الحوار المتمدن - موبايل


المنهاج التربوي، الوظيفة العمومية و تهريب الاختصاصات.

بودريس درهمان

2019 / 3 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


الجهوية المتقدمة نصف الطريق و بما ان الخيارات الاستراتيجية المعلنة لا تسمى بمسمياتها فان التوجس و الترقب هو سيد الموقف؛ لهذا السبب حلت حالة شبيهة بالفوضى الخلاقة، لأن النصوص التشريعية التربوية في واد و السياسات العمومية في واد آخر. هكذا هي على الأقل حالة المنهاج التربوي الوطني انطلاقا من سنة 2016 .
العقل الترابي الوطني لا زال لم يستطع الجمع ما بين الخيارات الاستراتيجية الوطنية و جميع أنواع الحكامات القطاعية؛ و لأن الحالة هي حالة التوجس و الترقب فالمضارباتيون و مهربي الاختصاصات يسيطرون على الوضع.
في المجال التربوي تتجلى بشكل واضح هذه الحالة التي تتداخل فيها الجهوية المتقدمة بغياب الحكامة القطاعية.
في المملكة المغربية، منذ عهد الاستقلال و الموظفون هم موظفوا الدولة الى أن ظهرت سلطات الجماعات المحلية سنة 1976 فظهر معها نوع ثان من الموظفين هم الموظفون الجماعاتيون الذين يتوفرون على نظام خاص بهم ينظمه المرسوم رقم 2.77.738 بتاريخ 13 شوال 1397 (27 شتنبر 1977) و الذي هو بمثابة النظام الأساسي لموظفي الجماعات.
اما موظفوا الدولة فينظم نظامهم الخاص الظهير الشريف رقم 1.58.008 الصادر في 4 شعبان 1377 (24 يبراير 1958) و الذي هو بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، حسب ما وقع تغييره وتتميمه. لكن مع النظام الجهوي و مع الجهوية المتقدمة ظهر صنف ثالث من الموظفين. هم موظفوا الجهات.
التسمية الصحيحة و المطابقة لحالة موظفي الأكاديميات هي موظفو الجهة و ليس المتعاقدون؛ ولكن لأسباب تبقى مجهولة تم اعتماد بشكل رسمي تسمية الأساتذة المتعاقدون و كأن كل أساتذة الدولة ليسوا بمتعاقدين. للتذكير فقط كل من اجتاز مباراة توظيف الاساتذة التي تنظمها مراكز تكوين الاساتذة في الماضي كانوا يوقعون عقدا اجباريا للاشتغال لصالح وزارة التربية الوطنية لمدة لا تقل عن ثماني سنوات و بانقضاء هذه المدة يتم دمج الاساتذة المتعاقدون بشكل تلقائي.

