الحوار المتمدن - موبايل


نظرة عامة للوضع الاقتصادي في قطاع غزة خلال العام 2018.

حسن عطا الرضيع

2019 / 3 / 8
الادارة و الاقتصاد


نظرة عامة للوضع الاقتصادي في قطاع غزة خلال العام 2018.
بقلم: حسن الرضيع
الباحث الاقتصادي
الكثير من الدراسات المحلية والإقليمية تتحدث عن إمكانية لانهيار اقتصاد قطاع غزة بحلول العام 2020, لكن الأمر يختلف هناك فرق بين انهيار الاقتصاد وأن يكون الوضع كارثة وبين التراجع المدوي في أنشطة وقطاعات الاقتصاد, الحالة في قطاع غزة ليست منطقة منكوبة أو منهارة بالكامل مثل اليمن مثلاً, حيث يوجد نقص حقيقي في الغذاء والوصول إلى مصادر المياه الصالحة للشرب وكذا العلاج , غزة تعاني من أشد وضع اقتصادي مرت به خلال العقود السبعة الأخيرة, حيث يعاني الاقتصاد في غزة من انحدار كامل للأنشطة الاقتصادية وغير الاقتصادية, الحديث عن إفلاس الاقتصاد أضحى لسان الأغلبية الساحقة من الكتاب والخبراء, يلاحظ من مؤشرات الإحصاء حول غزة أن الكثير من الأنشطة والمشاريع في قطاع غزة قد أفلست مالياً وهذا تحدثت عنه وزارة الداخلية حول عدد القضايا المرفوعة على ذمم مالية, وكذلك إرجاع آلاف الشيكات من قبل البنوك.
مؤشرات النمو قد توقفت منذ شهور, في العام الماضي 2018 حقق الاقتصاد في غزة معدلات نمو سالبة, وهذا يعني أن العمل والإنتاج والحصول على الاحتياجات الأساسية للسكان في تراجع, النمو السلبي للناتج المحلي في غزة يدلل أن الوضع الراهن يسير في اتجاه الصعود نحو الأسفل .
استمرار هذا الوضع لشهور قادمة سيرافقها حدوث كساد اقتصادي في الكثير من النشاطات وستضغط بشكل حاد على المجتمع, سترتفع معدلات العوز الاجتماعي والحرمان للنسبة الأكبر من أهالي وأسر قطاع غزة.
سترتفع أعداد الفقراء والفئات المهمشة ستصبح أكثر تهميشاً.
تراجع الناتج سيرافقه كذلك إغلاق مئات المشاريع الاقتصادية والتي ستزيد من الخسائر الكلية للاقتصاد في قطاع غزة, سترتفع معدلات البطالة لتفوق أل 60% خلال العام 2019, كما سترتفع معدلات الفقر المدقع بشكل يجعل غزة المنطقة الأعلى في العالم في اعتماد السكان على المساعدات .
لا يمكن الحديث عن آليات لعلاج المشكلة الاقتصادية في قطاع غزة, إلا بإعادة النظر بمصادر نمو الاقتصاد, وبدعم سخي للمشاريع والقطاعات الاقتصادية التي تدر دخلا دائم وقيم حقيقية في الاقتصاد وأهمها الزراعة والصناعات الوطنية إضافة لتطوير سوق التكنولوجيا والتعليم والصحة, ومشاريع البنية التحتية.
لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية في هذه الأوقات حيث التعايش المريب بين الانقسام والاحتلال.
يمكن النهوض بالواقع الاقتصادي من خلال ترسيخ كافة الجهود المحلية وتضافرها مع الأصدقاء العرب والدوليين لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي العسكري على مناطق 1967 , والاستفادة من موارد فلسطينية في أراضي الضفة وخصوصا مناطق c والتي يوجد بها نحو 70% من المصادر الطبيعية إضافة للتمتع بغاز شاطئ غزة, وإنهاء الانقسام , وتكثيف الاستثمارات في القطاعات الحقيقية .
يمكن للفلسطينيين مخاطبة العالم والمطالبة بشكل قوي في ضرورة إنهاء العربدة الإسرائيلية على مقدرات الشعب الفلسطيني , لكن يوجد قيد وهو الانقسام وعدم التوافق الفلسطيني على برنامج تنموي وداعم لتضحيات شعبنا الأعزل.
