الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عطر سبينوزا

رائف أمير اسماعيل

2019 / 1 / 1
الادب والفن


جلست الفتاة زهرة تصبغ أظافر قدميها السمراويتين من مجموعة من قناني الصبغ التي عثرت عليها في القمامة. كل اظفر تجربه بطلاء لون منها حتى استقرت أن تخلط الأحمر والبنفسجي لتصبغ إظفر إبهامها، فيما تصبغ الباقيات الناعمات بالوان مختلفة.
اقتحمت غرفتها التي بنيت من الصفيح جارتها المراهقة صبا بعد أن دفعت بسهولة الباب الخشبي الإطار، الصفيحي المتن، وهي تباغتها بقول فظ:
- بنت القحبة، ماذا تفعلين، لمن هذا الصبغ، مع من متواعدة؟
- اخرسي، قلت لك أكثر من مرّة لاتستخدمي هذه الألفاظ.
- طيب، لكن إسمحي لي أن اقول لك مثل المثقفين كما تريدين دائما: مع من تواعدت يا أنسة؟ وبينما هي استرجعت صورته في ذهنها بسرعة ثم طمرتها في ذاكرتها بنفس السرعة لئلا تبوح اقتحمت الغرفة سحر، وهي مراهقة أخرى لتصرح:
- أنتم هنا وسيارة القمامة أنزلت حمولتها؟... يقولون هي جاءت من منطقة الأغنياء... عثروا في قمامتها على أشياء كثيرة لها قيمة... اقتربت منها لتؤشر على أصابع قدميها وتلمس صبغ أحدهما وهي تقول:
- الأحمر يناسب قدميك أكثر.. مع من تواعدت؟
- لم أتواعد مع أحد.. ماذا بكما .. احكيلي ماذا عثروا ولماذا لاتذهبا انتما لتبحثا فيها؟ فأجابت سحر:
- انا توا أكملت الطبخ .. يقولون وجدوا في القمامة الجديدة الكثير من أواني الألمنيوم وأسلاك النحاس .. وحتى نقود كثيرة.. قاطعتها صبا لتقول:
- يقول عمي حسين إن الأغنياء ربما يتقصدون في وضع النقود مع القمامة حتى نلتهي ونستمر في البحث في القمامة ونعيش وننشغل هنا ولانفكر في حال البلد وماوصلنا إليه، مثل الحكومة تعطي رواتب قليلة للناس حتى تسرق هي أكثر. ثم وقفت أمام مرآة كبيرة مكسورة معلقة في الغرفة لترى نفسها وهي تستدير سائلة صاحبتيها مبتسمة:
- هذه الدشداشة جميلة؟.. هي ضيقة من الوسط .. ذلك حسن كي تبرز مؤخرتي ههههه. أجابتها سحر.
- بنت القواد .. تكبرين مؤخرتك كل يوم حتى يحبك كريم أكثر ويتعلق بك .. شاهدوك مرّة صعدت معه في السيارة لوحدكما، ماذا فعل بك؟.. قاطعتهما زهرة:
- اخرسا من هذا الكلام المعيب، واخرجا من الغرفة.. قاطعتها صبا:
- مابك زهرة؟ .. انت تغيرت كثيرا منذ فترة.. لترد زهرة:
- لم اتغير، بل كبرت .. نحن كبرنا ولم نعد أطفال.. علينا ان نحترس على انفسنا ولانضيع.. تذكروا فاتن . تذكروا فردوس .. ضحكوا عليهما .. حتى ولدت فردوس طفلها في القمامة وهربت وهي لم تعرف من هو أبوه... ردت سحر:
- انت تبالغين زهرة .. تلكن بنات قحاب ونحن لن نصل إلى ذاك الحد.. نحن نريد رجالاً ينقذوننا من هذا الوضع المقيت فقط .... سمعت سحر صوت امها يناديها من الخارج فاسرعت الخروج .. تبعتها صبا وهي تقول لزهرة:
- أنا سأذهب أيضا .. نسيت أن أطبخ الرز.. فخرجت.
وما أن خرجتا .. تسلل طيف أحمد إلى ذهنها.. قامت إلى المرآة لترى نفسها من جديد.. تسائل نفسها كيف تقنعه بنفسها، بجسدها كي تنال حبه الصادق .. أو حتى تتقرب منه فقط .. هذا الثري يبدو شيئا آخر.تلذذت في استرجاع كل حيثيات لقاءه وهي تلمس أجزاء جسدها.
كانت البداية أن امها الأرملة عثرت على قنينة عطر مملوءة تقريبا فطلبت منها أن تبيعها في الشارع، عند إبطاء السيارات عند نقطة التفتيش القريبة من مكان طمر القمامة.. حينها أفهمتها أن أصحاب السيارات الفارهة لابد أن يدفعوا ثمنا أكثر، وعليها أن تكون ذكية في البيع.. إذا وجدت سيارة فيها شخص وحده فانه سيدفع أكثر لأنه سيخجل أكثر.
حينها جذبتها سيارة جارجر .. جذبتها عينا أحمد الزرقاوان ووجهه السمح المبتسم. عرضت عليه شراء قنينة العطر .. تلقفها بسرعة وقرأ اسمها سائلا:
- هل تعرفين ما اسمها؟.. وفيما أومأت خجلة بعد المعرفة قال لها:
- اسمها عطر سبينوزا .. هل سمعت بسبينوزا.. وبينما انتبه لنفسه أنه يحرجها بسؤال عن اسم فيلسوف لم يسمع به حتى الكثير من المثقفين قاطع نفسه ليردف سريعا:
- ماثمنها؟... ترددت في البوح بالسعر .. يبدو أنه هو من يعرف سعرها الحقيقي وليست امها التي قدرت سعر قنينة عطر لم تستخدمها يوما ولم تسمع بها، فقالت وكأنها هي من تسأل خجلة:
- خمسة آلاف دينار.
- ما اسمك؟
- زهرة.
- وأنا اسمي أحمد ..أنا سأدفع لك خمسة عشر الف دينار لكن بشرط.. خافت من الشرط وقالت مستحية:
- ماهو؟
- عندما تكبرين أريدك أن تعرفي من هو سبينوزا.. هزت رأسها ضاحكة.. تحركت السيارات المزدحمة فلحق أن يخرج من جيبه المبلغ وناولها إياه .. وودعها ليسرع بسيارته.
حتى وهي تتذكر تُحرج أنها قبلت أن تأخذ منه مبلغا أكبر كثيرا من سعره الحقيقي حتى في السوق، وتتذكر وقتها أن سبب القبول هو كي تفرح امها ولحاجتهما الماسة له.. هي تتذكر أنها كانت تحمل كبرياء حين كانت صغيرة تعيش في بحبوحة في بيتهم في الموصل قبل أن يفروا منه ، كان ابوها الذي قتله الإرهابيون إنسانا كريما يغدق عليها بأكثر مماتحتاج. كانت مدللته، رغم أنه كان يحب أخاها الأكبر أيضا.. أخوها الذي مات برصاصة طائشة اثناء الفرار ودفنه الناس في الطريق. أحبت أن البعض يطلق على أبيها عبارة (إنسان مثقف) رغم أنه لم يكن يحمل سوى الشهادة المتوسطة، لذا هي اهتمت بشرط أحمد وكأنه كان دعوة للاستمرار في النهج .. نهج أن تطلب من صديقاتها حتى في طفولتها: يجب أن نكون مثقفين ... وتتحمل هزأهن وعدم فهمهن للكلمة. وهنا اجتمعت العاطفة والعقل عندها كي تندفع نحوه، أن تلتقي به مرّة ثانية ومرّات أخر، فأصبحت تنسل من البحث في القمامة وتتحجج لامها ببيع شيء كي تقف في نفس المكان وفي نفس وقت مروره السابق عسى أن يمر. لكنها حرصت أن يكون مرتبا أكثر عسى أن تثير إهتمامه أكثر مع مراعاة أن لايثير هندامها شكوك أمها أو الآخرين.
