الحوار المتمدن - موبايل


کوردستان العراق، الاوضاع السياسية، الاحتجاجات الاجتماعیة والآفاق المختلفة/ القسم الثاني.

نادر عبدالحميد
(Nadir- Abdul-hameed)

2019 / 3 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


کوردستان العراق، الاوضاع السياسية، الاحتجاجات الاجتماعیة والآفاق المختلفة/ القسم الثاني.
خامسا: الحرکات الإحتجاجیة للجماهیر الکادحة في کوردستان
أ‌- العقد الأول بعد سقوط نظام البعث
طوال فترة حكم الاحزاب القومية الکوردیة لأکثر من ربع قرن، إستمرت الإعتراضات والتظاهرات الجماهيرية ضد انعدام الخدمات وغیاب العدالة، کذلک ضد الفساد وإحتکار الثروات العامة في أيدي أقلیة تابعة لهذه السلطة. نترک الاحتجاجات الجماهیریة والحرکات الاعتراضیة ومنظماتها في العقد التاسع من القرن العشرين جانبا، ونشیر إلی ما حدث بعد سقوط نظام البعث.
انبثقت حرکة احتجاجیة جماهیریة في آب (٢٠٠٦) حیث هاجم المتظاهرون مقرات احزاب السلطة والدوائر الحکومیة واستمرت بشکل اعتراضات و مظاهرات متفرقة ولشرائح وفئات اجتماعیة مختلفة لغایة ظهورها المجدد والقوي في آیار (٢٠١٠) إثر إختطاف الصحفي "سردشت عثمان" في اربیل وقتله، وعرفت هذە الحرکة بـ"حرکة سردشت عثمان". ما حققته هذه الاعتراضات، لا ينحصر فقط في إجبار السلطة لتوفير درجة من الخدمات اکثر مما کان في اجندتها وإجبارها على الإعتراف بفسادها وإعطائها وعودا بمعالجتها، بل الأهم هو تغيير المزاج السياسي العام تجاه هذه السلطة. هنا وخلال هذه السنوات تكوّن فراغ شاسع بين السلطة من جهة وجماهير العمال والكادحين من جهة اخری، وعملياً وَجَدوا أنفسهم في الجبهة المعادية للسلطة.
تزامنا مع الاحتجاجات والمظاهرات ضد الفساد ونقص الخدمات، كانت هناك إعتراضات ضد تقیید الحريات الفكرية والسياسية، ضد تحجيم الجرائد والأعلام الأهلي، ضد الاٍرهاب السياسي والهجوم على الصحفيين وقتلهم، ضد إفساح المجال للأسلام السياسي كي يهاجم مظاهر التحضر والمساواة والتحرر في کوردستان. عموماً كان هذا النوع الثاني من المظاهرات والاحتجاجات موجهٌ ضد التوجه الإستراتیجي لحزبي السلطة (حزب البارزاني "الدیمقراطي" وحزب الطالباني "الإتحاد") للقضاء على المناخ السياسي شبه الحر نسبياً ولفرض الاستبداد بسرعة وبقوة أکبر وذلك بأسم "المقدسات الدينية والقومية".
• اوج الحرکة الاعتراضیة في العقد الاول. حرکة ١٧ شباط ٢٠١١
جميع هذه الاحتجاجات والاعتراضات والتظاهرات، سواء كانت ضد الفساد وغياب الخدمات الاجتماعية والاقتصادية أو كانت ضد تضييق الحريات الفكرية والسياسية، بإقداماتها وتراجعاتها، مرّت بعملية تطور تأريخية إذ إشتدّت و وصلت الى أوجها في حركة "١٧ شباط ٢٠١١" والمتزامنة مع ثورات شمال افریقیا (تونس ومصر). هكذا كانت "حرکة ١٧ شباط" قمة سلسلة تأريخية من الإعتراضات الجماهيرية.
أن المعارضة التي تشكلّت من التحالف غير المعلن بين ليبراليي کوردستان مع حزب "التغيير" والتحالف العلني لـ"التغيير" مع الأحزاب الإسلامیة، نجحت في إعاقة الجماهير المحرومة والمتعطشة للحريات كي تفرض تغييرات جذرية علی السلطة، واصبحت حاجزاً أمام هذه الإرادة بوضع الجماهير في حالة ترقُب وإنتظار إتفاقاتهما مع السلطة، كي تحقق إصلاحات منقوصة وغير مجدية عن طريق "برلمان کوردستان" و "الحكومة ذات القاعدة العریضة"، التي تشکلت بعد الانتخابات البرلمانية (٢٠١٣) بمشارکتهم اي مشارکة حزب "التغيير" والأحزاب الإسلامیة في حكومة حزبي السلطة "الدیمقراطي" و "الإتحاد".
