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير، وليس من قوة اخرى غيرها. حتى بعض القوى السياسية التي تعبر عن مصالح الطبقة الحاكمة، وان ظهرت بمظهر المدافع عن الكادحين، فانها انما تقوم بذلك من اجل الدفاع عن مصالحها هي، اليمين في فرنسا، وكما في العراق حين يبرز حزب في السلطة، وكأنه حزب معارضة، انما في حقيقة الامر يتعقبون مصالحهم الذاتية. ان التغيير الحقيقي تصنعة الطبقة العاملة، وبغض النظر عن وجودها وحجم هذا الوجود في مواقع الانتاج، او في حالة وجودها كعاطلين عن العمل او عمالة مؤقتة، في مراكز المدن او في اطرافها. في المراكز الصناعية او في الارياف. اثبتت هذه الحركة ان الفئات الكادحة والبرجوازية الصغيرة هي صاحبة مصلحة ايضا في التغيير. لذا، لانتصار هذه الحركة لا بد من " توحيدها وتوجيها" عبر حزب سياسي كما يقول لينين من اجل تنظيم الثورة العمالية وانهاء الرأسمالية عبر الثورة العمالية.

المسالة الثانية: أثبتت حركات السترات الصفراء خرافة الديمقراطية الغربية وهمجيتها ومعاداتها للطبقة العاملة والكادحين وفئات البرجوازية الصغيرة لصالح البرجوازية الكبيرة. العنف الذي استعمل، عدد القتلى الذين سقطوا، والذين وصل عددهم 9 اشخاص الى الان، عدد الجرحى الذي تجاوز ال 200 جريح، وعدد الاعتقالات التي بلغت ما يزيد على الالف معتقل، اهانة اولاد المدارس الذي دفع بالامهات الى تشكيل درع الامهات الفرنسيات للدفاع عن اولادهن.

المسالة الثالثة: احتجاجات السترات الصفراء قدمت دليلا جديدا على فشل الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية ودولة الرفاه التي افتخرت بها اوربا في الاجابة على حاجات الطبقة العاملة والكادحة والبرجوازية الصغيرة. الان تحولت هذه الاشتراكيات الديمقراطية الى كوابيس. تحولت الى السياسات النيوليبرالية. اغلقت المستشفيات في القرى، الضمان الصحي في فرنسا يصل الى اللاشيء. المساعدات قطعت.

المسالة الرابعة: بناءا عليه، اثبتت ان ما انتهجته من سياسات نيوليبرالية (السياسة التي تدعو الى تقليص دول الدولة وتوسيع دور القطاع الخاص)، هي سياسات تنتهي الى زيادة الفقراء فقرا وزيادة الاغنياء غنى. واذن الرأسمالية سواء تبنت دولة الرفاه، او سياسات النيوليبرالية وخاصة منذ نهاية السبعينات، فان هذه السياسات احكمت قبضتها على العالم، في فرنسا كما في العراق.

المسالة الخامسة انها حركة طبقية من حيث جوهرها و مطالبها تستند الى مطلبين: الاول هو المطالب الاقتصادية والتي تتمثل ليس فقط في الغاء زيادة الضرائب على الوقود، والتي تعهد ماكرون بايقافها بل ايضا تدعو الى تأميم شركات الغاز والكهرباء، حضر بيع الممتلكات العامة، السن التقاعدي يكون 60 سنة، اعادة الضريبة على الاثرياء و غيرها. المطلب الثاني وهو المطلب السياسي: استقالة ماكرون. حين حدثت الثورات في مصر وتونس، تابعها العالم بشغف. لم يهم الالماني والانكليزي والاسباني، ان هذه تدور في بلاد عربية. لقد كانوا يروا انها ثورة الكادحين لتغيير انظمتهم. في اسبانيا. في بريطانيا، في الولايات المتحدة وحركة ال99% التي احتلت وول ستريت في الولايات المتحدة. الا ان احتجاجات السترات الصفراء كانت واضحة بعماليتها، بطبقيتها، بوقوفها ضد السياسات النيولبرالية وضد البرلمان الفرنسي وماكرون المسمى برئيس الاغنياء.

