الحوار المتمدن - موبايل


رواية العريس للكاتب صلاح الوديع باعتبارها شكل من أشكال التعبير عن الذات

حمزة الذهبي

2019 / 3 / 3
الادب والفن


" لا خوف إلا على أولئك الذين يتكلمون "
- رواية جاك القدري

بينما كانت الشمس تتهيأ للذهاب من أجل أن تغط في نوم عميق لن تستيقظ منه إلا في اليوم الموالي ، كنت أنا ، المسكون بحب الكتب حد الولع ، منزوي في غرفتي أعيد قراءة رواية العريس للكاتب المغربي صلاح الوديع .
رواية قرأتها للمرة الأولى ، إذا لم تخني الذاكرة ، قبل سنة ونصف من الآن وقد ظننت طيلة هذا الوقت أنها ضاعت مثلما تضيع كتب عديدة من بين أيدينا ، دون أن نفطن إلى الكيفية التي ضاعت بها ، سوى أنها كانت هنا ، ثم لم تعد ، نبحث عنها بدون نتيجة تُذكر ، فنقول في أنفسنا أن أحدهم قد أخذه ، ربما صديق أغواه الكتاب وأغراه فامتدت يده له ودسته تحت نطاق سرواله أو داخل جيب سترته ـ مثلما تفعل أيدينا أيضا في مكتبات الأصدقاء حينما يكونون منشغلين بفعل شيء ما ، مثل تحضير الشاي أو جلب شيء من الدكان ـ لكن يبدو أن هذا الكتاب كان محظوظ من امتداد يد أولئك المهوسين مثلي بالسطو على الكتب ، إذ أنني وجدته صبيحة هذا اليوم بين رفوف مكتبتي المتواضعة حينما كنت أبحث عن كتاب الحقيقة الملتبسة للكاتب المغربي محمد الداهي .الذي يقدم فيه دراسة حول أشكال الكتابة عن الذات وهي : السيرة الذاتية ، الاعترافات ، اليوميات الخاصة ، المذكرات ، التخييل الذاتي ، محكي الحياة وأخيرا السيرة الذاتية الذهنية مع تبيان فروق كل شكل من هذه الأشكال التي تُمكن الإنسان وتسعفه من أن يعبر عن تجاربه الشخصية بالطريقة التي يريد .
على رواية العريس ، رواية فنية حبلى بالدلالات ، يحكي فيها كاتبها ، مستخدما شكل التراسل الأحادي الجانب ، عبر شخصية بطله محمد ـ عن الظروف غير الإنسانية التي عاشها المعتقل السياسي داخل أسوار السجن في فترة ما سمي بسنوات الجمر والرصاص .
وذلك انطلاقا من تجربة الكاتب الخاصة ، إذ أن الكاتب صلاح الوديع قد خاض تجربة الاعتقال السياسي في معتقل درب مولاي الشريف وقد جعل من هذه التجربة القاسية شأنه شأن آخرين- الذين ذاقوا فيها صنوف من العذاب - موضوعا لكتاباتهم التي تندرج ضمن ما يسمى : كتابات الاعتقال السياسي في المغرب .
وهي كتابات ظهرت - كما يقول سعيد بنكراد في مقال له نُشر في مجلة أنفاس – " في العشرية الأخيرة من القرن الماضي" ، ثم يضيف أن هذه الكتابات " حاولت، بكثير من الصدق والأمانة، وصف ما كان يجري في سجون النظام ومعتقلاته السرية وكهوفه التي أعدها لمعارضيه أو الحالمين فقط بمعارضته، في المرحلة التي سميت " سنوات الجمر و الرصاص" . نذكر من بين هذه الكتابات على سبيل المثال لا الحصر :
 تازمامرت الزنزانة رقم 10 – أحمد مرزوقي .
 من الصخيرات إلى تازمامرت : تذكرة ذهاب وعودة إلى الجحيم – محمد الرايس .
 السجينة لمليكة أوفقير .
 تلك العتمة الباهرة – الطاهر بنجلون .التي اعتمد في كتابتها على شهادة أحد معتقلي تازمامرت...
ومن المفيد هنا ، الإشارة إلى أن رواية تلك العتمة الباهرة بعد صدورها أثارت سجالا واسعا في الصحف الوطنية والدولية .. في هذا السياق تقول رضوى عاشور في ورقة بحثية موسومة ب أدب السجون في العالم العربي أن الكثير ممن شاركوا في هذا السجال أدانوا ما أقدم عليه بنجلون واعتبروا أنه أمر غير أخلاقي . وتساءلوا : لماذا لم ينبس بنجلون ببنت شفة طوال عشرين عاما عن المعتقلات المغربية ولم ينطق بكلمة مساندة للمعتقلين السياسيين في تازمامرت ودرب مولاي شريف والآن يستفيد من عذاب هؤلاء السجناء لنشر رواية جديدة ما دام الحديث في الموضوع صار متاحا لا يكلف المرء أي ثمن .