لذلك جميع الاحتجاجات والمظاهرات التي حصلت خلال فترة ما بين (٢٠٠٣) و (٢٠١٣) أی في العقد الأول بعد سقوط "نظام البعث"، رغم إنبثاقها بشكل ثوري وإصطدامها العنيف أحيانا بحكام کوردستان حیث أغرقته في الدم، لكن في أحسن أحوال نجاحها، لم تكن تخرج من إطار إصلاح سياسي-إجتماعي وتوفير المستلزمات الأساسية للحياة، وذلک بسبب سیطرة الأفق القومي اللیبرالي علیها والذي حال دون أن ترتقي لمستوى حركة شاملة تحمل مطلبا عاما وترفع شعار إزاحة هذه السلطة وطرح بديل لها.
• خصائص العقد الاول. سیطرة الافق اللیبرالي القومي
العقد الاول بعد سقوط النظام، اي الفترة ما بين (٢٠٠٣٢٠١٣) كانت مرحلة تطورٍ وتراكمٍ سريع للرأسمال في کوردستان، مرحلة نقص في الأيدي العاملة وجلب عمال اجانب، مرحلة تدفق كبير للمال وتوزيع الرواتب بسخاء حسب قوائم التعيينات المزورة، مرحلة توزيع الأراضي وحفر آبار النفط وتوزیع الدولارات وظهور قلة من اصحاب الملايين والمليارات من الدولارات، مرحلة ظهور فساد لا مثيل له. كانت مرحلة التطبيل والاحتفاء بالسلطة، مرحلة التحالف الاستراتيجي لـ("الدیمقراطي" و "الإتحاد") وتوحيد "البيت الكردي" وتوزيع المناصب الإدارية فيما بينهم في بغداد و اربيل. كانت مرحلة وئام وترويض الإسلام السياسي من قِبَل أحزاب الحرکة القومیة الکوردیة سواء في السلطة أو في المعارضة، مرحلة فتح الجامعات وإزدهار الاعلام والصحافة، مرحلة توجه المثقفين الكورد نحو الليبرالية العالمية و"ما بعد الحداثة"، مرحلة إستدارة الظهر عن الاشتراكية وطعن الثورة، مرحلة نشوء الاعتراض اللیبرالي القومي الناقد للسلطة وتطعیم الحرکة القومیة الکوردیة بالليبرالية العالمية، کل تلک التحولات المادیة خلقت ارضیة موضوعیة لسیطرة الأفق اللیبرالي القومي علی الحرکات الاعتراضیة وقولبتها حسب النقد اللیبرالي للسلطة.
ب‌- العقد الثانی بعد السقوط. العقد الوجیز
المٶرخ المارکسي البریطانی (إريك هوبزباوم) في مقدمة کتابه (عصر التطرفات: تاريخ القرن العشرين الوجيز ١٩١٤ ١٩٩١) یصف القرن العشرین بانه قرن وجیز بدأ من عام ١٩١٤ وانتهی عام ١٩٩١، أي انه قرن لم یتکون من مئة (١٠٠) عام بل من سبع وسبعین (٧٧) عاما. من هذا المنظور فان العقد الثانی بعد سقوط "نظام البعث" لم یتکون من عشرة (١٠) اعوام في کوردستان بل من ستة (٦) أعوام (٢٠١٣٢٠١٨)، وذلک حسب إتمام صیرورته التاریخیة ومحتواه الاقتصادي والسياسي.
ظروفٌ جديدة، اقتصادية-اجتماعية وسياسية-فكرية بدأت بالتشكل تدريجياً بعد (٢٠١٣)، حیث نقلت کوردستان الى مرحلة تأريخية أخرى، وهي مرحلة الأزمة المالية والأقتصادية ومعهما الأزمة السياسية وزعزعة البيت البرجوازي الكوردي، مرحلة فيها يتغير المزاج السياسي للشعب الكوردي بأتجاه التعاطف مع إيجاد تغيير جذري ٍفي المجتمع. كافة العناصر والظواهر الاقتصادية-الاجتماعية والسياسية-الفكرية التي كانت ترسم ملامح المرحلة التاريخية الاولی بعد السقوط بين (٢٠٠٣٢٠١٣)، إنقلبت بالكامل.
