الحوار المتمدن - موبايل


آنسنة الألوان وتلون الإنسانية فى فيلم فوتوكوبى

إيرينى سمير حكيم

2018 / 12 / 25
الادب والفن


يحفل التراب الإنسانى بالدرجات اللونية فى مظهره وجوهره، كما أن الطبيعة من حوله تذخر بألوان أكثر تنوعا وشمولية، ولكل لون معنى ودلالة، وأحيانا وظيفة وضرورة وجود، والحقيقة أن تأمل هذه الدرجات له اشارة على شفافية النفس، ويقدم معنى راقى يُعبَّر عن تقدير للتأمل، حيث استخدام معطيات الحياة الرقيقة من حولنا والإستفادة من تفاصيلها، مما يجعل من توظيفها دراميا كبطل فنى غير مباشر فى فيلم، يخاطب النفوس الحساسة بالتدقيق والتأمل، قيمة كبيرة تُعبِّر عن مدى قدرة مخرج على الإبداع، بتوظيف المعطيات المتاحة له من سيناريو وأشخاص، وحتى مكونات دقيقة فى الطبيعة.

فى فيلم "فوتوكوبى" لم يخلو مشهد من اللون الأزرق ودرجاته، فسيجد المشاهد نفسه محاطا بهذا اللون طوال الفيلم، حيث حرص المخرج على اظهاره فى ملابس الممثلين، والكتب وفى الملفات الملقاه فى الخلفية والممسوكة فى الأيدى والمروحة والسيارة، فى الأحذية وأرفف الصيدلية وفى ماكينة التصوير، وستتفاجئ بتأثير حضوره وزهوه الخاص فى مختلف الأشياء الصغيرة المعتادة، وكأنك تراه لأول مرة، كأغطية الأقلام وبناطيل "الجينز"، وستجده مترامى فى الخلفية حيث الأضاءة الزرقاء على الحائط أو الزجاج.

وستلاحظه حتى فى ملابس الكومبارس الصامت، والذى من الممكن ألا يتعدى مروره لحظة واحدة فى خلفية المشهد.

ويبدأ هذا الإهتمام اللونى منذ البوستر الفانتازى للفيلم، بخلفيته التى تحمل إحدى درجات الأزرق، ويصاحبه تصور عم محمود لمحبوبته وهى فى شبابها، فأنت ترى البوستر الذى يمثل الحياة من رؤية البطل الخاصة، ولكن فى حالتها الجديدة، حيث الجانب الأسفل من البوستر يحمل لون القِدَم فى حالة الأبيض والأسود والتى تمثل رؤيته القديمة للأشياء.

ويظهر الأزرق كذلك بدرجاته فى العديد من التفاصيل التى تفاجئك بانتشارها بشكل دقيق فى كل مشهد، ويزاحم فى تكوين العناصر نفسها، فمثلا نار اعداد القهوة يُختَزَل حضورها بالأزرق، متخلية عن احدى مكوناتها اللونية الأساسية وهى اللهب الحمراء، حتى أن اللون الأسود قد فقد هيبته فى درجات ألوان هذا الفيلم، حيث تم استخدام درجات الضوء التى تُجرِد هذا اللون من قسوة قتامته، حتى ادخلته ساحة درجات الأزرق.

لغة الألوان الدرامية فى الفيلم
************************

إن اللون الأزرق هو اللون الذى يرمز للحياة، ولقد كان فى جنبات الفيلم فى كل تفاصيله، فى الأشياء التى فى الخلفية وفى الأشياء التى يحملها الأشخاص، لقد اجتاح هذا اللون تركيبات المشاهد، وكان شاهداً صامتاً على وجود الحياة فى التفاصيل من حول أبطال العمل ومن حولنا، انه يحمل معنى الحياة التى تنبض بوجودها فى كل شئ يحيط بنا، ولكنه كان شاهداً صامتاً صارخاُ بالنسبة للبطل، والذى حاصره بلغته اللونية فى كل شئ فى حياته، فى الإيجابيات والسلبيات، فى الأشياء الجميلة بدءاً من زرقة أعين حبيبته وتناسق هذا اللون مع قطع فى ملابسها، وملابسه كذلك، وأصدقاء الشارع الظرفاء، حتى فى دعامات الحديد التى تحمل تجديدا للمعمار الذى يعلو دكان الفوتوكوبى، وتصويرها الرمزى كقضبان سجن، يقع خلفها عم محمود الذى يوضَع مَحَل حصار بين الجديد والقديم، كما تجده فى أذرع نظارات الجار المتسلط الساخر من محمود المجتهد الشاغف.

