الحوار المتمدن - موبايل


مقدمات 18 و 19 يناير 1977 وحاتم زهران

إلهامي الميرغني

2019 / 1 / 18
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان


و اسأليلي
كل عالم في بلدنا
كل برج و كل مادنه
كل صاحب من صحابنا
كل عيل من ولادنا
حد فيهم شاف علامة من علامات القيامه
قبل ما تهل البشاير
يوم تمنتاشر يناير
لما قامت مصر قومة بعد ما ظنوها نومه
تلعن الجوع و المذلة و المظالم و الحكومة؟
أحمد فؤاد نجم
كنا لازلنا طلاب علي مقاعد الدراسة الجامعية في عام 1976 عندما رأينا أن الحزب الذي ننتمي اليه لا يهتم بالقدر الكاف بالطبقة العاملة وإنه مغرق في العمل الطلابي كميدان رئيسي للعمل الجماهيري،ورفعنا شعار التوجه للطبقة العاملة. كنا متحمسين لا يكبح اندفاعنا اي قيادة أو أي قواعد حزبية وتعاملت القيادة معنا بروح متعالية وسخرت من أفكار التكتل وقررت تجميد عدد من القيادات فقررنا الانشقاق رغم ان الكثير من الثوابت السياسية والتنظيمية متفق عليها ولكن التطبيق التنظيمي والوضع الجماهيري هو ما دفعنا للخروج. وشكلنا المنظمة العمالية الثورية وهدفنا الرئيسي التوجه للطبقة العاملة.
وتوزعنا علي مختلف الأحياء والمناطق العمالية.وقررنا البحث عن مرشح يحمل برنامجنا نخوض معه انتخابات مجلس الشعب في 1976. وأسفر البحث عن لقاء المرحوم فهمي النكلاوي من قيادات عمال شركة أسكو ومن القيادات الشيوعية القديمة في منطقة شبرا والساحل.وكان من اعضاء منظمة راية الشعب في الخمسينات وبالتالي هو ذو توجه راديكالي بحكم انتمائه السياسي وكانت تربطه صلة قرابة بطنط سميعة البرلسي رحمها الله زوجة المناضل الكبير سعد زهران ووالدة زميلنا فريد زهران.ووافق النكلاوي علي خوض الانتخابات ببرنامج المنظمة العمالية الثورية التي لم يعرف سوي اتنين فقط من كوادرها الوسيطة اضافة الي مجموعة من الاعضاء القاعديين من طلبة الجامعات.
لكن دائرة الساحل كان المرشحين عنها يعتبرو ممثلين لليسار وهما المرحوم أحمد طه والمرحوم سيد رستم.ولذلك ستكون المنافسة صعبة.
وبدأنا الحملة بكتابة الشعارات علي حوائط دائرة الساحل وكان بيت خالد الفيشاوي هو أحد مقرات تجمعنا باعتباره في قلب الساحل.وخلال توزيع البيانات الانتخابية التقيت بصديقي العامل والمناضل النقابي صابر بركات علي مقهي بجوار المعهد الفني في شبرا .وطلب مني ان اجلس لنتحدث في البيان والبرنامج ولكني كنت مشغول بتوزيع اكبر عدد من البرنامج فطلبت منه ان يحضر للمقر للمناقشة ووافق. وعندما حضر وبعض زملائه من شركة الدلتا للصلب للمقر وعرف نفسه أكد لنا المرحوم صفائي الميرغني أنه من أفضل عمال الدلتا للصلب وانه يتابع اخباره منذ فترة . وانضم صابر واصدقائه لحملة النكلاوي وصرنا اصدقاء وتحول منزلهم الي أحد مقراتنا ليغدق علينا الكرم والمحبة.
كنا نخوض انتخابات تنفق بها الملايين ونحن لا نملك الا مصروفنا وبعض التبرعات التي نطبع بها البيانات الانتخابية وبعض الملصقات.ولا نملك رفاهية عمل سرادقات انتخابية ونكتفي بالمسيرات الانتخابية والمؤتمرات علي المقاهي خلال الجولات التي نردد خلالها شعارات الغلاء والقضية الوطنية ورفض الانفتاح والمطالبة بالحريات الديمقراطية.