تأزمت عملية تطور وتراكم الرأسمال في هذه المرحلة الجدیدة. "حكومة الاقليم" على غرار السلطة المركزية في بغداد، لجأت الى المؤسسات الرأسمالية العالمية کـ"صندوق النقد الدولي" و "البنك الدولي" محاولة منها للحصول على قروض وارشادات ونصائح منهما. هذه الخطوة ليست سوى استمرارا وتطويرا لسياسات كانوا طبقوها حتى اليوم لتغطية فسادهم وسرقتهم لايرادات وثروات المجتمع تحت إسم السوق الحرة والخصخصة، وهي ليست شیئا سوى تقليص للخدمات والهجوم على معيشة المواطنين.
هذا الوضع الاقتصادي المتأزم أدی الى اضعاف قدرة السلطة على المناورة والمساومة وتقدیم التنازلات والإصلاحات لصالح الحرکات الاعتراضية، وأجبر أیضا لوضع ضغط ٍ أكبر علی العمال والكادحين وهاجم مكتسباتهم التي حصلوا عليها في مرحلة النمو والأزدهار الاقتصادي بنضالاتهم، من هنا لم تتردد السلطة في اللجوء الى العنف والإرهاب، بهذا تواجدت الأرضیة الموضوعية للتخلص من الأفق القومي اللیبرالي وتجاوز إطار المطالبات الاقتصادية-الاجتماعية والإصلاحات السياسية، والتسلّح بأفقٍ وأهدافٍ تضع قلع السلطة من الجذور مهمتها الأولية، وهوما قلل من امكانية المعارضة القومية اللیبرالیة والدينية من استغلال هذه الحركات وجعلها مكسباً في تعاملاتها السياسية کما حصل في الماضي في العقد الاول بعد السقوط، حیث حصلت المعارضة من القومیین والإسلامیین علی الإمتیازات من السلطة بمشارکتهم لـ"الحكومة ذات القاعدة العريضة" في الاقلیم، لیس هذا فحسب بل وان کثیر من المظاهرات والاعتراضات اظهرت العداء لها جنبا الی جنب عدائها للسلطة، وهذا يعني بأن عهد تکرار "حرکة ١٧ شباط" آخر قد ولی موضوعیا، وتوفرت ارضية مادية لتجاوزها. الاعتراضات التي حصلت بعد (٢٠١٣) جميعها لم تكن استمراراً لاعتراضات المرحلة السابقة (٢٠٠٣٢٠١٣)، بل كانت انعكاسا ووليدةَ الظروف والمرحلة التأريخية الجديدة التي تبلورت بعد عام (٢٠١٣).
تواجدت الاعتراضات والمظاهرات لفئات وشرائح اجتماعیة مختلفة وبصورة مستمرة منذ سنة (٢٠١٣) إلی ان وصلت الی الإنفجار الجماهيري في تشرين الأول (٢٠١٥) ضد حزب البارزاني المحتكِر للسلطة وللأقتصاد وحرق مقرّاته، وكذلك الانبثاق الجديد لهذه الحركات مرة أخرى في اواخر أيلول (٢٠١٦) والتي استمرت اکثر من ثلاثة أشهر حتى بداية (٢٠١٧)، في اعتصامات ومظاهرات المعلمین والموظفین والعاطلین عن العمل خاصة من خریجي الجامعات ضد حکومة الإقلیم بسبب غیاب الخدمات وعدم دفع الرواتب تحت إسم (إدخار رواتب الموظفین والعمال). کل ذلک مٶشر لمرحلة نوعیة جديدة للنضال الجماهيري والعمالي في کوردستان.