إن الأزرق هنا يتجلى فى شتى المعانى وتناقضاتها، فإن الحياة تسكن فى جمالياتها وسخافاتها، إن الحياة من حولنا منتعشه بزرقتها وحيَّه ومنتعشة، حتى وإن كانت تأتى فى صورة متوحشة، فلها جوانب فيها مازالت رقيقة وانسانية.

وبالرغم من أن اللون الأزرق يصنَّف ضمن الألوان الباردة فى الطبيعة، إلا أن وجوده الصاخب فى العمل جعل منه لوناً حاراً بالمشاعر دافئاً بالتعابير فأدخله موجة الألوان الحارة، وقد تمازج هذا الأزرق الحيوى باللون الأحمر فى بعض المشاهد، التى قد أريد منها التعبير عن الحب وصحوة العاطفة، كالأحمر الذى فى ملبس الجارة الشابة لعم محمود، التى وهبته البنوة فى صورة جيرة، والشاب الذى يُعرِّفه بعيد الحب ويعطيه وردة، فتبعث فى روح عم فوتوكوبى العاطفة وشهوة الشباب للحب، وسيتواجد كذلك فى لون السيارة الحمراء الموجودة فى خلفية المشهد، الذى يعطى فيه عم محمود ست صفية تلك الوردة، فاللون يبدأ فى فرد سطوته الناعمة عند التعبير عن أجواء الحب فى الفيلم، وينتشر حينئذ فى أدق التفاصيل كذلك، والتى تحمل بدورها طاقة البهجة وحب الحياة، حيث ارتداء صفية لفستان بهذا اللون عند محاولة رقصها لإستعادة لحظات قديمة تحمل شباب الحب وحب الشباب، أمام ستائر بيتها الحمراء التى يتخللها نور النهار الساطع باعث الحيوية للروح، وهو نفس الفستان الذى سترتديه عند زواجها من حبيبها متحدية برودة الوحدة وركود الحياة.

كما يتجسد بدرجاته فى حلم عم محمود بلقاء حبيبته فى شبابها، والتى يزين ملابسهما هذا اللون، وعند حركة دوران الكاميرا فقد اظهرت اليفط التى تحمل اللون الأحمر، وكذلك ستجده فى ملابس الصبي الذى أنقذه والده من فك الديناصور.
فهو لون العاطفة الذى لم تستطع الديناصورات المنقرضة أن تتفهمه، إنه اللون الذى أنقذ نفسه بنفسه، إنه الحب الذى قد خَلُص من حمله فى قلبه، ولم يعبأ بأخطاء غيره ممن لم يتمكنوا من اللحاق بمراكب انقاذه من هلاك الزوال، لذلك كانت الديناصورات الفارغة منه، والضحية للإنقراض، كانت ستلتهم من يحمله كما التهمها الانقراض!.

ويعلو صوت اللون الأحمر فى احدى أجمل مشاهد الفيلم، حيث اليافطة المكتوب عليها "تتجوزينى يا ست صفية"، والتى أعلن بها حبه لها أمام الجميع وحاصرها بمحبته المعلنة.

ولقد حرص المخرج على اظهار جوهر الحياة بالتعبير اللونى فى أدق التفاصيل، وليس باستخدام وتوظيف الأزرق والأحمر فقط، بل بالتكوينات اللونية الأخرى وبدرجاتها أيضا، وقد كان بالنسبة لى لحظة "كنس المحل" التى قام بها عم محمود، ليزيح التراب بـ "المقشة"، عن أرضية المحل، من أجمل الجمل اللونية للغة التى استخدمها المخرج فى العمل على الاطلاق ومن أشدها حساسية، للتعبير عن فلسفة حياتية قوية التأثير بالنسبة لى، فكم هو تعبير بسيط وسريع، لكنه عميق المعنى وشديد الأثر فى النفس، فعند ازاحتك للتراب بمعانيه المعنوية، بإمكانك استراد التواصل بين بصرك وبصيرتك، فتتشبع روحك بجمال قديم تناسيته بإهمالك، وتشوشت صورته مع الزمن، وتعود إليك متعة لنفسك كنت تمتلكها رحلت عنك، وادراك للتجديد لم تكن تقدره فيما سبق!.

