الحوار المتمدن - موبايل


العربيّة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين

سعيد عدنان

2019 / 3 / 10
الادب والفن


هذا بحث يروم أن يرصد العربيّة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ؛ حين خرجت الأمّة من حقبة طويلة مظلمة ، واتّصلت أسبابها بأسباب العصر ، وشرعت تتزوّد من معارفه . وهو يرصد أيضا قدرة العربيّة على استيعاب الجديد من دون أن تخلّ بأصل من أصولها . ويريد كذلك أن يقف عند أعلام كرام استطاعوا أن يجمعوا بين القديم والجديد ، وأن يؤلّفوا بينهما على نحو لا يُخلّ بأيّ منهما . ويريد أن يقول إنّ سبيل صيانة العربيّة اليوم هو ما كان في كلّ أعصرها ؛ استيعاب أصولها ، وحسن القيام على عيون آثارها من دون إغلاق الباب بوجه جديد تأتي به الحياة في حركتها الدائبة. وإذا كان الكلام قد اقتصر ، أو كاد ، على مصر فلأنّها طليعة العرب ورائدة نهضتهم ، وأنّ ما وقع لها سيقع لغيرها من البلاد العربيّة .
1- حين خرجت العربيّة ، بالإسلام ، من بيئتها البدوية ، وامتدّت آفاقها في الأرض ؛ لم تقعد عن التعبير عن مستجدّات الأشياء ، ومستحدثات الفكر . فلقد عبّرت عن الفقه ، وعلم الكلام ، والنحو ، وعن علوم القرآن ، وعن غير ذلك ممّا كان بعد أن لم يكن ، واستطاعت أن تجد المصطلح الجامع الوافي . ولم يمضِ زمن طويل حتّى لانت لضروب من الفلسفة ، وألوان من العلم ؛ زيادة على اتّساع أدبها ، شعراً ونثراً ، لأجواء من الفكر لم يعرفها من قبل .
لقد خرجت العربيّة من الصحراء التي نشأت فيها إلى بلدان ذات فكر وحضارة ؛ فلم تعثر ، ولم يقعد بها أمر عن حسن البيان ودقّته ؛ ذلك أنّها كانت بين أيدي رجال ذوي بصيرة قادرين على أن يلائموا بين اللغة ، وما يطرأ على الناس من جديد . وإنّما اللغة بأهلها ؛ تعلو بعلوّهم وتنحطّ بانحطاطهم . وقد كان أهل العربيّة يومئذ أصحاب مجد ، وبناة حضارة ؛ تتفجّر في أنفسهم منابع القوّة ، ونوازع السيادة .
وامتدّ ذلك بالعربيّة قروناً ؛ كانت فيها لغة الدين والأدب والعلم ؛ وخرجت من العرب إلى أقوام أخرى ؛ تعلّمتها ، وأتقنتها ، وصارت عندها اللغة التي تُبين بها عن مشاعرها وأفكارها . وقد عرف الأدب العربيّ طائفة من الشعراء ذوي أصول أعجميّة ؛ لكنّهم أحسنوا العربيّة وبرعوا فيها ، وأدركوا دقائقها . وعرف أيضاً علماء كباراً في شتى ضروب المعرفة أصولهم ليست عربيّة ؛ لكنّهم اتّخذوا العربيّة لغة علم وبيان ومهروا فيها ؛ فلم تشكُ اللغة بين أيديهم من أمر ، ولم يشكُ هم من قصور فيها .
حتّى جنحت شمس الحضارة العربيّة الإسلامية نحو الأفول ، فتقهقرت روح الإبداع ، وانكمشت العقول ، وتطامنت الأنفس ؛ فألقى ذلك كلّه بظلّه على اللغة ؛ فثقلت خطواتها ، وتراخى كيانها ؛ فنشأ فصل بينها وبين الحياة ، ثمّ أخذ هذا الفصل يتّسع .