• الهبة السماویة وذروة مجد (البارزاني)
ظهور "داعش" وسیطرته علی مناطق واسعة من العراق إثر هزیمة الجیش العراقي (صیف ٢٠١٤) واخلائه لـ"المناطق المتنازعة علیها" لصالح قوات "البشمرکة" التابعة للحزبین، کان بمثابة هبة "سماویة" لهما لصب الماء البارد على نار الاعتراضات والاحتجاجات الداخلية وإخمادها، وکذلک کانت فرصة تاریخیة عظیمة للحرکة القومیة الکوردیة في اخذ موقع متقدم في صراعها مع کل من السلطة المرکزیة المتمثلة بالتیار الشیعي والتیار القومي العربي (المعروف بالسني)، خاصة وان مجیء داعش ادی الی تحجیم وتضعیف التیار القومي العربي وبذلک استقطبت الصراعات السیاسیة في تلک المدة الزمنیة القصیرة (٢٠١٤٢٠١٧) في العراق بین التیار الشیعي القومي في الدولة المرکزیة والتیار القومي الکوردي في حکومة اقلیم کوردستان، وبرز (البارزاني) علی الساحة السیاسیة في العراق کاحد اقوی لاعب. کانت تلک السنوات الاربعة (٢٠١٤٢٠١٧)، قمة ما توصلت الیها الحرکة القومیة الکوردیة وذروة مجد (البارزاني) وحزبه "الدیمقراطي".
• السقوط إلی الهاویة ونهایة العقد
حاول (البارزاني) رئیس حزب السلطة والذي کان رئیسا للاقلیم آنذک عن طریق إتخاذ سیاسة الاستفتاء العام (ریفراندوم) في آواخر (حزیران ٢٠١٧) ان يسطر ويتستر علی التناقضات المهلکة التي تعیش فیها سلطتە وحکومة الاقلیم بین فكي الکماشة التي وقعوا داخلها، الا وهي الإعتراضات الجماهیریة وضغط الحکومة المرکزیة لتحجیم صلاحیاتها خاصة بعد نشوة النصر علی "داعش" وطردە من الموصل في صیف (٢٠١٧). جرى الاستفتاء في (٢٥٩٢٠١٧) ولحقت بهم هزیمة نکراء علی ید "الحشد الشعبي" وقوات الحکومة المرکزیة وذلک بعد اقل من شهر من إجراء الإستفتاء. کل ذلک أضاف مشقات ومأسي جدیدة لما عاناه عمال وکادحي کوردستان، خاصة في کرکوک واطرافها حیث شردتْ الوف العوائل الکوردیة في هذه المناطق.
خرج الآلاف یوم (١٨١٢٢٠١٧) في معظم مدن کوردستان في مظاهرات حاشدة ضد حکومة الأقلیم ولیس فقط ضد حزب البارزاني، بل ضد جمیع الأحزاب القومیة والإسلامیة سواء کانت في السلطة او خارجها، وذلک بمهاجمة مقراتهم. إستمرت المظاهرات اربعة ایام، قتل فیها أکثر من خمسة من المتظاهرين وجرح العشرات واستمرت الاعتراضات بشکل متقطع حتی ظهورها المجدد في (٢٥٣٢٠١٨) حیث عمت الاقلیم موجة واسعة من الإضرابات والمظاهرات والاحتجاجات الشعبیة العارمة وبشكل أكثر تنظيما وجماعية وتنسيقاً، ضد السلطة وکذلک ضد المعارضة القومیة الیبرالیة والإسلامیة الجبانة، بهذا وصل العقد الثاني إلی نهایته خلال ستة أعوام (٢٠١٣٢٠١٨)، حیث انفصلت الجماهیر الکادحة عن الحرکتین القومیة والإسلامیة وأحزابهما الحاکمة والمعارضة، بصورة لم یسبق لها مثیل في تأریخ کوردستان، کل ذلک تزامن مع سقوط هیبة وإعتبار الحرکتین مع احزابهما المختلفة ورموزهما وقادتهما من اعلی سلم مجدهم قبل الاستفتاء إلی تخاذلهم امام الدولة المرکزیة بعد الاستفتاء بأقل من شهر.
إن غیاب حزب مارکسي اصیل لطرح افق اشتراکي ثوري لتنظیم وتعبئة هذە الحرکات الاعتراضیة لإسقاط وإستلام السلطة في الاقلیم وجعله خندقا ثوریا للنضال الاشتراکي في العراق کان نقطة الضعف الجوهریة لهذە الحرکات وکذلک غیابە هو العامل الحاسم لدوامة تفسخ الاوضاع السیاسیة في الاقلیم علی ید الاحزاب القومیة والإسلامیة.