يعتبر اقتصاد قطاع غزة الأكثر مأساوية, حيث أن أكثر من 80% من السكان يعتمدون على المساعدات الخارجية وجلها ذات طابع إغاثي بحت , بينما تصل معدلات البطالة إلى 54.9% وانعدام الأمن الغذائي يصل إلى نحو 72% , ناهيك عن سوء التغذية وفقر الدم لدى النساء وخصوصاً الحوامل منهم.
والأشد من ذلك توفر ساعات وصل الكهرباء فقط لنحو 4 ساعات يومياً والتي أعاقت أكثر من نصف إنتاج المصانع والورش, وتنقلات الأفراد لا زالت تتم بكل بصعوبة, إذ يستمر إغلاق المعابر الأرضية البرية لمدة شهور متواصلة, فمثلاً عدد ساعات فتح معبر رفح البري فى العام 2015 لم يتجاوز أل 120 ساعة, أي بمعدل 24 دقيقة يومياً؛ أي بأقل من 2% من ساعات العمل المنتظمة قبيل الطاعون الفلسطيني؛ الانقسام الفلسطيني- الفلسطيني.
وانعكس ذلك فى منع الطلاب من استكمال تعليمهم في الخارج, إضافة إلى فقدان نحو 30,000 من المرضى حقهم بتلقي العلاج وأغلبهم من مرضى السرطان والكبد الوبائي.
ففي قطاع غزة لوحدها يبلغ عدد مصابي مرض السرطان نحو 18,000 مريض ولا يوجد في قطاع غزة مستشفى تخصصي لعلاجهم أو مركز متخصص باكتشاف الأورام وعلاجها, كما لا يوجد أدنى أنواع العلاج كالمحاليل التي تستخدم في بعض عمليات الجراحة, رغم تدني أسعارها.
فى حال أعُطي الفلسطينيين حقوقهم الكاملة وتمتعوا بمواردهم فإن ذلك كفيل ببناء اقتصاد يحقق معدلات نمو جيدة_ حيث يتوفر الموارد البشرية المدربة والنشطة اقتصادياً _ ويستطيع التخفيف من حدة الأزمة والاعتماد على الذات, على قاعدة " لا تعطيني كل يوم سمكة, لكن علمني كيف أصطادها".
لا زالت فلسفة التنمية الاقتصادية فى فلسطين غير قائمة بالمفهوم الشمولي, كما أن السلوك الاقتصادي لمتخذي القرار الفلسطينيين دون المستوى المطلوب وأشبه بسياسات حمقاء, سياسات تقشفية تطال الفقراء والشرائح المعُدمة وأخرها خصم 30-50% على رواتب الموظفين الحكوميين فى قطاع غزة رغم أن 70% منهم يعتبروا ضمن حد الفقر, فمستوى دخلهم لا يكاد يكفي لمتطلبات الحياة, واستمرار مالية غزة في فرض المزيد من الضرائب وأخرها على السجائر والدقيق .
لا يوجد دعم للقطاعات الاقتصادية الحقيقية المنتجة, كالقطاع الزراعي رغم أهميته فأن نصيبه من الموازنة الفلسطينية لا يزيد عن 1%, والقطاع الصناعي متدهور وشبه منهار.
والنمو لا زال فى القطاع الخدماتي والصرافة والوساطة المالية والتي لا تضيف أي قيم اقتصادية حقيقية, كما أن اعتماد الموازنة لا زال على مصدرين رئيسين هما: الضرائب غير المباشرة التي يتحملها الفقراء والتي تمول الموازنة بنحو 50%, والباقي هو منح ومساعدات من الخارج يذهب 97.5% منه إلى صرف الرواتب وتمويل عجز الموازنة, بينما يذهب 2.5% إلى مشاريع تطويرية ذات أثر تنموي .
الحالة الفلسطينية الاقتصادية نادرة جداً, خصوصاً حالة قطاع غزة, حيث يبلغ عدد سكانه 2 مليون نسمة يعيشون على بقعة أرض مساحتها 365 كيلو متر مربع, لا يوجد لديه مقومات دولة حيث لا ميناء ولا مطار جوي, إضافة إلى تعرضه للحصار الإسرائيلي منذ العام 2006, واستمرار حالة الانقسام الوطني , والذي أدى إلى مزيداً من التقسيم السياسي, والتفتت الاجتماعي, واستدامة اللا عدالة اقتصادية.