هكذا اذن مع سنة 2016 ظهر صنف آخر من الموظفين الذين ليسوا لا بموظفي الدولة ككل و لا بموظفي الجماعات المحلية بل هم في واقع الامر موظفوا الجهة. و بحكم ان المؤسسة الممثلة لوزارة التربية الوطنية بداخل الجهة هي الاكاديمية فقد تم اعتبارهؤلاء موظفوا الاكاديميات. لكن السؤال المحير هو لماذا تم تطبيق موظفي الجهة على وزارة التربية الوطنية لوحدها و لم يتم تطبيقه على باقي القطاعات الحكومية الأخرى.
انني أستعمل هنا مصطلح موظف بشكل فضفاض، لأن التشريعات الوطنية لم تحسم في الفرق بين ما ينتمي الى الوظيفة و ما ينتمي الى مجال المهنة. فالتدريس هو مهنة و ليس وظيفة. و هذا الامر يتطلب نقاشا أكاديميا و تشريعيا من أجل الحسم فيه.
لقد كنت دائما من المطالبين باعتماد مدونة سلوك المدرسين، على غرار مدونة السير على الطرقات و مدونة الجمارك و غيرها لأن هذه المدونة هي الكفيلة بتحديد حقوق و واجبات المدرسين، و ليس العقدة لأن ساعات العمل التي يقضيها المدرس مع التلاميذ لا يمكن تقييم مكوناتها بواسطة العقدة بل بواسطة مدونة سلوك يساهم في صياغتها المنتمون لعالم مهن التدريس.
منذ عهد الاستقلال و الموظفون حينما يلجون الوظيفة العمومية للدولة يقومون بذلك بواسطة عقد و رغم ذلك لم يجرء احد على تسميتهم بالمتعاقدين الى أن جاء صنف الموظفين الجهويين التابعون للأكاديميات فتمت تسميتهم بالأساتذة المتعاقدون. هذا الأمر يدفع في اتجاه التمحيص في ماهية المنهاج التربوي الوطني، لأن هذا الاخير انطلاقا من سنة 2016خضع لتشوهات على مستوى الاختصاصات حيث بدأ يظهر في الافق ثلاثة مناهج متداخلة، حيث هنالك منهاج تخيلي يوجد في رؤوس بعض أصحاب القرار و منهاج ثان عبارة على نصوص انشائية للاستئناس الدستوري مرتبة و مبوبة في رفوف الجريدة الرسمية و المنهاج الثالث هو المنهاج الواقعي الذي يمكن ملامسته عن قرب و بداخله يشقى الأساتذة و التلاميذ و المفتشون و الأباء بالاضافة الى أطر الادارة.
ظهور المناهج الثلاثة قد يكون ناتج عن قوة تضارب المصالح و الايديولوجيات.
على سبيل المثال الرؤية الاستراتيجية في رافعتها العاشرة تؤكد على ربط التعليم الاعدادي بالتعليم الابتدائي في حين واضعوا هندسة تكوين آلمتعاقدين منذ سنة 2016 و هم يربطون التعليم الاعدادي بالتعليم الثانوي ضاربين عرض الحائط وحدة المدرسة الالزامية اللتي نصص عليها الميتاق الوطني للتربية و التكوين و احترمتها الرؤية الاستراتيجية،
هذا التضارب الناتج عن تداخل ثلاثة مناهج ينم عن غياب حكامة بيداغوجية لأن واضعي المنهاج التكويني لما يسمى بالأساتذة المتعاقدون تصرفوا خارج المرجعيات التشريعية للمنهاج الوطني و التي ضمنها آلميتاق الوطني للتربية و التكوين، الذي هو أول نص تشريعي عضوي يحدد معالم النظام التربوي الوطني. .
المنهاج الذي بداخل رؤوس بعض أصحاب القرار غير ملم بتاتا بالمنهاج الواقعي؛ فعلى سبيل المثال قرار وزير التربية الوطنية الذي يحمل رقم 007.19 الصادر يوم 19 فبراير2019 تحدد المادة الثامنة و العشرون منه أعضاء لجنة الامتحان التي ستقوم بالاشراف على انجاز امتحانات الكفاءة المهنية لترسيم الاساتذة المتعاقدين و تحصرهم في ستة اعضاء وهم على التوالي: مفتش تربوي، مدير مؤسسة تعليمية، أستاذ مؤطر من المركز الجهوي لمهن التربية و التكوين بالاضافة الى مدرسين اثنين يزاولون عملهم بداخل الاقسام.
أما المادة التاسعة و العشرون من نفس القرار فتقوم بتحديد كيفية اجراء امتحان التأهيل المهني و تؤكد هذه المادة على ضرورة تقديم و مناقشة درس من طرف الاستاذ المتعاقد مع مناقشة الملف التراكمي المنظم.
القرار الوزاري المومأ اليه أعلاه بمادتيه الثامنة و العشرون و التاسعة و العشرون مكون من مكونات المنهاج التخيلي لبعض أصحاب واضعي القرارات التربوية، و اذا كان المنهاج التخيلي هو هكذا فالمنهاج الواقعي يؤكد على عدم امكانية تنفيذ محتويات هذا المنهاج التخيلي خصوصا مادته التاسعة و العشرون. و اليكم تفسير لهذا الأمر.
حسب الاحصائات الرسمية التي تخص ما يسمى بالأساتذة المتعاقدين، مع اضافة فوج سنة 2019 سيصبح عدد الأساتذة المتعاقدين سبعون ألف استاذ متعاقد و حسب منطوق المادة التاسعة و العشرون من قرار تنظيم امتحان التأهيل المهني سيخصص لكل أستاذ متعاقد على الأقل ساعتين لتقديم درس و مناقشة الملف التراكمي مما يعني أن امتحان التأهيل المهني للمتعاقدين سيتطلب غلافا زمنيا أكثر من مئة و أربعون ألف ساعة عمل.
و اذا علمنا أن يوم عمل يدوم ثماني ساعات من الساعة الثامنة صباحا الى السادسة مساءا فان عدد أيام امتحان التأهيل المهني هي 17500 يوم عمل أي 47 سنة.
كل هذه السنوات من العمل كان العاملون بداخل المراكز الجهوية لمهن التربية و التكوين قبل ظهور نظام التعاقد ينجزونها بدون أي كلفة مالية اضافية و بشكل مهني جد محكم، لأنهم يعتبرون أنها تدخل في صلب اختصاصهم، هذا الاختصاص الذي تحدده المراسيم المصادق عليها و المنشورة في الجريدة الرسمية.
المراسيم التي تحدد المنهاج التكويني الوطني لما بعد سنة 2014 هي في حدود خمسة مراسيم مصادق عليها و منشورة في الجريدة الرسمية و تعتبر جوهر المنهاج التكويني الواقعي الحقيقي الذي عمل المنهاج التخيلي على اقصائه ووضعه في الرفوف.
في حال تنفيذ محتويات المنهاج التخيلي سترتفع الكلفة المالية للأدماج و سيتعذر على المفتشين و على مدراء المؤسسات التربوية و على العاملين بداخل الاقسام تحمل كل هذه الساعات من العمل.
كلفة المنهاج التخيلي مرتفعة جدا و بالاضافة الى أنها تعتمد على عقلية المضاربات المالية فانها تتميز كذلك بتهريب الاختصاصات من المؤسسات التربوية الدستورية و وضعها بين يدي لجان وظيفية غايتها الاولى تمرير السياسات التربوية القائمة على المضاربات و الاقصاء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أزمة كورونا تحد من زوار مهرجان أزهار الكرز بواشنطن


.. مؤتمر صحفي لوزير خارجية العراق وأمين عام الجامعة العربية


.. أديس أبابا ترجح استئناف المفاوضات نهاية الأسبوع المقبل




.. واشنطن وطهران.. أبرز العقوبات


.. قمة مصرية تونسية في القاهرة اليوم