• تجدد التیار القومي اللیبرالي
ان غیاب هذا العامل الجوهري لحسم صراع الجماهیر الکادحة وعمال کوردستان مع السلطة في الأقلیم، وکذلک فضح المعارضة التقلیدیة المتكونة من القوی القومیة التقلیدیة والقومیة اللیبرالیة والإسلامیة، ادی إلی ظهور قوی قومیة لیبرالیة جدیدة کحزب (الجیل الجدید) في (٢٠١٨)، والذي هو أکثر وضوحا في معارضتە وادعائاته اللیبرالیة وأکثر حزما في محاربتە لأحزاب السلطة، وهذا یعني بأن التیار القومي اللیبرالي تمکن من التجدد وظهر سریعا وبشکل واسلوب جدید آخذا فشل حزب "التغییر" بنظر الاعتبار.
• طُوی العقد الثاني. الوضع الحالي في بدایة 2019
يتسم الوضع الحالي (بدایة ٢٠١٩) بطوي صفحة الانتکاسة والافلاس، نسیان کابوس الانهیار وإستعادة الثقة بالنفس مجددا من قبل حزبي السلطة، وذلک بادائهما الجید بإلهاء المجتمع باللعبة البرلمانیة في جو من الهدوء النسبي للحرکات الاعتراضیة، والخروج منتصرا بالتزویرات المفضوحة في کلتا العمليتين الانتخابيتين، البرلمان العراقی (١٢ آیار 2018) والکوردستانی (٣٠ ایلول 2018)، وکذلک بتمکنهما من تطبیع العلاقات مع العالم الخارجي أي الدول الامبریالیة والاقلیمیة في المنطقة ومع بغداد ومشارکتهما الحکومة المرکزیة، فرغم عدم تمکن الحزبین من تشکیل حکومة الاقلیم بعد مضي اکثر من اربعة اشهر علی الانتخابات البرلمانیة في الإقلیم، إلا ان کل بمفرده تمکن من تثبیت سلطته علی منطقته وإستعادة هیبة اجهزته القمعیة علی الجماهیر. هکذا، وبعد ان سقط الحزبان إلی الهاویة وعاشا أحقر وأسوء فترة من حیاتهما السیاسیة بین (١٦ اکتبر ٢٠١٧ و ٢٥ آذار ٢٠١٨) حیث کانت سلطتهما المیلیشیاتیة مهددة بالانهیار، إستطاعا بعد (نیسان ٢٠١٨) وخلال عشرة أشهر الماضیة ان یعیدا سلطتهما الهشة وغیر المستقرة وبسط هیمنتهما علی المجتمع، لیس هذا فحسب بل بدءا بملاحقة الفعالیین وغلق ابواب مقرات الاحزاب والمنظمات وذلک حسب مقتضیات مصالحهما مع دول المنطقة والحاجة إلى ترهيب وقمع المعترضين في كردستان، وهکذا بعد ان تمکن الحزبان من کسب الانتخابات البرلمانیة لصالحهما وتلطیف علاقاتهما مع السلطة المرکزیة ودول المنطقة والامبریالیة الامریکیة، طُوی العقد الثاني، ومع نهایة عام (٢٠١٨) بدأ فصل جدید وانتقلنا الی العقد الثالث من التأریخ السیاسي في کوردستان.
سادسا: جیل جدید من المارکسیین
يشهد مجتمع کوردستان ولادة ظاهرة جدیدة الا وهي ظهور جیل جدید من المارکسیین. هذا الجیل انفصل عن القومیین اللیبرالیین في کوردستان بعد فشل المشروع السیاسي لهذە الحرکة علی ید حزب "التغییر" المدعوم من قبل المثقفین والمنظرین اللیبرالیین، حیث وصلوا الی طریق مسدود في إیجاد تغیرات سیاسیة في الاقلیم نحو بناء دولة مٶسساتیة (محلیة داخل دولة العراق) وانتقال السلطة سلمیا بین مختلف الکتل والأحزاب السیاسیة وذلک عن طریق آلیة سیاسیة معینة الا وهي برلمان کوردستان.