كما أن الثروة يستحوذ عليها نحو 2000 مليونير مقابل وجود 2 مليون فقير, وهذه السمة الأبرز فى قطاع غزة ويمكن وصفه بمجتمع النصف بالمائة أغنياء و 2 مليون فقير, وكوصف أخر فإن السائد هي الرأسمالية الضبعية كإشارة إلى ما وصلت إليه الأسر فى غزة من تأزم ظروفها الاقتصادية والاجتماعية, مع وجود أشكال للزواج الكاثوليكي بين السلطة المتنفذة ورأس المال الاحتكاري.
يبلغ عدد العاطلين عن العمل نحو 300 ألف شخص, بينهم نحو 150 ألف خريج جامعي, ومنهم قرابة 1000 من حملة الدراسات العليا لا يعملون بالمُطلق, وتصل معدلات بطالة الخريجين إلى نحو 73%.
السلطة التنفيذية في بعض الأحيان تتحالف مع رؤوس الأموال وتسمح بوجود احتكارات إلى حد ما , فمثلاً مجموعات الاتصالات الفلسطينية تبيع خدمات الاتصال بأسعار هي الأعلى عالمياً قياسا بدخل الفرد, وعلى الرغم من حالة الفقر والركود الشديد فى الأراضي الفلسطينية إلا أن تلك الشركة تحقق ربحاً صافياً يصل سنوياً إلى نحو 100-120 مليون دولار, ورغم الدعوات لتخفيض الأسعار إلا أن السلطة التنفيذية تمنع حتى التظاهر ضد الاحتكارات مما يضع علامات استفهام كثيرة لذلك, كما أن السلطة تسمح باحتكار الكهرباء لشركة خاصة وتبيع الخدمة بأسعار مرتفعة جداً تفوق الأسعار فى إسرائيل والتي يرتفع دخل الفرد عندها بنحو 45 ضعف متوسط الدخل فى قطاع غزة.
لقد نجم عن الوضع الاقتصادي الصعب فى قطاع غزة ظهور قيم اجتماعية خطيرة كارتفاع عدد حالات الانتحار بين الشباب, ففي عام 2016 توفى 60 فلسطيني من غزة عبر الانتحار من خلال عدة وسائل كالشنق, وصب البنزين على الجسد والسقوط من علو وشرب السموم وقطع الأوردة وغيرها من الوسائل, كما أن عشرات الحالات سنوياً تحاول الانتحار ويتم إنقاذها.
إضافة إلى ارتفاع نسب الطلاق والتي وصلت إلى أرقام قياسية, كما ارتفعت معدلات الهجرة وتأخر سن الزواج بين النساء, وإقبال مُتزايد للشبان على تعاطي الأترادومال وهو عقار مخدر يُغيب العقل ويشتت التفكير ويعزل صاحبه عن المطالبة بحقوقه المشروعة .
أمام تلك المؤشرات الكارثية أضحى اقتصاد قطاع غزة تحديداً والفلسطيني بشكل عام اقتصاداً كادوكياً, أي اقتصاد هرم وغير قادر على تلبية احتياجات المواطنين الفلسطينيين, ويظهر ذلك مع حالات مروعة من الفقر .
بعد سيطرة حركة حماس على الحكم في قطاع غزة منذ يونيو 2007 والاقتصاد الفلسطيني يسير نحو الصعود إلى أسفل بفعل سياساتها الاقتصادية العشوائية وغير المدروسة من الناحية الاقتصادية والتنموية, والتي تُحابي رأسمالية الأقلية, وتكبح جماح التنمية الاقتصادية والاجتماعية, ويتضح ذلك بشكل جليً بوجود مجتمع النصف بالمائة أثرياء و2 مليون فقير من جهة, واعتماد قرابة 80% من سكان غزة على المساعدات الخارجية كالحصول على الدقيق والزيت والخضروات وعبوات الخبز, وتمتعهم بثلاث إلى ثماني ساعات وصل للكهرباء في اليوم الواحد.