2-كانت السيادة قد أخذت تفارق أيدي العرب شيئاً فشيئاً منذ أن سقطت بغداد في سنة 656هـ ، حتّى أمسوا محكومين بعد أن كانوا حاكمين ، وأمست لغتهم لا تلقى من العناية والرعاية مثلما كانت تلقاه في القرون الأولى حين كانت السيادة بأيديهم . وتقدّمت لغات أخرى ، كالفارسيّة والتركيّة ، وشرعت تأخذ مكان العربيّة ، وتدفعها عن الصدارة ، وتقصرها على البيئات العربيّة الصرف ، وعلى مواضع الدرس الديني في المساجد ، والمدارس . لقد ضاق نطاق العربيّة خلال العصور التي تدعى بالمظلمة ، وانكمشت ؛ وما ذلك لأمر يرجع إليها ، وإنّما لأمر أصاب أهلها ؛ فجفّت إذ جفّوا ! ثمّ استمرّ بها الجفاف زمناً طويلاً حتّى كانت طلائع هذا العصر الحديث .
وإنّما اللغة صورة الأمّة ؛ تقوى بقوّتها ، وتضعف بضعفها !
3-كانت الحملة الفرنسيّة على مصر في سنة 1798 قد رمت إلى بسط إرادة فرنسا على الشرق ، وأن تجعل من مصر قاعدة لها في السيطرة والإدارة ؛ ولكنّ الحملة ، مع ذلك ، أيقظت أهل البلاد من سباتهم ، وجعلتهم ينظرون عبر البحر إلى الغرب ، ويريدون أن يعرفوا أسباب قوّته ، وأن يكون لهم شيء من قوّة ومنعة . وكان نابليون ، في حملته ، قد اصطحب معه فريقاً من العلماء أخذ يدرس أحوال مصر وتاريخها دراسة منظّمة . غير أنّ أمر الفرنسيين في مصر لم يلبث حتّى اضطرب ، وثار الشعب بهم ، وأراهم جانباً من بأسه ؛ فضاقت بهم أرض مصر ، واضطرّتهم أن يقفلوا راجعين إلى بلادهم في سنة 1801 .
وإذا كان أمر الحملة الفرنسيّة قد انطوى ؛ فإنّها قدحت شرارة اليقظة عند المصريين ، ووضعتهم على سبيل النهضة ؛ فلمّا ولي محمّد علي باشا شأن مصر في سنة 1805 شرع بإرسال البعثات الدراسيّة إلى فرنسا ، وكان مع البعثة إمام ؛ يرشد الطلبة في ديار الغربة ، ويقيم لهم الصلاة ، ويرجعون إليه في شؤون دينهم ؛ غير أنّه لم يقصر أمره على ذلك وحده ، بل شرع يتعلّم الفرنسيّة ، ويتّصل بالبلد وأهله ، ويستوعب أدبه وفكره ؛ حتّى إذا انقضت مدّة البعثة ، وعاد الطلبة إلى مصر ، عاد معهم إمامهم رفاعة رافع الطهطاوي وقد تضلّع من الفرنسيّة في أدبها وفكرها .
كان من صنيع الطهطاوي ؛ أنّه ألان العربيّة ، وجعلها تقدر أن تستوعب هذا الشيء الجديد الذي عرفه في فرنسا . وما كان الطهطاوي يستطيع ذلك لولا علمه بالعربيّة وأدبها ، وتاريخها ، ولولا علمه بالقرآن الكريم ، وما يُشتق منه من معارف .