ان وتیرة انفصال المثقفین الشباب عن منظري القومیین اللیبرالیین ومٶسساتهم الفکریة وشتی تنظیماتهم المدنیة وکذلک عن حزب "التغییر" اخذت منحی سریعاً بعد قمع وإخماد "حرکة ١٧ شباط ٢٠١١" ولجوء حزب "التغییر" للدخول الی السلطة في الاقلیم عبر تشکیل مایسمی بـ(الحکومة ذات القاعدة العریضة) (٢٠١٤) وفشلها في غضون سنة، بعد ان تم طرد رئیس البرلمان (وهو من حزب التغییر) من قبل حزب البارزاني من عاصمة الاقلیم (اربیل) ومنعه من العودة الیها، إضافة إلی إجبار وزراء "التغییر" الاربعة بترک وزاراتهم باجازة مفتوحة. هذا الفشل العملي المتخاذل والمهین سیاسیا للحرکة القومیة اللیبرالیة اثبت للمثقف الشاب والناشط السیاسي عدم امکانیة اللتغییر السیاسي عبر آلیة البرلمان ودفعهم إلی التفکیر بجد عن مخرج سیاسي والبحث عن نظریة تستجیب لآمالهم واسئلتهم وتلبی روحهم الثوریة لمحاربة حزبي السلطة الفاسدَین والمتغطرسَين. هکذا توجهوا الی المصادر المارکسیة.
هذا الجیل لیس فقط مختلف عن الجیل القدیم من المارکسیین والذي نما وازدهر في اجواء فکریة وسیاسیة في السبعینات والثمانینات من القرن العشرین، بل ويختلف عن جیل التسعینات وبدایة الالفیة الثانیة والذي تغذی من مصادر الشیوعیة العمالیة وتربی فکریا وسیاسیا علی ید (الحزب الشیوعي العمالي العراقي).
هذا الجیل الجدید لديه اطلاع ومعرفة واسعة بالمصادر الفكرية العالمية وتیاراتها، الا انه يفتقرالى خط فکري سیاسي موحد وينقصه الانسجام والتجربة السیاسیة العملیة والتنظیمیة، فهو یتکون من محافل وحلقات ومشاریع فکریة سیاسیة مختلفة للبحث والدراسة والترجمة، أي انه یخطو خطواته الاولی نحو التعامل مع المجتمع والسلطة والحرکات الاجتماعیة، بهذا المعنی، ورغم ادعائه بالعلو الفکري والتفوق النظري علی الاجیال القدیمة من المارکسیین، إلا إنه یقف ورائهم باشواطٍ سیاسیة وعملیة عديدة في الجو السیاسي الهائج والساخن في الاقلیم والذي یتطلب العمل الشیوعي غیر المٶجل باسم الدراسة والترجمة والمشاریع الفکریة. يُشٌكِل هذا الجیل مادة خامة لتجدد الحرکة الشیوعیة في کردستان العراق وتبلورها وصیاغتها مجددا وهذا یتطلب إلتحام هذه الاجیال ببعضهم البعض وصهرهم في بوتقة واحدة بافق مارکسي ثوري.
• مقایسة
اذا كانت الحرکة القومیة اللیبرالیة قد تمكنت من التجدد والظهور مجددا علی الساحة السیاسیة في کوردستان بشکل واسلوب آخر،الا ان الحرکة الشیوعیة لم تتمكن من الظهور علی الساحة السیاسیة کقوة وکرقم صعب في المعادلات السیاسیة في کوردستان بانتهازها الفرصة في الفراغ السیاسي الموجود، خاصة بعد الاستفتاء، ويعود ذلك اساسا الی أفقها واستراتیجیاتها السیاسیة وبنیتها الطبقیة وغیابها لقادة شیوعیة متعطشة لاستلام السلطة في الاقلیم، قبل المسائل التکتیکیة والمشاکل العملیة أو التنظیمیة. (الحزب الشیوعي العمالي الکوردستاني) تبنی استراتیجیة استقلال کوردستان منذ تأسیسه (سنة ٢٠٠٨)، واید بشکل نشط حرکة استفتاء البارزاني (في ٢٠١٧) لإستقلال کوردستان، وکانت هذه نقطة تحول سیاسية جدیة في حیاة وتأریخ هذا الحزب لأنه اکمل إلتحاقه الستراتیجي والنظري، عن طریق مسکه العملي والسیاسي، بالعربة الاخیرة من قطار الحرکة القومیة في کوردستان. لم