الحوار المتمدن - موبايل


في حرفيش.. كلّ شيء تغيّر!

سليمان جبران

2019 / 1 / 24
سيرة ذاتية


[من كتاب "ملفّات الذات" الصادر حديثا]
انتقلتُ من بيت جن إلى حرفيش. بفضل المفتش الطيّب الذكر طبعا. حرفيش كما ذكرتُ سابقا أقرب، خصوصا على من يقيم مثلي في "المرج"، أو "البقيعة الغربية"، باسمها الرسمي. والمسألة لا تقتصر على المسافة فحسب. بيت جن وجهها إلى الشرق، إلى الرامة وصفد وطبريّا.. وحرفيش وجهها إلى الغرب، إلى نهاريّا وعكّا.. وقريتنا البقيعة مثلها تماما.
المعلّمون في حرفيش كانوا يومها في معظمهم من خارج القرية. من الجش، شمال شرق حرفيش. من فسوطة غربها. من ترشيحا. ومن قريتنا البقيعة أنا، جئتها متأخّرا، و"رفيق الغربة"، سبقني بسنة إلى حرفيش.
الانتقال إلى حرفيش كان في المستوى الشخصي انتقالا نوعيّا أيضا. اكتشفتُ في حرفيش أنّ شهادة "البجروت" وحدها لا تكفي. المعلّم لا تكفيه البجروت. لا بدّ له من تقديم امتحانات في التربية وعلم النفس، ليصير معلّما مؤهلا. وأنا كنتُ، بحكم سنوات الخدمة، على عتبة التثبيت في الوظيفة، فلماذا لا أصير مؤهّلا أيضا، فيكبر معاشي، وتكبر ثقتي بنفسي، ويصعب عليهم طردي من عملي. هكذا، باختصار، قدّمتُ في حرفيش الامتحانات المطلوبة، امتحانات التكملة كانوا يسمّونها، فصرتُ معلما مؤهّلا.
في ملاحظة اعتراضيّة عليّ الاعتراف هنا أنّي لا أذكر الأحداث من الماضي كلّها في ترتيب كرونولوجي دقيق. لست مؤرّخا، وذكرياتي هذه ليستْ وثيقة تاريخيّة طبعا. من الماضي البعيد ما زالتْ في ذاكرتي، ماثلة لا تتزحزح، الأحداث البارزة. في نظري طبعا. وهذه ليست بالضرورة مرتّبة، على لوحة الذاكرة، وفق تاريخ تراتبي دقيق. أمتاح أحداث الماضي من الذاكرة كما تأتيني عفو الخاطر. لذا قد أقدّم حادثة على أخرى، كما أجدها في ذاكرتي، وإنْ لم تقعْ قبلها بالضرورة.
في حرفيش أذكر، في السنة الأولى؟ أقمنا معا: خمسة معلمين في غرفتين متّصلتين عند رجل طيّب من القرية. كان مقامنا هناك، في غرفتين متجاورتين أشبه بغرفة معلّمين مصغّرة. في الغرفة الواحدة أقام مدير المدرسة وأخوه ومعلّم من برعم يقيم في الجش. وفي الغرفة الثانية سكنتُ أنا و"رفيق الغربة"، مسلّحا بكمنجاته. وقد سبقني إلى حرفيش، كما أسلفتُ.
مدير المدرسة كان "بلديّاتي" قبل قيام إسرائيل. يعرف قريتنا، ويعرف بيتنا، ويعرفني كما يعرف كفّه. لم يكنْ له أيّ انتماء سياسي. لكنّه كان رجلا واعيا، وهذا لم يكنْ يعجب المسؤولين في وزارة المعارف يومذاك. لم يكنْ يعجب الشين بيت، بتعبير أدقّ. لذا فقد طردوه من المعارف أوّل الأمر، لا أعرف المدّة، ليثبت ولاءه للسلطة العليّة، فيعيدوه إلى التعليم من جديد!
المدير "المقروص" كان يخاف عليّ كثيرا. فالمقروص يخاف من جرّة الحبل، كما علّمنا السلف. يعرف من أنا، كما ذكرتُ، ويعرف كيف يتصيّد "الفسّادون" أيّ خبر، ليحملوه إلى سيّدهم، إلى الشين بيت، فيثبتوا ولاءهم، ويبرّروا بذلك حظوتهم عند سيّدهم. لا ننسَ أنّها أيّام الحكم العسكري، والمعلّمون، كلّ المعلّمين، لا بدّ للحاكم من فتح عيونه عليهم، لئلا يفسدوا تربية النشء الجديد. كلّ رأي معارض، كلّ كلمة تقال عن الحزب الحاكم، المباي، هي نقلة دسمة ينقلها "الفسّادون" إلى أسيادهم. هذا ما تعلّمه زعماء المباي من الدول التي جاءوا منها في أوروبّا: كلّ كلمة ضدّ الحزب الحاكم هي عداء للنظام، وعداء للدولة أيضا!