4 – وإذا كانت العربيّة ، في العهد العثماني ، قد تيبّست وفقدت رواءها ، وشاع فيها اللحن ، ودبّ الفساد في إعرابها ؛ فإنّها أخذت ، مع الطهطاوي وجماعته ، تنفض شيئاً من الغبار الذي ران عليها .ولقد كان ممّا بعث الحياة في اللغة ؛ الصحافة فقد أنشئت " الوقائع المصريّة " في سنة 1828، وهي أوّل صحيفة عربيّة ، وقد كان للطهطاوي يد كريمة في إنشائها . ولا ريب في أنّ الصحافة تصل اللغة بوقائع الحياة ، وتجعلها أقدر على الإعراب عنها . وقد أفاد الطهطاوي وهو يساهم في إنشائها ممّا كان قد شهد في صحافة فرنسا ، وأراد بنحو ما أن تكون في مصر صحيفة كتلك الصحف القائمة في أوربا . وقد كان من أثر عودة البعثة الدراسيّة من أوربا ؛ أن أُنشئت مدرسةُ الطب في سنة 1836 ، وأقيم بجانبها مستشفى ؛ يتدرّب فيه الطلبة ، ويعالج فيه المرضى ؛ وقد استقدم لها أساتذة من فرنسا . يقول الزيّات عن هذه المدرسة : " وإلى هذه المدرسة يرجع أكثر الفضل في إحياء اللغة العربيّة ، ووصلها بالثقافة الحديثة ؛ لأنّ الأساتذة كانوا يلقون دروسهم باللغة الفرنسيّة ، ثمّ تؤدّى في الوقت نفسه إلى الطلّاب باللغة العربيّة . وكان ذلك يضطرّ المترجمين من المغاربة واللبنانيين والأرمن إلى البحث عن المصطلحات في المعجمات اللغويّة والكتب الفنيّة القديمة ." ( تاريخ الأدب العربيّ : 421 ) ومع مدرسة الطب هذه ؛ كان لا بدّ أن تنشأ مدرسة أخرى ، تُعنى باللغات ، وتخرّج التراجمة القادرين على صبّ المعرفة الأوربيّة الحديثة في قالب اللغة العربيّة ؛ فأنشأ محمّد علي مدرسة الألسن ، وأسند إدارتها إلى رفاعة الطهطاوي ، ومكّن لها ؛ فخرّجت جماعة ممّن أحسن الترجمة وبرع فيها ؛ وقد تألّف منهم " قلم الترجمة " سنة 1842 ، وكانت رئاسته إلى رفاعة الطهطاوي أيضا . وقد ترجموا طائفة من كتب الطب ، ومن كتب العلوم الحديثة ؛ من لغاتها الأوربيّة إلى العربيّة . وقد كان من مزيّة أولئك المترجمين ؛ تضلّعهم من العربيّة ، ووقوفهم على عيون آثارها ؛زيادة على علمهم المتين باللغات الأوربيّة ؛ وهما خصيصتان لا بدّ منهما معاً لكلّ مترجم يريد أن يحسن عمله . ولا شكّ في أنّ ظلّ الطهطاوي كان يظلل أولئك العاملين ، وأنّهم كانوا يقتدون به .
وفي عهد إسماعيل أنشئت مجلّة طبيّة شهرية يقال لها : " اليعسوب " أصدرها محمد علي باشا البقلي يعاونه الشيخ محمّد الدسوقي ؛ وقد كان من رسالة المجلّة نشر المعرفة العلميّة الطبيّة باللغة العربيّة ؛ ولا ريب في أنّ ذلك قد دنا بالعربيّة من مصطلحات العلم السائدة يومئذ ويسّر نفاذها إليها .