فجأة اندس بيننا شخص عرفنا بنفسه كمهندس في سنترال شبرا واسمه " حاتم زهران " ولكن لأننا كنا مدربين جيدا علي التعامل مع مختلف الشخصيات واختبارهم فتأكد لنا أنه تابع لأمن الدولة وهم مهتمين بمعرفة وضع انشقاق حزب العمال ومدي ارتباطه بالحركة العمالية . ونيمناه في الذرة وسقيناه شاي بالياسمين واقتنع انه واحد مننا وعارف كل شئ بينما كنا جميعا نتعامل معه كمصدر لأمن الدولة .
كانت معركة الساحل عام 1976 نقطة تحول كبيرة في حياة كل من خاض هذه المعركة التي كانت أول اختبار عملي لنا خارج اسوار الجامعة في حي من أقدم الاحياء العمالية في القاهرة .
بعدها عقد بجامعة القاهرة أسبوع للجامعة والمجتمع ولم نتوقع وقتها حجم الإقبال والتأييد الطلابي الذي اختلف عن الحصار الذي كنا نعيشه منذ 1974 وحتي نوفمبر 1976.واتذكر اجتماعنا بعد مظاهرة 26 نوفمبر وكيف شرح خالد الفيشاوي كيف زاد عدد المتظاهرين وكيف تم عبور كوبري الجامعة إلي أن وصلت لشارع القصر العيني . وعندها اصبحت المظاهرة خارج السيطرة حيث انضمت لها جموع المواطنين العاديين لتكون وبحق بروفة 18 يناير الحقيقية.
عندما تفجرت المظاهرات وقرر عمال حلوان النزول للتحرير وقرر عمال شبرا الخيمة ايضا النزول للتحرير ليلتحموا بطلاب جامعات القاهرة وعين شمس والأزهروينضم الاف المواطنين للمظاهرات يرددون شعارات انتخابات 1976 في معارك خضري منصور في حلوان وعزت عامر في مصر القديمة ومحمود الشاذلي في الدرب الأحمر وفهمي النكلاوي في الساحل .
بكينا عندما رأينا عمال وشباب لا نعرفهم يرددون شعارات نظمها كمال خليل وتيمور الملواني وكمال أبو عيطة وصناع الهتافات في الجامعة. كانت ثورة لم تقتصر علي القاهرة وامتدت للعديد من المحافظات المصرية وعندما حوصر ميدان التحرير تفرقت المظاهرات لعدد من أحياء القاهرة واستمرت علي مدي يومين إلي أن تراجع السادات وألغي قرارات رفع الأسعار.
شهدت مصر حملة اعتقالات كبري لقيادات طلابية وعمالية.وهرب كثير من زملائنا من الحملة البوليسية لكي تستمر الحركة في الجامعات والأحياء التي بدأنا نرتبط بها في ظل مطاردات مستمرة وسقوط البعض في قبضة أمن الدولة.
من عجائب العدالة المصرية انه تم تقسيم متهمي 18 يناير إلي مجموعتين المثقفين والطلبة في القضية 100 حصر امن دولة والتي شملت 176 متهما كان أصغرهم صديقنا رفيق الكردي 16 سنة( هو الان الأمين العام المساعد لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي ) وتم إدانة 12 شخص من المتهمين حكم عليهم بالحبس ثلاث سنوات وعرفت بقضية التنظيمات الشيوعية.
والمجموعة الثانية كانت القيادات العمالية واراد الأمن ان يعزلهم عن القيادات الشيوعية وكانوا متهمين في قضية الشغب وعوملوا معاملة في غاية السوء مقارنة بالمثقفين المدربين علي التعامل مع سلطات التحقيق والسجون والمعتقلات المصرية وأصحاب الخبرة.وعلقت هذه القضية وأفرج عن كل المتهمين فيها بدون أحكام.
