الحوار المتمدن - موبايل


رواية الحي الخطير : ليس هناك أي مخرج

حمزة الذهبي

2019 / 3 / 2
الادب والفن


- تمهيد :
إن الرواية ، كجنس أدبي إبداعي ، أصبحت مؤخرا تستأثر بالاهتمام أكثر من الأجناس الإبداعية الأخرى ، سواء من حيث الكتابة أو من حيث التلقي ، ومرد ذلك يعود إلى كونها أقرب فن أدبي إلى الحياة ، ثم إلى قدرتها على هضم وتمثل والإفادة من فنون عديدة ، وربما هذا الأمر هو الذي دفع بالعديد من الكتاب من أجناس إبداعية أخرى مثل الشعر والمسرح والقصة بل وحتى من الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية إلى الاستعانة بهذا الجنس الروائي للتعبير عن رؤيتهم للعالم والحياة . ويعتبر الروائي محمد بنميلود ، الذي سنقوم بقراءة حول روايته " الحي الخطير " أحد هؤلاء الذين إبتدأوا حياتهم الأدبية شعراء لكنهم انعطفوا مؤخرا إلى الرواية .
- رواية الحي الخطير :
يمكن أن نحصر هذه الرواية التي بين أيدينا - إن لم أكن مخطئا ، إذ أنني لست ناقدا أو كاتبا متخصصا في الأدب - ضمن الرواية الشطارية أو ما يسمى بالرواية الصعلوكية والاحتيالية . هذا الشكل الروائي الذي ظهر أول الأمر في اسبانيا ،ثم انتقل بعد ذلك إلى باقي العالم بما فيها عالمنا العربي الذي يعد الصعلوك محمد شكري صاحب الخبز الحافي أحد أشهر رواده .
وهي روايات تعكس أحلام أولئك المهمشين الذين دفعتهم الحياة إلى التشرد والانحطاط والفقر والجوع والحرمان. . .وسخريتهم من قيم المجتمع الزائفة و نقدهم اللاذع للقوانينه التي تخدم مصالح الأغنياء وتطبق فقط على الفقراء .
وكيف أكون مخطئا !! وبطل الرواية مراد ولد السلاخ ، هذه الشخصية التي تهدف إلى تحصيل ثروة وإن كانت بطرق غير مشروعة بدون أن يهمها شيء - السطو المسلح ، تكوين عصابة بمعية رشيد ولد الفرناطشي وعبد الرحمان الفراكة ، بيع المخدرات ، القتل مرارا وتكرارا - من أجل تحقيق شيء مشروع وهو الخروج من الحي الخطير الذي يعيش فيه ، ذلك الحي المقصي ، المنبوذ ، الذي يشبه بركة قذرة وموحلة ، المليء حد الثمالة بشخصيات شاذة ، غير سوية ، معادية لنفسها وللذين من حولها . بدون أن يكون لها القدرة أن تكون غير ذلك ، لأنها لم تختر هذا الوضع ، بل فُرض عليها فرضا ، فالإنسان ابن بيئته كما يقول ابن خلدون ، لا يستطيع إلا أن يعيد نفسه ، و هل بالإمكان أن تنبت شجرة الشوك غير الأشواك ، وكيف يكون بإمكاننا توجيه اللوم إلى بذرة الشوك التي لم تقترف أي ذنب سوى أنها أعطت ما بداخلها .
قلت كيف أكون مخطئا وبطل الرواية مراد ، نجده منذ البداية ساخرا من قيم المجتمع وقوانينه وأعرافه التي ليس هدفها حفظ الأمن وإشاعة الفضيلة بقدر ما تهدف إلى حماية الأغنياء الأسياد من الفقراء المعدمين ، غير نادم على ما اقترفه من جرائم ومصائب ، لأن ما تفعله الشرطة ويفعله القايد رفقة مقدميه ومخازنيته أسوأ بكثير مما تفعله أعتى العصابات ، حاقدا على أولئك الذين يعيشون في أماكن شاسعة أكثر فخامة من الجنة بينما هو وأمثاله يعيشون في ما يشبه الجحيم ، كارها من كانوا سببا في وضعه هذا ، محاولا التخلص