نكون في سهرة عند أحد أبناء القرية، وكنّا ندعى إلى سهرات كثيرة، فينبري أحد الحاضرين إلى افتتاح النقاش السياسيّ. يرمي شبكته، منتظرا من يدخلها، فأسرع إلى دخولها طائعا مختارا. أنسى نصائح المدير، فأندفع في الدفاع عن سياسة مصر: عن إخلاص عبد الناصر لبلده، عن تصنيع بلاده، عن مقاومة الغرب المستعمر، عن حقّه المشروع في الاستقلال الكامل لوطنه، عن إخلاصه في تحرير وطنه من النفوذ الغربي، سياسيّا واقتصاديّا..
بعد انتهاء السهرة، وعودتنا إلى البيت، لا بدّ من التوبيخ طبعا: لماذا دخلتَ في النقاش السياسي؟ تعرف أنّها مصْيدة لأمثالك، فلماذا تقع فيها طائعا مختارا؟ كم مرّة نبّهتُك؟ لا تتدخل في نقاش سياسي- يؤنّبني المدير المسكين، علّني أتعلّم، وما كنت لأتعلّم!
في حرفيش أيضا، لا أذكر في أيّ سنة من الستّينات، تعرّفنا فاكهة جديدة هي الجوّافة. لم تعرف هذه الثمرة أرضنا وأسواقنا من قبل تلك الأيام. كنتُ أكره الفاكهة تلك على غير معرفة. قبل أنْ أذوقها يعني. أصعد إلى الباص فأشمّ رائحة كريهة نفّاذة. أسأل ما هذه الرائحة في الباص، فيجيبني الجالس بقربي أنّها رائحة فاكهة جديدة اسمها جوّافة. لكنّ طعمها لا يشبه رائحتها، يواصل جاري مستدركا.
كنّا في قعدة عند أحد أبناء القرية. صاحب دكان أذكر. قام الرجل وجاء بحبّة جوّافة كبيرة، وأخذ يقشّرها كما نقشّر التفّاح. تحمّلتُ رائحتها على مضض. لزمتُ الصمت، منتظرا النتيجة. ليس من اللياقة إبداء رأيي في تلك الفاكهة الهجينة، ورائحتها البغيضة، وأنا في ضيافة الرجل. انتهى من تقشير الجوّافة، فأخذ يقّسمها حزوزا، ويقدّم لكلّ من الحاضرين حزّا. وصلني الدور، فتناولت الحزّ خجلا. دونما حماسة أو رغبة. أكلتُ نصيبي ذلك من حبّة الجوّافة، فوجدتُ طعمها لا يشبه رائحتها. هكذا كان يومها تعارفنا، الذي انقلب صداقة طويلة الأمد. بل صرتُ أتحمّل رائحتها أيضا. لم تعدْ هذه الرائحة كريهة نفّاذة كما عهدتُها!
في السنة التالية، أو بعدها بسنة؟ غادرَنا المفتّش الطيّب الذكر، وجاءنا مفتّش آخر. مفتّش سيئ الذكر. يمكن القول إنّه عكس المفتّش ذاك، وفي أكثر من وجه. مفتّش يبدو أنّه وصل التفتيش، لا بسبب كفاءاته العلميّة أو التربويّة. بل تقديرا لكفاءات أخرى، لا تتّصل بالتعليم من قريب أو من بعيد.
مع المفتّش الجديد كان لي تاريخ لا ينسى. يستحقّ منا وقفة أطول. ومن حرفيش بالذات خرجْنا في طريق جديد كان من قبل حُلما بعيد المنال. لكنّ ذلك كله يستحقّ منا وقفة أطول. وإطارا مستقلّا أيضا.
[email protected]








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأردن يفتتح قنصلية عامة بمدينة العيون المغربية | #النافذة_ا


.. السودان.. البرهان يصدر مرسوما بتحويل نظام الحكم إلى فيدرالي


.. الجزائر.. مشروع قانون يسمح بنزع الجنسية في حالات محددة | #ال




.. الجنائية الدولية.. ترحيب عربي وتنديد إسرائيلي ومعارضة أمريكي


.. الحصاد - بصيص أمل يلوح في الملف النووي الإيراني وإسرائيل تتح