من غرائب تحقيقات النيابة عودة " حاتم زهران " للظهور كشاهد رئيسي علي أغرب المتهمين وهو من سمته المحكمة " حاتم تلستار " لأنه اعترف انه شاهد المتهمين في القضية 100 الساعة الرابعة عصر يوم 18 يناير في ميادين العباسية وعبده باشا والتحرير والسيدة زينب وميدان الجيزة وهو ما يفوق الخيال في ظل زحام القاهرة وهو ما دفع ممثلي الدفاع لتسميته " حاتم تلستار" .
تحية إلي أرواح كل من رحلوا من ثوار يناير 1977 والذين توفي منهم أكثر من 25 رفيق وأذكر منهم الرفاق عبد الحكيم تيمور الملوانى،احمد عبد اللطيف حمدى عبد اللطيف، محمود مدحت محمد على ، أسامة خليل ، صلاح الدين يوسف عبد الحافظ ، طارق محمد إبراهيم ، عماد حسن صيام، رضوان مصطفى رضوان الكاشف ، محمد عواد شفيق احمد ،محمود سيد البيطار،احمد نصر احمد أبو بكر ،محمد فكرى عبد الظاهر منصور، منصور عطية رمضان ، محمد بهائي الميرغني ، خالد محمد السيد الفيشاوي، زكى مراد إبراهيم ، محمود محمد توفيق، مبارك عبده فضل ، سيف الدين محمد صادق ، محمد على عامر الزهار، جميل إسماعيل حقي سالم ، عريان نصيف ناشد ، ماهر سمعان غبريال ، ذهدى ابراهيم العدوى ،محمد احمد عيد الشهير ب حمدى عيد، غريب نصر الدين عبد المقصود، صلاح السيد متولى عيسى ، احمد فؤاد نجم حسين عبد الستار سيد احمد . ( الأسماء مرتبة وفقاً لترتيب ورودهم في قرار الاتهام) . وتحية لباقي المتهمين الباقين قابضين علي جمر يناير ولكل جيل يناير 1977.
وتحية لارواح كتيبة محامي اليسار في القضية والذين رحلوا منهم الاساتذة عادل أمين ،الدكتور عصمت سيف الدولة ، المستشار محمد ممتاز نصار، صلاح عبد المجيد صالح،الدكتور يحي الجمل،محمد فهيم أمين،احمد نبيل الهلالي، عبد الله الزغبى،محمد أبو الفضل الجيزاوي،محمد صبري مبدي، خليل عبد الكريم محمود عليوة، الدكتور جلال رجب، الدكتور عبد الحليم مندور.
وصدر حكم محكمة أمن الدولة العليا برئاسة المستشار حكيم صليب منير حكم تاريخي ابطل فيه الأوراق المكتوبة بخط اليد كدليل أدانة والصور باعتبار انه يمكن التلاعب بها وجاء ضمن حيثيات الحكم:
"ولكن المحكمة وهى تتصدى لتلك الأحداث بالبحث والاستقصاء لعلها إن تستكشف عللها وحقيقة أمرها لابد إن تذكر ابتداء إن هناك معاناة اقتصادية كانت تأخذ بخناق الأمة المصرية في ذلك الحين وكانت هذه المعاناة تمتد لتشمل مجمل نواحي الحياة والضروريات الأساسية للإنسان المصري . فقد كان المصريون يلاقون العنت وهم يحاولون الحصول على طعامهم وشرابهم ويجابهون الصعاب وهم يواجهون صعودا مستمرا في الأسعار مع ثبات مقدار الدخول ثم إن المعاناة كانت تختلط بحياتهم اليومية وتمتزج بها امتزاجا فهم مرهقون مكددون في تنقلهم من مكان إلى أخر بسبب أزمة وسائل النقل وهم يقاسون كل يوم وكل ساعة وكل لحظة من نقص في الخدمات وتعثر فيها وفوق ذلك كان إن استحكمت أزمة الإسكان وتطرق اليأس إلى قلوب الناس والشباب منهم خاصة من الحصول على مسكن وهو مطلب اساسى تقوم عليه حياتهم وتنعقد أمالهم في بناء أسرة ومستقبل وسط هذه المعاناة كان يطرق أسماع المصريين أقوال المسئولين والسياسيين من رجال الحكومة في ذلك الوقت تبشرهم بإقبال الرخاء وتعرض عليهم الحلول الجذرية التى سوف تنهى أزماتهم وتزين لهم الحياة الرغدة الميسرة المقبلة عليهم