المسالة السادسة: ميزة هذه الحركة انها جلبت الى ساحة الصراع اناس جدد، ليس فقط العمال او العاطلين عن العمل. انها تضم اناس من اوساط متباينة، التجار الصغار، ذوي الياقات البيضاء، المتقاعدين، واوساط من الفئات المتوسطة. لقد انضم اليها اناس لم تطأ اقدامهم ميدان العمل السياسي سابقا، اناس ليس من المراكز الصناعية في المدن الكبرى، بل من الارياف واطراف المدن، مما يعني زج اوساط جديدة في الصراع الطبقي. ان هذا يعني ان دائرة المتضررين من الرأسمالية انما هي في اتساع دائم ومتواصل.

المسالة السابعة: سدت الحكومة الفرنسية الطرق للوصول الى باريس. مما يعني ان الطبقات الحاكمات تنتهج نفس الاساليب في كل مكان في العالم. فكما تقوم السلطات في العراق بمحاولة اغلاق الطرق لتقليص اعداد المتظاهرين قامت السلطات الفرنسية بالامر نفسه.


كيف تعاملت الاحزاب التي تطلق على نفسها اشتراكية او شيوعية وحتى النقابات العمالية مع حركة السترات الصفراء؟

لقد ادارت الاحزاب الشيوعية التقليدية، والنقابات العمالية ظهرها لتلك الحركة عند شروعها وبناء عليه لم يكن في ذهنها تقديم اي افق لها. اثبتت انفصالها عن الطبقة العاملة والكادحة و البرجوازية الصغيرة المتضررة من هذه الهجمة الاقتصادية. الا ان هذا الفشل ليس صدفة، وليس عدم فهم. انه موقف طبقي بالضد من الطبقة العاملة ويصب في المطاف الاخير بمصلحة الرأسمالية. يقول قائد اتحاد العمل الديمقراطي الفرنسي المعروف ب (CFDT) لورين بيرغر ان هذه الحركة " شمولية". كما يقول رئيس الكونفدرالية العامة للشغل فيليب مارتينيز بان "اليمين يسيطر على هذه الاحتجاجاتّ" في الوقت الذي لم يشكل فيه اليمين الا قوة هامشية في هذه الاحتجاجات. بدلا عن الاجابة على مطالب المحتجين يدعو قائد هذه النقابة الى زيادة الحد الادنى للاجور بدلا من رفع مطالب المتظاهرين والدفاع عنها.

والسؤال هو: ان كانت هنالك قوى يمينية موجودة، فهل من مسؤولية القوى الشيوعية العمالية اي الشيوعية ترك الحركة الى اليمين المتطرف ليستولي عليها؟ الصراع الطبقي وصل الى درجة من العمق بحيث لا يحتمل اي حلول توفيقية، اما الذهاب الى اقصى اليمين او الذهاب الى الثورة العمالية, ليس هنالك مجال للمناورة, في هذه المرحلة الانتقالية في فرنسا ايضا. ان عدم الاقتراب والترفع عن حركة السترات الصفراء هو مناهض لمصلحة الطبقة العاملة، لمصلحة السترات الصفراء. يجب على القوى الشيوعية من الطراز اللينيني ان تقف مع هذه الاحتجاجات.

ماهي احتياجات هذه الحركة؟

بدأت هذه الحركة في نهاية اكتوبر من هذا العام باستفتاء اجراه المواطنين بدون تدخل اي حزب او نقابة او تنظيم سابق، بدون قيادة او منظمات على وسائل الاتصال الاجتماعي، داعية الى الغاء الزيادة في الضرائب على الوقود والتي اقرتها الحكومة. وقد وقع عليه في غضون ايام مليون شخص. ان هذا اللاتنظيم، وعدم وجود حزب ينظم ويقود هذه الحركة، يضع الحركة برمتها في مهب الريح، لا يعلم احد الى اين ستمضي؟ بدون حزب سياسي من الطراز اللينيني، شيوعي عمالي، لا يعلم احد الى اين سيمضي؟ عدم وجود حزب من هذا النوع يعني ان الحركة بدون افق سياسي واضح.

ان السترات الصفراء، وكما يؤكد الرفيق سامان كريم، عضو المكتب السياسي للحزب "غير مسلحة بأفق حركتها النضالية وهو اسقاط النظام الرأسمالي وبناء مجتمع خال من الطبقات عبر الثورة العمالية, غير مسلحة ببناء بديلها التنظيمي سواء كان الحزبي و الجماهيري كبديل لهذه النقابات والاتحادات. في التحليل الاخير هي غير واعية ولم يرتقي نضالها الى نضال سياسي طبقي موحد, بوجه الطبقة البرجوازية الحاكمة. هذه هي المشكلة الكبرى التي نعاني منها".