لقد شرعت العربيّة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر تتخذ طريقها نحو الإعراب المبين عن قضايا العلم ، وعن مناحي الفكر ، وتسعى أن تقف على قدمين ؛ واحدة مغموسة في التراث ، والأخرى قريبة من فكر هذا العصر وعلمه . وقد أتيح لهذا النزوع العلمي أن يجد ميدانه ، والمنبر الناطق بلسانه ؛ حين أنشأ يعقوب صرّوف مجلّة " المقتطف " في سنة 1876 ، في الشام أوّلاً ، ثمّ انتقل بها إلى القاهرة ، ووسمها بأنّها مجلّة علميّة زراعيّة صناعيّة . ولا ينسى تاريخ الأدب الحديث ما لهذه المجلّة من يد بيضاء على العربيّة ؛ فقد كتب فيها أعلام ذلك الجيل ، وسعوا جميعاً أن يعبّروا عن العلم والفكر بلغة فصيحة مبينة تنسجم مع العصر ، ولا تُغفل أصولها التي لا قوام لها إلّا بها .وحين توفّي يعقوب صرّف في سنة 1927 ، خلفه فؤاد صرّوف في القيام على " المقتطف " وهو من رجال العلم والأدب المعدودين يومئذ ؛ فمضت المجلّة على نهجها الذي يجمع بين العلم والأدب ، ويسعى إلى جعل العربيّة قادرة على استيعاب معارف العصر وعلومه من دون أن ينالها جور على خصيصتها . وقد قُدّر للمقتطف أن يمتدّ بها العمر حتّى سنة 1952 ؛ فلمّا انقطع صدورها كان محصولها من مباحث العلم ومصطلحه كثيراً وافراً . ولا ريب في أنّ ذلك ما كان ليتحقّق لولا تمكّن القائمين عليها من العربيّة في أصولها ورفيع آثارها ، ومن معارف العصر وعلومه .
5- ثمّ أخذ التعليم يتّسع شيئاً فشيئاً ؛ كان عمادُ التعليم القرآنَ الكريمَ ؛ إذ ينشأ الصبيّ على حفظه أو حفظ سور منه ، وإجادة تلاوته ؛ فيستقيم لسانه ، وتُصقل ملكته ، ويتيسّر البيان عليه . ومع القرآن الكريم كان الصبيّ الناشئ يشدو شيئاً من اللغة والنحو وما يتّصل بهما . كان هذا شأن التعليم على مدى حقب متطاولة ، فلمّا انتصف القرن التاسع عشر عرف نظام التعليم شيئاً آخر ، عرف شيئاً من معارف العصر ، وعرف القائمون عليه كيف يصبّون هذه المعارف اليسيرة في لغة عربيّة فصيحة سمحة ، وأن يوجدوا المصطلح الملائم لها في العربيّة . ولا شكّ في أنّ ذلك قد ساعد العربيّة على أن تسلك سبيل العصر ، وأن تحاول الاتّصال به ، وأن تحتفظ ، في الوقت نفسه ، بخصائصها . لقد كان التعليم العام ممّا ساعد العربيّة على أن تستردّ شيئاً من حيويتها .
6- لقد شرعت العربيّة منذ أواخر القرن التاسع عشر تستعيد قدرتها على ضبط الأفكار ، وإحكام البيان عنها . ولقد كان للشيخ محمّد عبده حميدُ الأثر في تكامل العربيّة الحديثة ؛ إذ وجّه الأنظار نحو كتابي عبد القاهر الجرجاني ؛ " دلائل الإعجاز " و " أسرار البلاغة " وجعلهما مدار الدرس البلاغي في الأزهر الشريف . وإذ أخذ يكتب مبيناً عن فكره بعربيّة فصيحة سمحة لا ثقل فيها ؛ فكان بذلك ، وهو ذو المنزلة الرفيعة ، قدوة يقتدي به ناشئة الكتّاب .
ويتّصل بذلك ، ويكاد يكون منه ، اتّساع العربيّة للدرس الفلسفي ؛ فقد شرع أحمد لطفي السيّد ، وهو ممّن سرت فيهم روح الشيخ الإمام محمّد عبده وأفادوا من نهجه ، بترجمة جملة من آثار أرسطو الفلسفيّة ؛ فقد ترجم " الأخلاق " وترجم " الطبيعة " وترجم " السياسة " . ولمّا كان بيان أرسطو عن مقاصده موسوماً بالوضوح والدقّة والوجازة ؛ فقد جاءت عربيّة أحمد لطفي السيّد واضحة دقيقة مقتصدة .