فرح أحمد وهو يبتعد عن زهرة بأن يكون للفيلسوف سبينوزا عطراً باسمه أكثر من نشوته بمساعدة مراهقة بائسة، وبدأ يسترجع ماقرأه عنه.. فيلسوف عاش وحيدا مسكينا منبوذا رغم عظمته الفكرية، تبرأ اليهود منه وحتى أهله لكفره بنظرهم.. هو قد راجع فلسفته أكثر من مرّة وعشقها.. كان بنظره مؤمنا عظيما لأنه يعرف الله أكثر من الذين عادوه على الأقل. بل ان سبينوزا يتوافق مع افكاره وأهدافه التحررية في إنشاء مجتمع ديمقراطي أخلاقي منذ أن سلك درب السياسة. ويتشابه معه في عدم اهتمامه للمال. ولولا أنه ورث مبلغا كبيرا وعقارات مؤجرة من والده البخيل لكان الآن ربما يستجدي من الآخرين. أو لكان قد وجد عملا لايستطيع تبذير مايحصل منه. زوجته كثيرا ماتنتقده على كرمه لكنه كان يتملص بأحاجيج .. وأحيانا يزجرها: أنا ولدت كريما ولا أستطيع تمثيل دور البخيل أنا مثل جدي صالح .. وأنا أدير أعمالي بشكل جيد وأربح أكثر بكثير مما أكرم الآخرين.
بعد ثلاثة أيام مرّ أحمد في الوقت نفسه. لمحته وأثارت انتباهه بارشات يدها.. وقف لها، اقتربت خجلة سلّمت عليه متلعثمة.. أطلقت حجتها في لقائه مقدما وبسرعة:
- لم يعرف أحد سبينوزا وأنا أحببت أن أعرفه منك قبل أن أكبر.. أنا فهمت أنك اعطيتني مبلغا كبيرا لأن العطر ذكرّك به.
- بل لأنني تذكرت أهدافه السامية.. حسنا .. ماذا أكملت أنت من شهادة؟
- أنا كنت في الأول متوسط قبل ثلاث سنوات، حتى هجم علينا الإرهابيون وفررنا منهم .. والدي كان مثقفا .. أنا من الموصل.
- أهلا بك مرّة أخرى يازهرة.. وكيف تعيشون الآن .. من بقي من أهلك.
- نعيش أنا وأمي فقط على مانعثر عليه من أشياء يمكن بيعها من القمامة. قصتنا طويلة مع المعاناة.
- لاعليكِ ياصغيرتي .. اعتبريني مثل أخ أكبر يريد مصلحتك.. وأريد أن تسمعي كلامي .. ها؟
- نعم استاذ.
- خذي هذا المبلغ الآن .. قاطعته بسرعة:
- لا لا استاذ ..
- إذن أنتِ لاتريدين أن أكون أخا لك ..
- بل أقبل لكن لا أريد أن أأخذ مالاً من أحد.
- لاتستعجلي الرفض .. افهمي بدقة ما اقول وانا مستعجل في الذهاب... صغيرتي .. ستأخذين المبلغ.. وغدا تنتظريني هنا في نفس هذا الوقت .. سأجلب لك كتبا لمرحلة الأول متوسط .. انتظريني هنا وغدا سأفهمك ماذا أريد منك.. إلى اللقاء زهرة.
كان قد سحب يدها ودسّ فيها مبلغ 100 الف دينار محذرا لها أنه سيزعل منها ولن يلتقي بها اذا لم تأخذها. فقبلت على مضض ... وعادت منتشية رغم أنها تمنت لو لم يقل لها إنه يعتبرها أختا له.
وعلى ضوء الفانوس أخذت زهرة تلتهم كتبها الدراسية.. ثم لاحظ أحمد استجابتها فأقنعها أن تعود إلى مقاعد الدراسة .. ثم أقنع أمها أن يتركا منطقة الطمر الصحي ويسكنا بيتا استأجره على حسابه الخاص. بعد أن سألت عنه وعرفت سمعته الجيدة بين الناس.