وبينما أولاد هذا الشعب غارقون في بحار الأمل التى تبثها فيهم أجهزة الإعلام صباح مساء إذ بهم وعلى حين غرة يفاجئون بقرارات تصدرها الحكومة ترفع بها أسعار عديد من السلع الأساسية التى تمس حياتهم واقواتهم اليومية هكذا دون إعداد أو تمهيد .
فأى انفعال زلزل قلوب هؤلاء واى تناقص رهيب بين الآمال وقد بثت في قلوبهم قبل تلك القرارات وبين الإحباط الذي أصابهم به صدورهم ومن أين لأجل هذا الشعب ومعظمهم محدود الدخل إن يوائموا بين دخول ثابتة وبين أسعار أصيبت بالجنون وإذ بفجوة هائلة تمزق قلوب المصريين ونفوسهم بين الآمال المنهارة والواقع المرير وكان لهذا الانفعال وذلك التمزق إن يجدا لهما متنفسا وإذ بالإعداد الهائلة من هذا الشعب تخرج مندفعة إلى الطرقات والميادين وكان هذا الخروج توافقيا وتلقائيا محضاً.
وإذ بهذه الجموع تتلاحم هادرة زاحفة معلنة سخطها وغضبها على تلك القرارات إلى وأدت الرجاء وحطمت الآمال وحاولت جهات الأمن إن تكبح الجماح وتسيطر على النظام ولكن أنى لها هذا والغضب متأجج واللآلآم مهتاجة"
كما جاء بالحكم التاريخي " إن المحكمة قد سبق لها أن خلصت إلى أن أحداث 18و19 يناير 1977 كانت نتيجة مباشرة لقرارات رفع الأسعار وحدثت بصورة تلقائية دون تحريض أو استغلال للموقف كما أن أوراق الدعوى قد خلت تماما من اى دليل أو قرينه قبل هؤلاء المتهمين بل انه لم يضبط لدى اى منهم آلات أو أسلحه أو مفرقعات أو غيرها مما يستخدمه الجماعات السرية فى تحقيق أغراضها ولم تتضمن التحقيقات ما يشير إلى كشف حدوث تدريبات على استعمال السلاح أو إعداد أماكن يتم فيها تهيئه أشخاص للقيام بمهام لها طابع العنف أو الإرهاب أو التدريب على القيام بتشكيلات منظمه تكون مستعدة لتنفيذ ما يوكل إليها من أفعال ذات تأثير على سلامه النظام الاجتماعي واستقراره وسلامه النظام الجمهوري وشكل الحكومة ومبادئ الدستور" . وصدر الحكم بالسجن ثلاث سنوات علي 12 من المتهمين وبراءة باقي المتهم.
وعندما تأتي ذكري انتفاضة يناير 1977 لابد ان نوجه التحية لجماهير يناير التي خرجت لتدافع عن حقوقها المشروعة ضد الغلاء . وتحية لكل من شارك في صنع يناير والتمهيد لها . ولازلنا نواجه كل يوم ألف حاتم زهران ومستمرين نقاوم وإحنا زي ما أحنا من يناير الي يناير.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ليبيا..إخراج المرتزقة شرط ضروري لتوحيد المؤسسة العسكرية


.. توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا أبرز التحديات | #غرفة_الأخبا


.. بايدن: رفع طهران التخصيب إلى 60% لا يسهم بإنهاء الأزمة




.. الصين: تايوان وشينغيانغ من الشؤون الداخلية ولا ينبغي التدخل


.. سوريا..ترقب لردود الفعل الحكومية والمعارضة بشأن وثيقة الدستو