عن الإبداع التمثيلى
****************

حَمَل التمثيل تأثيراً فى بساطة أداؤه وسلاسة التعبير عن مشاعر وأفكار شخصياته، حتى فى التعبيرات الصامتة التى تُجسَّد بالنظرات فقط، ومن أهم ما تميز به الأداء التمثيلى فى أكثر الشخصيات بروزا فى تجسيدها، شخصية عم محمود فوتوكوبى والتى جسدها الفنان القدير محمود حميدة، والذى قد عبَّر بدقة عن الحالة المراد تقديمها فى رسم الشخصية المدون فى النص، وكان من أهم سمات هذه الشخصية، تلك النظرة التى تعلو تعبير وجهه الثابت أغلب العمل، والذى عبر عن الدهش والتساؤلات بداخله، حتى أنك تشعر وكأن وجهه قد تحول إلى علامة تعجب جامدة ترتدى قناع من علامة استفهام لا تتغير، فيماعدا تلك اللحظات البسيطة التى تخللها تعبيرات مغايرة على وجهة، للتعبير عن عواطف مختلفة كالحب والإشتياق أو الغضب.

ودور الست صفية والذى قدمته الفنانة شيرين رضا كان أدائاً هادياُ يحمل صفواُ تمثيلياُ بعيداً عن الإفتعال، فهى امرأة عجوز تحمل شخصيتها أبعادا من الحنان والرقة والتأنّي فى تصرفاتها، يصل إلى حد التردد والخوف فى أغلب الأحيان، وهذا الإنطباع قد أعطته للمشاهد جيداً حيث بطء تفاعلها وتحركاتها المصاحبة لتعبيرات التوتر والرفض فى أحيان كثيرة، قد ساهم فى توصيل تلك الأبعاد الشخصية والنفسية لهذه الإنسانة، والذى برر أن يكون هذا من دوافع اندفاع عم محمود فى تعامله معها، ليقابل ترددها بتهور فى بعض المواقف.

الصبى عبد العزيز والذى قدمه الفنان أحمد داش، وهو يُعَد إحدى علامات التميز فى الإداء الابداعى فى العمل، فلقد اتسم بصفات الممثل المجتهد بإمتياز، واستطاع أن يضع نفسه فى مكانة التماهى مع الشخصية المؤداة، والتى يسعى لها الكثير من الممثلين، ولا يتمكن منها الكثير، وإن كانوا فى أضعاف عمره التمثيلى أو الفنى، ولقد طبع لنفسه سينمائيا، بصمة خاصة فى تعابير شخصية الصبي (الفهلوى، اللمض، المتحذلق).

التناغم بين الإخراج والنص
**********************

لقد استطاع العمل بمكوناته التنفيذية من كتابة وتمثيل واخراج، أن يُعبِّر بمهارة عن فلسفته الخاصة فى الحياة المراد توصيلها.

كما أنه يعتبر واحد من أهم الأعمال الدرامية، التى عكست مدى التوافق الموجود فى كواليس العمل بين الفكر التأليفى والإخراجى، وأظهرت مدى القدرة على التواصل انسانيا وفنيا بينهما، مما جعل خروج العمل إلينا مشرقاً بمعنى واضح مليئاً بالتفاصيل الكبيرة والصغيرة فى أشد حالات دقتها، مدوناً برسم النص والصورة معاً، مما ممكن كل من المؤلف والمخرج من تقديم دعوة تأملية قوية للمشاهد، من نفس منظور الشخصية الرئيسية المتأملة المدققة فى كل شئ، وحتى من خلال سائر تفاصيل الشخصيات الأخرى بتركيباتها وتناقضاتها المختلفة، نفسياً واجتماعياً.

القراءة الإنسانية للعمل
******************

إن بطل العمل محمود فوتوكوبى هو ذلك الإنسان الذى يسأل ويستائل دائماً، إنه الإنسان المتأمل جيداً لكل ما حوله، فهو لم ينظر لفرص الفهم التى طرحت امامه من نظارات الصدفة والإعتباط، بل كانت بالنسبة له ترتيب من القدر لإدراك سرٍ ما، وقد صاغ اخراج الحالة القدرية فى الفيلم، الإخراج السينمائى بصياغة شديدة اللباقة يفهمها كل باحث متأمل كعم محمود، فلم تكون علبة "التونة" ذات الغلاف الأزرق ذو السمكة الزرقاء، ومن تحتها ورقة الجريدة التى تحمل خبر انقراض الحوت الأزرق، مجرد صدفة أو تشابه مجسمات لوناً أو شكلاً بإختلاف أحجامها، بل كانت إحدى مثيرات الدهشة فى ذهنه، التى أدهشته كما فعلت قصة الديناصورات حزينة القدر، فإنتابته نوبة البحث من جديد.