یتمکن، لا هذا الحزب ولا منظمات ومجامیع شیوعیة أخری، من تنظیم وتعبئة الحرکات الاجتماعیة الاعتراضیة والمظاهرات الجماهیریة ولم یتمکنوا من تشیید جسر للتواصل مع الجیل الجدید، على العكس من الحرکة القومیة اللیبرالیة التي تمکنت من تجديد نفسها وظهورها القوي مجددا علی الساحة السیاسیة، نری بان الحرکة الشیوعیة (إذا قارناها بالحركة القومية الليبرالية)، تعیش واقعا مزریا مشتتا، لا تجمعها مرجعیة فکریة-سیاسیة موحدة، احزابها ومنظماتها لیست فقط لم تتمکن من التجدد، بل لم تتمکن اصلا من الأحتفاظ بقوتها التنظیمیة والعددیة حیث، وبدلا من أن تنموا وتتوسع في الجو السیاسي شبه المفتوح والمشبع بالاعتراضات الاجتماعیة، باتت تفقد یوما بعد یوم طاقاتها وقوتها، في الوقت الذي جیلها الجدید منشغل بالدراسات الفکریة والترجمة. ان هذه الحركة الشيوعية الحالية في كوردستان مثل أي حركة اجتماعية أخرى وأي حزب سياسي تقدمها وتراجعها مرهون باتخاذ السياسات الطبقية وتهيئة مستلزمات نجاحها، لذا فان استنهاض الحرکة الشیوعیة منوط باستراتیجیات سیاسیة وخطط عملیة وتکتیکات واقعیة علی ضوء النظریة الثوریة والمنهج المارکسي علاوة علی وجود قيادة مبادرة وحریصة علی تطبیق سیاساتها، لتهیئة الطبقة العاملة لاستلام السلطة.
• الحزب الشیوعي الکوردستاني. اللیبرالي المحافظ ویمین الوسط
بعد إنهيار "الكتلة الشرقية" والتخبط الذي عانته الاحزاب الشيوعية، تحولت منظمة اقليم کوردستان لـ(الحزب الشيوعي العراقي-"حشع") عام (١٩٩٣) الى حزب مستقل باسم (الحزب الشيوعي الکوردستاني-"حشک"). نحن مضطرون للحديث عن هذا الحزب مادام اسمه يوحي بالشوعیة و هنا نتحدث عن واقع الحرکة الشیوعیة في کوردستان العراق، لذا نحاول لیس فقط تبیان الموقع والمكانة السياسية التي اخذها هذا الحزب في المعادلات السیاسیة في کوردستان، بل وکذلک نحاول تبیان حقیقة وهي ان هذا الحزب لايمت للحرکة الشیوعیة والیساریة بصلة، لیس هذا فحسب بل وحتى بحزب إصلاحي ایضا.
هذا الحزب ومنذ تأسیسه کان متحالفا مع الاحزاب القومیة الکوردیة وجزءً من "جبهة الأحزاب الکوردستانیة". امتدح "التجربة الدیمقراطية في کوردستان" أكثر من حزبي السلطة وإعتبرها نموذجا في الشرق الأوسط، في الوقت نفسه طالب بإصلاحات إجتماعية، إقتصادية وسياسية، إلا إنه لتحقيق ذلك، لم يرى مهمته بأن يكون المنظم والقائد للجماهير المحرومة، المعترضة والمستاءة والتي تتظاهر في الشوارع ضد سلطة الاحزاب القومیة الکوردیة، بل رأی مهمته وکذلک عرف نفسه كمستشار للسلطة كي يتمكن من تحقيق هذه الأصلاحات، كما كان الحال بالنسبة للحزب الأم "حشع"، الذي كان مستشاراً لـ(نظام البعث)، وهنا في کوردستان صار إبنه الشرعي "حشک" مستشارا لحکومة البارزاني، فبالإضافة إلی کونه احد احزاب "الجبهة الکوردستانیة"، شغل احد اعضاء مکتبه السیاسي منصب (وزارة الثقافة) و(الناطق الرسمي باسم حکومة الاقلیم) وذلک في فترة (حرکة ١٧ شباط ٢٠١١) حیث استمرت التظاهرات ضد حکومة الاقلیم لمدة شهرین، قتل وجرح خلالها العشرات. لذا لیس بامکان هذا الحزب الادعاء بأنه ینتمي لآمال وطموحات ومطالب جماهير مستاءة من هذه السلطة ومعترضة ضد الفساد وانعدام الخدمات وخنق الحریات.