وقد شهد القرن العشرون حين أطلّ عربيّة قد نفضت عنها غبار الحقب المظلمة ؛ تستطيع أن تُبين عن شؤون الفكر مثلما تستطيع أن تعرب عن خلجات النفس . وكان للصحافة ، وقد كثرت الصحف وتنوّعت ، أثر في أن تتخفّف العربيّة من زخرف كان يثقلها ؛ ذلك أنّ اللغة المقيّدة بالسجع والجناس وغيرهما من ضروب البديع ؛ لا تقوى على مجاراة ما تقتضيه الصحافة من معالجة قضايا المجتمع ، وشؤون السياسة يوماً بيوم .
ثمّ صار جمهور القرّاء الناشئ يريد أدباً قريباً منه ؛ يفهمه ، ويتذوّقه مع تحقّق الفصاحة والبلاغة ؛ من حيث إنّ البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، لا من حيث هي زخرف وصناعة لفظيّة مستثقلة . وقد وجد طلبته في أدب مصطفى لطفي المنفلوطيّ ؛ في قصصه وفي مقالاته ؛ إذ ألفى لغة عربيّة رائقة لا ينبو بها عصرها ، ولا تنكرها أصولها . ومثل ذلك ما وجدوه في أدب عبد العزيز البشري .
وقد تهيّأ للعربيّة شكل جديد من أشكال الأدب يلائم الذائقة الناشئة الجديدة ، ويواكب الصحافة ؛ ذلك هو المقالة التي تقوم على فكرة يتمّ بسطها وتفريعها ، وتؤدّى بلغة فصيحة مبينة متماسكة النسج واضحة المقاصد .وكان لصحيفة ( الجريدة ) ولصاحبها أحمد لطفي السيّد مكان الصدارة في توطيد هيكل المقالة من حيث هي شكل جديد من أشكال التعبير تطلّبه العصر . ثمّ كُتب لطه حسين أن يسمو بالمقالة فكراً وفناً ، وأن يمزج الخيال المتوثّب بالعاطفة السخيّة على مهاد من الفكر الحر ، وأن يجعل ذلك كلّ في نسيج عربيّ مبين لا تنكره أصول اللغة ، ولا ينبو عن العصر . وقد شاع فن المقالة في تلك الحقبة من مطالع القرن العشرين ؛ فكتبها أحمد حسن الزيّات ، وكتبها إبراهيم عبد القادر المازنيّ ، وكتبها أحمد أمين ، وعباس محمود العقّاد ، ومصطفى صادق الرافعيّ ، وغيرهم ؛ وكلّهم كان يحرص على خصائص العربيّة ، وسمو بيانها ، وعلى أن يتمثّل العصر القائم بأفكاره ، وأشيائه ، وبما يستثير من مشاعر وعواطف .
ولا شكّ في أنّه قد أُتيح للعربيّة على أقلام هؤلاء الكتّاب الأعلام مزيد من المرونة والحيوية ، ولا شكّ في أنّهم وصلوها بأسباب العصر ، وجعلوها قادرة على التعبير عن فكره وعلمه ، ثمّ أنّهم لم يُخلّوا بأصولها التي قامت عليها .
7 – وكان للعربيّة أن تصوّر حياة الناس ، وترسم أفعالهم وهم يزاولون حياتهم ، وأن تدخل ميدان القصص الحديث ؛ فكان أن كتب محمّد حسين هيكل أوّل رواية على نمط القصص الحديث يصوّر فيها الحياة في الريف المصري ، ويجعل من اللغة الفصيحة قادرة على رسم معالم تلك الحياة . كان ذلك في روايته ( زينب ) !
لقد أدخلت هذه الرواية الفن القصصي إلى الأدب العربيّ الحديث ، وجعلت من العربيّة موصولة بحياة الناس من دون أن تضطرب أصولها ، ويختلّ نسيجها !