شكل العام 2018 الأكثر سوءاً في الاقتصاد في قطاع غزة, نظراً لما شهدته غزة من أزمات معيشية هي الأسوأ, فحالة من الركود الشديد قد سادت, رافقها انهيار تجاري وهبوط في أسعار الأراضي والعقارات والتي ارتفعت بشكل جنوني أثناء بدء تجارة التهريب عبر الأنفاق , وإفلاس كبار التجار والمستوردين , ومن معالم الركود تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي, اضطرابات في الحركة التجارية , وإغلاق لكثير من المحال , واسترجاع آلاف الشيكات وبقيمة وصلت لعدة ملايين من الدولارات, وارتفاع عدد القضايا في مراكز الشرطة على خلفية الذمة المالية.
استمرار تلك الأزمات يعني أن مجتمع غزة وبنيته الداخلية ستصبح أكثر هشاشة, فالنسبة الأكبر من السكان بات مستواهم الاقتصادي والاجتماعي هشاً, تتراجع القيم المجتمعية, والكثير من العادات الجميلة كالتكافل الاجتماعي قد ذابت بسبب الظروف الراهنة.
كما انحرف تفكير الشباب وأضحوا ضحايا للبؤس والشقاء, نسبة كبيرة منهم باتوا يفكرون بالهجرة مرتفعة المخاطر والانتحار, تشير الإحصاءات أن 2000 شاب من غزة قد هاجروا من غزة إلى اليونان وأوروبا فقط خلال شهر أغسطس 2018.
الملفت لوضع غزة أن ضراوة وضنك العيش جعلت من الشباب مادة خصبة لتصارع الشرعيات الزائفة القائمة, وبدلاً من انفجار الشباب في الداخل رفضا لحالة الفقر الشديد ولحكم الجوع, تم توجيههم إلى الحدود الشرقية للمشاركة في مسيرات العودة وكسر الحصار, والتي بدأت بتاريخ 30 مارس 2018, وبعد 51 أسبوع منها؛ استشهد نحو 270 فلسطيني و20 ألف مصاب منهم عشرات حالات البتر.
أصبح شعار بعض الشباب : " إصابة بالقدم أو الساق, سيرافقها راتب جريح شهري؛ الإصابة أفضل بكثير من العيش بقدم أو بساق دون وجود عمل يوفر لقمة العيش الكريمة لي ولأبنائي".
أمام تلك الكارثة فإن هناك ضرورة ملحة الآن لاستعادة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام السياسي سيء السمعة فلسطينياً.
أن الاقتصاد في غزة والمجتمع يسير بوتيرة متسارعة نحو الصعود إلى أسفل, كل المؤشرات تنذر بسريان مفعول المجتمع غير السوي , كل الاقتصاد بات مشوهاً غير سليم بفعل السياسات الرسمية التي تحاول إفقار منظم للفلسطيني في قطاع غزة , حيث يبلغ معدل الفقر في قطاع غزة نحو 67.6 %, وفي حالة البحث عن معدل الرفاه فإن النسبة الأكبر من قطاع غزة تقع في خانة الجوعى والفقراء, بينما ينعم شريحة النصف بالمائة بجل الثروة التي يتم جمعها بوسائل غير مشروعة, منها التجارة القذرة في عمليات استغلال المواطنين سواء بفرض مزيداً من الضرائب أو بخلق المزيد من الأزمات الإنسانية والتوجه نحو تصعيد الوضع الأمني والذي يعني مزيداً من الدماء والأشلاء دون أي مبرر سوى البقاء في حكم منطقة معزولة وبلا ثروات حقيقية ,باستثناء ثروة هائلة لا تنضب وهي أن المواطن أغلى ما تملكه الحكومة, فهو من يتحمل خطايا الحكومات , هو من يدفع أعلى ثمناً لخدمات الاتصالات والانترنت والكهرباء والسجائر والعلاج قياساً بمتوسط دخله الذي لا يكاد يكفي لتلبية أدنى المتطلبات الأساسية !








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما سر اختفاء 128 مليار دولار من خزينة البنك المركزي التركي؟


.. ورتل القرآن | مسابقات حفظ القرآن الكريم في الصومال تعزز المن


.. الولايات المتحدة والصين.. تاريخ من الخلافات الاقتصادية | #عا




.. بؤر ساخنة لوباء كورونا ترفع القيود وتعود لحياتها الطبيعية |


.. أولوية اقتصادية وأمنية.. المجلس الأطلسي يفسر اهتمام الإدارة