من قيوده التي تكبله ـ وذلك بتحصيل ثروة ، متناسيا أن لا أحد على الإطلاق يحقق ثروة سريعة (...) لا أحد يخرج من الجحيم ليلتحق بالجنة وأن أي خروج لن يكون إلا في اتجاه المقبرة أو نحو السجن وهو ما حدث له في النهاية ، كونه خيل إليه أنه مختلف عن الآخرين ، أنه سينجح فيما فشل فيه أبناء الحي الخطير ، بسبب تنامي وعيه واكتشافه أن العالم مقسم فقط إلى أغنياء وفقراء ، أسياد و أقنان ، إثر قراءته لكتب الشيوعيين الممنوعة التي تركها خاله ، الثوري الذي أراد أن يقلب الموازرين ، في كارتونة بعد اختفاءه / تصفيته .
كأن محمد بنميلود ، في روايته هذه ، يقول لنا ليس هناك أي مفر ، لا مخرج ـ وأي محاولة للهروب من هذا الحي الخطير ، لن يكون مصيرها إلا الفشل سواء اتبعت طريقا مشروعا مثل النضال أو عن طريق سلك دروب غير مشروعة ، ليس هناك أي مفر ، لهذا نجد في بداية الرواية قولة لكافكا الخروج من البيت مغامرة خطيرة . وإذا حاولنا ربطها بالمتن الروائي ، باعتبارها نصا موازيا ، سنقول أن أي محاول للهروب/ الخروج من الحي الذي هو بيت ثاني ، أمر محفوف بالمخاطر. لن يؤدي إلا لأشياء لا تحمد عقباها...
إنها رواية تصور لنا القاع ، تسبر غوره ، تضيئ جوانبه المعتمة ، بلغة وأسلوب لم يعجبني عند القراءات الأولى ، لكن بعد قراءة ثالثة متأنية ، أجدني متسائلا ، كيف يمكننا أن نطلب من مراد أن يسرد لنا قصته – ولنترك الكاتب جانبا لأن العمل الآن أضحى مستقلا عنه - بغير تلك اللغة وذلك الأسلوب ، إنها لغة مناسبة للحي الخطير الذي كبر فيه ، إنها خشنة أحيانا وجافة أحيانا أخرى ، تسمي الأشياء بمسمياتها ، تُعلن بدون أن تضمر ذلك لأننا أمام إنسان خسر ، كل شيء وبالتالي فهو لن يتحدث بغير تلك الطريقة وذلك الأسلوب ، لم يعد له ما يخسره .
أما بالنسبة للمبالغة والتضخيم والكذب الذي في الرواية ، أقول هو موجود ، هذا مما لا شك فيه ، لكني أضيف ما الفن في النهاية إلا كذب ، كذب في الظاهر ، حقيقة في الباطن ، فالفنان الكاريكاتوري عندما يرسم لنا صورة شخص بطنه منتفخة أكبر من اللازم أو صورة شخص أنفه أطول مما يمكن أن يكون الأمر عليه فعلا ، فتلك الصورة بالرغم من أنها ليست حقيقة فإنه تعبر عن الحقيقة . ورواية محمد بنميلود هذه عبرت عن الحقيقة – حقيقة أن هناك أناس مفقرين ـ هامشيين و مُهمشين ، يعيشون ظروف قاسية ، لا إنسانية ، حولتهم إلى وحوش ، غير أسوياء ، مرضى وإذا ما وضعناهم تحت مجهر التحليل النفسي سنجد أنهم نتاج بيئة مريضة ، تفعل أي شيء ، كل شيء ، من أجل أن تبقى على قيد الحياة .
إنها حرب للبقاء والخاسر فيها هو الإنسان








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كلمة طارق حسني في اليوم الرابع من فعاليات مهرجان الجونة السي


.. الفنانة/ باسكال سينيوري تتحدث عن فيلم -حاجز- المشارك في مهرج


.. تصريحات أحمد المرسي في اليوم الرابع من فعاليات مهرجان الجونة




.. أحمد حاتم يتحدث عن تفاصيل أخر أعماله في اليوم الرابع من فعال


.. ليلى علوي تشيد بفيلم -200متر- لـ أحمد مالك في مهرجان الجونة