وهو بعد أن تعطر بعطر سبينوزا تسللت رائحتها إلى أعماقه أكثر ممزوجة برائحة القمامة التي يشمها بسطاء الناس أولئك.. بفكر واقعي جديد وخطط عملية في كيفية تغيير واقعهم.
وفي إجتماعاته الحزبية إنتشر من جسده عطر سبينوزا إلى الأعضاء .. صاروا هم أيضا يشتروه وينشروه للآخرين. حتى بات الحزب يسمى حزب سبينوزا.
وزهرة، صارت عضوة كبيرة في حزب سبينوزا بعد أن أكملت دراستها الجامعية.
وصارت تصبغ أظافر أقدامها باللون الأحمر .. الذي أشادت به كل صديقاتها أنه أجمل لون لقدميها .. بل حتى أحمد مرّة حين جاملها فتجرأت أن تقترب منه وتقول له: أستاذي أنا أحببتك قبل أن تطلب مني أن أكون أختا لك .. ولي الحق الآن أن أعترف لك بعد أن طلقت زوجتك. أنت تعرف كم عدد الذين رفضت طلبهم الزواج مني.
وكأن عطر سبينوزا هو أيضا يشعل الإنسان جمالا ً فصار وجهها الأسمر مثل ملكة جمال هندية يشار إليها.
أنفق أحمد كل ماله على حزبه الذي أسسه بنفسه .. وعلى مئات من الناس الفقراء كي يمكنهم من النهوض وممارسة العمل الناجع. وكان هو السبب الرئيس لطلاقه من زوجته. حين أرادت أن تتخلص من حياة الإفلاس .. ثم ألحت زهرة أن يتزوجها بفارق عمر عشرين عاما .. قالت له:
- الآن أنت مفلس مالاً، لكنك غني سمعةً وأنا أحب مثل هذا الغنى .. أنا أعبدك يا أحمد ولن أتزوج من غيرك.. أنا رفضت كل المتقدمين كي أبقى لك حتى لو لم تتزوجني .. لايجوز أن أتزوج غيرك وأنت كل عقلي وكل قلبي.
وهو أيضا كان قد تأثر بها بعد طلاق زوجته واقترابها منه أكثر .. بل صدمها جمالها حين تقصدت إغراءه بشكل غير مباشر ببعض من مفاتنها .. فتزوجا.
تبرع الأعضاء من جديد له ولزواجه.. وكأنهم هذه المرّة أرادوا الثأر وزوجوا سبينوزا الذي حرم من الزواج من أجل الفلسفة.
وبعد أن عبر عمر الستين عاما بأيام قلائل أغتيل.. أغتيل زعيم المعارضة أحمد لأنه تقدم بدعاوى كثيرة ضد الفاسدين من الحزب الحاكم، فصار رمزا وطنيا دفع الناخبين لأن ينتخبوا حزبه في انتخابات لاحقة.
عندها صارت الدكتورة زهرة وزيرة للتربية في وزارة حزبها الذي ترأسها من خلفه في الحزب.
صارت زهرة تشمم أبناءها الثلاث عطر سبينوزا ... كي تستمر شعلة الإيمان الصحيح .. وشعلة الديمقراطية الأخلاقية.
31/ 12/ 2018
انهيت كتابتها في الساعة 8:12 دقيقة .












التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ذكرى رحيل المخرج الكبير حسن الإمام اليوم


.. ا?برزهم زوجة ويل سميت وسالي عبدالسلام.. مرض الثعلبة يصيب عد




.. بمعايير استخدمها الإغريق.. الممثل البريطاني ريج جان بيج أوسم


.. فرقة يمنية شعبية تقدم عرضا فلكلوريا من التراث اليمني الأصيل




.. ذات يوم .. فريد الأطرش يعود إلي القاهرة بعد 42 شهرا من الغي