الحوار المتمدن - موبايل


الإبداع يولد من رحم المعاناة – دوستويفسكي نموذجا .

حمزة الذهبي

2019 / 3 / 4
الادب والفن


الكثير منا يعتقد أن حياة العباقرة الذين أناروا سماء البشرية بأعمالهم المتنورة وأثارهم الخالدة ، كانت حياة سعيدة ، لكن مجرد بحث بسيط في حياتهم سيكشف لنا أن الأمر مغاير لذلك تماما.
فهذه النجوم - التي أضاءت طريق البشرية وارتقت بالإنسان ليصير إنسان في أزمنة التقهقر والنكوص إلى الحيوانية . وجعلت المرء بسببهم يفتخر أيما افتخار بانتمائه للجنس البشري رغم ما يتسم به هذا الجنس من مكر وخداع وعنف وقسوة - كانت تعيش حياة فيها الكثير من الألم والبؤس والضياع ومن أجل تأكيد هذا القول ، كي لا يقال أننا نتحدث من فراغ ، فلنا أيها الأصدقاء الأعزاء في الكاتب الروسي دوستويفسكي خير حجة على ذلك.
فيدور دوستويفسكي ، كاتب فذ ، غني عن البيان ، يعد أحد أئمة الرواية ، يمكن القول أنه شكسبير عصره ، فهو صاحب أعظم روايات كُتبت لحد الآن – في قبوي ، الأبله ، الجريمة والعقاب ، الإخوة كارامازوف – فنان حفر عميقا في العالم السيكولوجي للإنسان و سبر أغواره كما لم يسبرها أحد من قبل ، وسحر من خلال أعماله مئات ملايين من القراء عبر العالم ، حتى أن الشاعر الأمريكي تشارلز بوكوفسكي قال عنه بعد مرور عشرات السنوات على رحيله " عندما كنت شابا يافعا ، أخذني دوستويفسكي ورفعني عاليا".
هذا الكاتب ، البحث في حياته يُظهر لنا أنه كان إنسان بائس ،عاش حياة مليئة بالهموم والشكوى والاستجداء والهروب من الدائنين الذي يلاحقونه .، ولنأخذ على سبيل المثال رسائله - الصادرة عن دار السؤال ترجمة خير الضامن – فهي تشي بأنه عاش بؤسا لا حد لفظاعته وعذاب يعجز المرء عن وصفه ، فقد كان في عوز دائم . غائصا إلى أذنيه في الفقر والقهر ، يعيش على الاقتراض ، يعاني طوال الوقت من المحن والمصائب . غارقا في الحزن والكآبة دون أن يعرف طعم السعادة ، يقول في إحدى رسائله " كآبة قاتلة تمتص قلبي . في الليل كوابيس ، في المنام صيحات ، وحشرجة في الحنجرة تكاد تخنقني . والدموع تستعصي تارة وتنهمر تارة أخرى" .. سائما من وضعه الذليل ، هاربا طوال الوقت من الدائنين ، يقول وهو في الخمسين من عمره "طوال عمري كنت أعيش الفاقة باستمرار ، وأعيشها اليوم أكثر من أي وقت مضى"
وهو ما جعلني أقول ما قاله أندريه جيد " نتوقع العثور على إله ، فإذا نحن أمام إنسان بائس ، تعب ، مريض (...) كل شيء تألب عليه ، منذ البداية ، اختير هو ، رغم طفولته السقيمة ، للخدمة العسكرية ، بينما أعفي أخوه ميخائيل ، الأصلب عودا، من الخدمة . ثم ألقي القبض عليه وحكم بالإعدام على الشبهة . وقد نجا بما يشبه المعجزة من الإعدام " وقد حكى عن ذلك في رسالته إلى أخيه ميخائيل قائلا " تلوا علينا جميعا حكم الإعدام (..) ثم اقتادوا ثلاثة منا إلى عمود تنفيذ الإعدام (..) ولم يبقى لي على قيد الحياة سوى دقيقة واحدة (..) وفي تك اللحظة دوى بوق تغيير الحكم . فأعادونا وأبلغونا أن صاحب الجلالة الإمبراطور يهينا الحياة " هكذا صدرت أوامر تخفيف الحكم ، وتحول الحكم بالإعدام إلى حكم بالأعمال الشاقة في سيبيريا . وقد وصف ما يحدث في ذلك المكان المهول والقاسي والمرعب الذي قضى فيه اربع سنوات من حياته في رائعته ذكريات من منزل الموتى . أما كيف ألقي القبض عليه فتلك حكاية مطولة ، نلخصها باقتضاب شديد لعدم اتساع المجال في أنه أتهم مع جماعة من زملائه بالعمل على الثورة ضد القيصر .