وفى رحلة بحثه عن الحياة وتفسيرات انقراضها وكيفية استمرارها، قد وجد إجابته فى صفية، والتى كانت تمثل الحب له بشكل خاص وللحياة بشكل عام، حيث وجد أن الحب هو جوهر الحياة وفرصة النجاة من الإنقراض منها، وقد وجده متجلياً فيها، فهى الإنسانة التى تحمل الحب فى كل شئ حتى فى عزلتها، فقد أعطت ابنها حبها وحياتها وتهميشها وتنازلها عن كل شئٍ عداه، وكان اخلاصها وبذلها الشديد فى الحياة بمثابة جاذبية خاصة له بها، فهى قد أعطت حتى مرضها قطعه من ثديها.

ولقد استطاع عم محمود أن يتذمر على فعالية مصطلح الفوتوكوبى الذى حمله على أكتافه طيلة عمره، فهو المصطلح الذى يحمل فى عمله الإعتيادية، النسخ والتكرار واللا تجددية، ولكنه ببحثه الشغوف عن قوة الوجود، أثبت أن القِدَم ليس علامة على الإنتهاء، بل أن القِدَم علامة لولادة القيمة فى عمرٍ ما، مهما كان وقته، وليس علامة على قرب فناء صاحبها، وأنه ليس نسخة مكررة لعجائز مثله، ولا عليه أن يشبههم فى قدر العزلة والإنقراض والموت المعاش.

فبالرغم من أنها مهنته حتى ما بلغه من هذا السن، إلا أنه تخطى تقليدية مهنته، وحياته ومَن هم على شبه ظروفه، وطوَّر فكره ومن ثَم حياته، وكذلك مهنته واختار أخيرا أن يتخلى عن تلك الآلة ليحتفظ بما يليق بهذا التجديد الشامل فى حياته وفى عمله، ليستنشق أهم أنفاس فى أيامه، بعد أن بدأ أهم مرحلة فى رحلته على الارض.

والتى وإن كانت قد بدأت مؤخرا، إلا أنها قد بدأت أخيراً!.

وهذا العمل هو بمثابة دعوة لمن مثله فى هذا العمر، أو من كان شاباً يشعر بالشيخوخة فى إحدى المراحل التى يمر بها فى حياته، فما زال لديك أنفاس لتحب، وتتعلم وتتفاعل مع المجتمع، وتثور على كل حجر عثرة فيه من أشخاص متهكمين ظالمين طامعين، كما فعل.

حتى وإن كان مجتمع برمته قد أصيب بالعَجز والعِجَز، فبإمكانه أن يشب فوق سور صغر نفسه ووضاعة حالة، وبيقين أنه سينتصر، فهو ليس معشر فئة من الحيوانات كالديناصورات لا تعى خطورة الإنقراض، وليس بيديها حيلة تجاه هذا الخطر الذى يهدد قيمة بقائها، وليس أمامها سوى الذكرى.

وهنا تكمن قيمة "الإنسان" فى هذا العمل، حيث أن الفرص مازالت متاحة والحياة مازالت مستمرة، والحب نعمة مهداه لجميع الذين يشغفون به ويدفعون الغالى لإقتنائه حتى آخر العمر.

فلقد عاش هذا المثل الإنسانى طيلة عمره عم محمود فوتوكوبى، حتى أن تجدد ذهنه.

وكما أن الألوان قد تزاوجت فى العمل لتصنع جمال صورة، كذلك تزاوجت المشاعر والأفكار لتخلق جمال جوهر من جديد.

وهكذا قد تزوج السؤال من الإجابة واعطتهما الحياة المكرمة من قبلهما، زمناً للحب يَكسبهما حياة أخرى وأياماً جديدة.

لذا مادمت حى .. فلابد أن تُحِب وإلا ستنقرض!










التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الكويت تفتتح مهرجانها المسرحي في دورته الجديدة بعد انقطاع لق


.. فنان أميركي يثير دهشة رواد مواقع التواصل بموهبته الغريبة في


.. -أثر الفراشة- تهدي ألوانها لأحياء بغداد المهملة.. وجدرانها ت




.. بطربوش وجلابية .. الديب شو بيقلد الفنانين ويعمل أحلى كبدة وح


.. ظافر العابدين: بداية قصة فيلم -غدوة- حقيقية وهي اصابة شقيقي