أمام هذه الكتابات التي اكتفينا بذكر بعضها لعدم اتساع المجال ، نتساءل هل كل ما نشر وينشر مغربياً - وعربياً في هذا الإطار ، أي في إطار تجربة الاعتقال السياسي يمكن أن يشكل ابداع وأدب جيد وحقيقي؟
يجيبنا على ذلك الكاتب اللبناني اسكندر حبش قائلا : بالتأكيد لا ، إذ عديدة هي الكتب ، المكتوبة بشكل سيء ، ومع ذلك لا يحق لنا إعدامها ، إذ على الأقل تحمل لنا شهادة من الداخل ، هذه الشهادة التي نحن بحاجة إليها قبل أي شيء آخر. من هنا ربما تراكم هذه التجربة قد يولد أدبا كبيرا في مرحلة لاحقة .
عودة إلى الرواية التي بين أيدينا ، فإن ما يميزها عن باقي كتابات الاعتقال السياسي في المغرب ، يتجلى في أ اعتمادها على أسلوب التراسل الأحادي الجانب بين البطل وأمه ، ثانيا في أنها ساخرة سخرية سوداء ، لاذعة إلى الحدود القصوى ، مليئة بالمفارقات المضحكة حد الألم والمؤلمة حد الضحك مثل قول صلاح الوديع على لسان بطله في ( صفحة 31 ) " كم يحتاج المواطن من الوقت ليقابل المسؤول ؟ ربما سنة أو سنتين . أما هنا – أطال الله عمرهم – فلم يتركوا أحدا ينتظر" ثم في الصفحة 34 " هاهو الكهرباء يحل في بدني قبل وصوله إلى البوادي والقرى ، رغم أنني لم أطلب ذلك من أحد . فكيف تشتكي الحكومة من قلة ذات اليد وهي توزع الكهرباء بهذا السخاء ودون مقابل " وكذلك في الصفحة 54 " يتقابل الشابحان وأنا بينهما . ويبدأن الجلد ، يشحط الأول فيما الثاني يرفع يده لكي ينزل بك سوطه حين تكون يد الأول في الهواء ، وهكذا يحرمانك حتى من لحظة الاستعداد لتلقي الضربة .. ولعمري فإن كل الحق مع هؤلاء ، ولم الانتظار ؟ فالوقت أثمن معطى في بلاد تعاني من مشاكل التخلف وتحديات التحديث – وخير البر عاجله كما قالت العرب "
وهذه المفارقات تستمر طوال فصول الرواية التي تقع في 134 صفحة ، ليجد القارئ نفسه في النهاية غير قادر على حبس ضحكه ، وبهذا يكون صلاح الوديع قد انتصر عليهم ـ هو الذي قرر منذ بعيد ألا يتكلم عن بشاعة الماضي إلا مغلفا في غلاف من السخرية .
عود على بدء :
يبدو أن المكتبة بالإضافة إلى أنها متاهة ، يتيه فيها المرء ، وتتيه فيها أيضا الكتب . فهي لها قانونها الخاص الذي يحكمها بدون أن تكون لنا القدرة نحن الذين نتوهم أننا خلقناها قطعة قطعة ، كتاب كتاب ، على التحكم فيها .
فهي قد أمدتني برواية العريس التي أسالت الكثير من مداد الباحثين والمفكرين والمهتمين بالشأن الأدبي الإبداعي سواء في المغرب أو خارج المغرب ، بدل كتاب الحقيقة الملتبسة لكاتبه محمد الداهي الذي يقدم فيه كما أسلفت أعلاه قراءة في أشكال الكتابة عن الذات ، كأنها أي المكتبة ، تقول لي بأن رواية العريس بالرغم من أن كاتبها يحصرها في جنس الرواية وليس السيرة الذاتية . فهي مما لا شك فيه شكل من أشكال الكتابة عن الذات.
لكن أليس كل كتاب في النهاية هو شكل من أشكال الكتابة عن الذات ؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بين سام وعمار: كليوباترا ليست مصرية ا?صلاً والضجة حول الممثل


.. لوحة أرني الـ -مونيه- للفنان المجهول بانكسي تباع بسعر خيالي


.. تفاعلكم | السلطات العراقية تلاحق فنان عراقي بعد انتحار زوجته




.. إحلم | لقاء مع الشاعر تامر حسين | الخميس 22 أكتوبر 2020 | ال


.. إحلم - تامر حسين: دخلت الوسط الفني في 2004 مع الملحن عمرو مص