هذا الحزب في محتواه قومي وفي أسلوب عمله ونشاطه السياسي ليبرالي محافظ بامتیاز، ولكن بخصوصيةٍ فكرية وسياسية للشيوعية التابعة للکتلة "المرحومة" الشرقیة. ما يميز هذا الجناح "الشيوعي" الليبرالي عن بقیة الأجنحة الأخرى للقومية-الليبرالية هو أنه لا يريد، مثل حزب (الجیل الجدید) الآن أو كما کان الحال عند حزب (التغيير) سابقا، أن يرکب موجة الاعتراضات لاستخدامها کورقة ضغطٍ بوجه السلطة، بل يريد، وعن طريق علاقات الصداقة، التحالف الحزبي والإستشاري مع حزب (البارزاني)، أن يضع مشاریع إصلاحیة أمام حكومة الأقليم بهدف تحقيق إصلاحات، کي يتطور ويتنامى هذا "النموذج الدیمقراطي" في الشرق الأوسط!!!.
إن ليبرالية ورجعية هذا النوع من "الشيوعية" وکذلک یمینیة ومحافظیة خطها السیاسي تكمن في كون قيادة هذا الحزب تسعى، وعن وعي، لتحقيق الإصلاحات من خلال تحالفها مع السلطة، وليس من خلال تنظيم وقيادة الجماهير المعترضة. ما ناله هذا الحزب من أموال تحت إسم ميزانية الأحزاب من حكومة الأقليم وتلك الامتيازات التي حصل عليها الحزب و قيادته من حزب البارزاني، في حقيقة الأمر هي أجور "مستحقة" وثمن "حلال" مقابل لعب هذا الدور والخدمة التي يقدمه في المشورة وتقديم المشاريع للسلطة. رغم ان الادعاء بتبني النظریة المارکسیة يعطيه سترة یساریة، إلا إن اليسارية ليست ادعاءً فكريا ولا تعني رفع شعار ايديولوجيا معينة، بل هي مكانة واقعية سياسية لدى حزب ما في لحظة تأريخية محددة في مجتمع محدد وفي ترابط بالعُقد والمصاعب التي تواجه المواطنين وحركاتهم الاعتراضية، أي تکمن في مکانتە في المعادلات السیاسیة ودورە في الصراع الطبقي صوب تغییر جذري لصالح الکادحین. إذا نظرنا الى "حشك" انطلاقا من هذه الرؤيا، نرى أنه طوال مسيرته السياسية لأكثر من عقدين ونصف من تأريخ کوردستان لم يكن قط عمليا وواقعيا في هذا الموقع.
إن عدم وقوف الحزب في صفوف الاعتراضات الجماهيرية ضد سلطة الأحزاب الکوردیة في الإقلیم وتعاونه معهم، يعني عدم انتماءه الى حرکة اليسار أصلا، کذلک لیس من الصحيح حتی اعتباره حزبا إصلاحيا لعدم تواجده في صفوف الحرکات المطلبیة بوجه السلطة. إن التعريف الواقعي لـ"حشك" حسب تعبير الصحافة الغربية هو "يمين الوسط".
طرحت في السنوات الاخیرة الکثير من الانتقادات الفكرية والسياسية من قبل اعضاء ونشطاء ومؤيدي "حشك"، لقادة الحزب وسیاساته وهذا جدير بالتقدير، لكنها لم ترتقِ إلى حد تجسیدها في خط سیاسي و أفق ثوري كي يُطرح کبدیل للنهج السیاسي والخط الرسمي، لذا فالنقد الماركسي یشمل کذلک هذا "التیار" المعترض داخل الحزب، اذ لم يرتقِ طرح أفق و خط سياسي ثوري مختلف عما هو سائد و معمول به، و لحين توفر هذا البديل داخل الحزب لا يُتوقع حصول أية تغييرات جدية داخل هذا الحزب.
شباط ٢٠١٩
البقية في الجزء الثالث والأخير بعنوان: ثلاثة آفاق في الحرکات الإحتجاجیة الجماهيرية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ارتفاع حصيلة القصف الإسرائيلي على غزة إلى 140 قتيلا


.. مقتل 17 فلسطينيا معظمهم من الأطفال بغارتين على غزة


.. عامر البياتي : المحافظون طالبوا بايدن بالتوقف عن التفاوض غير




.. إيران/مصادر تستبعد التوصل إلى حل للاتفاق النووي قبل 21 مايو


.. فلسطين وإسرائيل.. التداعيات الإنسانية