يقول لينين: المنظمات الشيوعية للطبقة العاملة عليها ان "توحد وتوجه" الحركات الاجتماعية الاحتجاجية للطبقة العاملة وللفئات العديدة التي تنضم اليها من البرجوازية الصغيرة. لا يمكن، كما يقول لينين، ان تكون هنالك حركة" نقية" عمالية صرفة. يجب على الشيوعيين توحيد وتوجيه وقيادة نضال الجماهير نحو انتزاع السلطة السياسية وانهاء الرأسمالية. هذا هو الافق اللينيني. وجود حزب سياسي هو المنظم، الموجه، والقائد، ليصل بالطبقة العاملة الى السلطة السياسية عبر ثورته العمالية. في فرنسان، لم تضع الطبقة العاملة ، وحركة السترات الصفراء هذه المهمة على عاتقها بعد. تحتاج فرنسا الى حزبها الشيوعي العمالي الطبقي الذي يوجه نداءه لا لاستقالة ماكرون فقط بل لازاحة الطبقة الرأسمالية بقضها وقضيضها.

يقول منصور حكمت، ان الميل الشيوعي هو السعي من اجل ترسيخ امل وهدف الثورة العمالية وتنظيم قوة هذه الثورة.. الثورة العمالية على مجمل النظام الاقتصادي والاجتماعي القائم. ان تنظيم الثورة العمالية ليست امراً مرهوناً بمستقبل بعيد. ان هذا المسعى لهو جاري الان. يجب العمل على توحيد العمال و تقوية وعيهم بكونهم اعضاء طبقة عالمية، وكلما ترسخت الشيوعية بين العمال بوصفها افق الثورة العمالية..سنخطو خطوة اقرب صوب الثورة الشيوعية.

لقد بدأ صبر هذه الطبقة المليونية بالنفاذ فعلا. فعلى امتداد اربعة قرون من عمر الرأسمالية لم يكن نصيب البشرية منها الا الافقار والحروب والكوارث والامراض والعنف، كما ان على امتداد عمر هذه الطبقة لم تتوقف الاحتجاجات وكانت متواصلة. كم من الهجمات يجب ان تشن وكم من الاحتجاجات يجب ان ننظم حتى نصل الى وجوب انهاء النظام الراسمالي؟ لانتزاع السلطة السياسية منهم وانتخاب الجماهير بنفسها لممثليها من الطبقة العاملة والكادحين الى السلطة ومن الاسفل الى الاعلى؟ ليس لدى الطبقة الرأسمالية حلا لحاجات البشرية، ولو كان الامر وقف عليها لقامت ببيع حتى الهواء. لذا، من اجل ازاحة حكم هذه الطبقة، يجب تأمين مستلزمات انتصارها الا وهو تأسيس حزبها الذي يقوم بتوحيد وقيادة الطبقة العاملة كما فعل لينين في اكتوبر 1917. يجب انهاء العفوية و اللاتنظيم، يجب ان تخرج الطبقة العاملة في فرنسا من ما تسميه كارول كرباج " سياسة الصدفة" الى سياسة حزب لقيادة نضال الطبقة العاملة والكادحين. اذا ما اريد لها ان تصل الى نتائج افضل لصالح العمال والكادحين، يجب انتزاع السلطة من الطبقة الرأسمالية الحاكمة، واستلام الطبقة العاملة للسلطة السياسية من اجل ان تبدأ بثورتها الاقتصادية في المجتمع، لتوزيع الثروات على اساس حاجات الانسان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الجيش اليمني يصد هجوما للحوثيين على مأرب ومقتل 45 حوثيا


.. نشرة الصباح | الصين: بقايا الصاروخ سقطت في المحيط الهندي جنو


.. شاهد: بمناسبة الذكرى السنوية الـ85 لتأسيسها.. مسلة بوينس آير




.. مشروع -زور البدرشين- يجذب السياح الزائرين للأهرامات | #من_ال


.. نصرة للمسجد الأقصى.. شبان من قطاع غزة يشعلون الإطارات المطاط