على أي و أنا أقرأ رسائله المليئة حد الثمالة بالوجع ، تبادرت إلى ذهني مجموعة من الأسئلة منها مثلا: كيف استطاع أن يبدع ما أبدع من روائع ستظل خالدة إلى أن تنتهي الحياة على الأرض ، أمام كل ذلك الأسى ، أمام كل ذلك البؤس ، والمرض الذي عشعش في جسده والعوز الذي كاد أن يدفعه إلى الانتحار وسيبيريا والأشغال الشاقة التي جعلته جلدا على عظم والحزن الذي نخر عظامه والديون التي أثقلت كاهله حتى دفعته إلى الهروب ، الهروب خارج الوطن ، خارج الأرض الروسية خوفا من العودة إلى السجن؟ كيف استطاع أن يتحمل كل ذلك ، كيف لم يسقط في هوة لا قرار لها من اليأس ، كيف لم يتحول إلى رماد ، كيف لم ينتهي ، ناهيك عن الكتابة في هذا الوضع ، فكما يعلم الجميع ، تجربة الكتابة هي عمل صعب وشاق ، لاسيما الكتابة الروائية : ليال من الأرق ، تدخين عدد لا محدود من السجائر ، احتساء كمية لا بأس بها من النبيذ ، ألم الظهر والمفاصل بسبب الجلوس كثيرا . وألم نصفي في الرأس بسبب التفكير طويلا ، فالرواية أولا وقبل كل شيء هي فكر و ليست مجرد سرد للحكايات. فكيف استطاع فعل ذلك ؟
وبعد تقليب الموضوع في رأسي بحثا عن إجابة ، خلصت إلى أن السر يكمن في ذلك ، السر يكمن في هذه المعاناة التي بفضلها أضحى دوستويفسكي قادرا على الوقوف على آلام البشرية ، بفضلها استطاع أن يسبر غور نفسه المتعذر سبرها ، أن يفك رموز ذاته المتعذر حلها .
فلولا المصائب والأحزان التي انهالت على رأسه ، لما استطاع أن يعثر على الإنسان فيه وأن يبدع روائع خالدة خلود حياة البشر . ومن هنا نستنتج أن هناك علاقة بين الإبداع والمعاناة ، فهذه الأخيرة هي الدافع الذي يدفع المرء للاقتحام المجهول ، وطرق دروب لم يطرقها أحد من قبل ، فلا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم ، لهذا يقول إبراهيم الكوني في سيرته عدوس السرى " .. الأعجوبة الإبداعية في بُعدها الرسالي لا تستقيم في إنجاز عظيم ما لم تحترق بجحيم ألم عظيم ، فصاحب الإبداع يلعب دور عرافة معبد دلفي التي تستجدي النبوءة ، ولكن هيهات أن تطمع في الفوز ما لم تتمخض بتلك الحمى التي تشرف بها على الموت . إنها تدفع الثمن غاليا مقابل النبوءة " ثم يضيف فيما بعد " لأن النبوءة لا تولد إن لم نولد فيها لا بها . لم يحدث هذا مع أيوب وحده أو مع كل الأنبياء بداية بنوح ونهاية بمحمد ولكن حدث هذا مع كل أنبياء الألم بداية بأوديب ونهاية ببروست مرورا بدوستويفسكي . لأننا إذا كنا نولد من بطون الأمهات ميلاد الطبيعة ، فإننا لا نصنع هويتنا التي وجدنا من أجلها ما لم نحقق ميلادنا الثاني من رحم الألم " ..
عود على بدء
يلوح مما تقدم أن العبقرية في النهاية هي نتاج للألم . فالإبداع يترعرع في رحم المعاناة . سيقول قائل بأن هناك مبدعين عاشوا حياة سعيدة ، وسأجيب بأن هذا مما لا شك ولا جدال فيه ، وسأكون موهوما إن ظننت عكس ذلك ، لكنها نسبة قليلة لا يقاس عليها .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صباح العربية | مشروع سعودي لترميم الذاكرة السينمائية


.. صباح العربية | فيلم الأنمي -قاتل الشياطين- قريبا في المنطقة


.. الممثل الأمريكي جيف بريدجز يعلن إصابته بسرطان الغدد الليمفاو




.. هل تصدق الرواية الألمانية عن طفلة الروضة؟ ولماذا غضب الائتلا


.. رائعة الشاعر الاديب فراس الوائلي البلابل السوداء