ثمّ انفتح باب الرواية ، والقصّة ، وصارت العربيّة تحكي شؤون الناس وشجونهم على نحو من السلاسة واليسر مع حفظ فصاحتها وحسن بيانها . وكان أن ظهر نجيب محفوظ ، ومحمّد عبد الحليم عبد الله ، وعبد الحميد جودة السحّار ، وإحسان عبد القدوس ؛ وكلّهم قد استطاع أن يوائم بين العربيّة وبين الرواية ؛ هذا الفن الأدبيّ المستحدث . وقد كان ممّا مكّن لهم حسن المواءمة ؛ تضلّعهم من الأدب العربيّ القديم ، ووقوفهم على أصول العربيّة .
8- وقُدّر للعربيّة أن تعرف ضرباً آخر من ضروب الأدب ليس لها عهد به ؛ إذ عرفت المسرحيّة على يد توفيق الحكيم ؛ فلم يضطرب لها بناء ، ولم تختل منها أصول .فقد تمّت المواءمة بينها وبين القالب المسرحيّ القائم على الحوار الواضح المقتصد . ولا ريب في أنّ وراء هذه المواءمة مقدرة كاتب ضليع من لغته وأدبها ، عارف بالفن المسرحيّ في نشأته وعند أهله . وكلّ ذلك بيّنٌ في " أهل الكهف " و" شهرزاد " وفي غيرهما من آثار توفيق الحكيم .
9- لقد بدا واضحاً أنّ العربيّة انتفضت من عقالها ، وأزاحت عنها غبار السنين ، وها هي ذي في مطالع القرن العشرين تخوض في شتّى الميادين ، وتعبّر عن قضايا الفكر مثلما تعبّر عن شؤون الوجدان من دون ضعف أو اضطراب ؛ حتّى العلم الصرف هيّأت له مصطلحاته ، وجعلت له لغة واضحة مقتصدة رأينا ملامحها ، من قبل ، عند يعقوب صرّوف ، وفؤاد صرّوف ، ونراها في مطالع القرن العشرين وقد تكاملت على قلم أحمد زكي العالم الأديب .
واطّردت الترجمة ، وشرع نقلة الفكر والأدب والعلم الصرف ينقلون ثمرات ذلك من اللغات الأجنبيّة إلى العربيّة ، ويوائمون بين جديد هذه الأفكار ، وبين نسيج العربيّة .
10- ثمّ كان ، وقد اتّسع مدى العربيّة ، أن تنشأ مؤسسة تضبط حركتها ، وتصل بين الفروع والأصول ، وتحكم نمط استجابتها للعصر وما فيه . فكان أن نشأ المجمع العلميّ العربيّ بدمشق في سنة 1919 ، وتولّى رئاسته محمّد كرد علي . ثمّ نشأ مجمع اللغة العربيّة في القاهرة في سنة 1932 ، وقد تولّى رئاسته أوّل مرّة محمّد توفيق رفعت ، ثمّ تولّاها من بعده أحمد لطفي السيّد .

11- وصفوة الأمر ؛ أنّ العربيّة لغة قديرة ذات تاريخ وعمق ، وقد ثبتت ، بمقدرتها ، على الزمن ؛ وإنّما الضعف يأتي من أهلها ؛ فإذا قووا قويت ، وإذا ضعفوا ضعفت ! فقد استوعبت العلم والفلسفة ، فضلاً عن علوم الدين ؛ يوم كان أهلها مقبلين على المعرفة بشتّى ضروبها ، متشرّبين حبّها .
وسبيلها مع العصر موصولة غير منقطعة ؛ شريطة أن تُحسن الناشئة تعلّمها ، ولا يتمّ تعلّمها إلّا بأن ينشأ الناشئ على حفظ الكريم من آثارها ؛ وأوّلها القرآن الكريم ، ثم عيون الشعر والنثر . فإذا أتمّ الناشئ ذلك استطاع أن يخوض في معارف العصر بلغة صحيحة سليمة لا خشية عليها . ولا ريب في أنّ استقامة اللغة تفضي إلى استقامة الفكر ...
12 – لقد واجهت العربيّةُ العصرَ ، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، فأحسنت المواجهة ، واستطاعت أن توائم بين العصر وبين ما هي عليه ؛ فاستقام لها الفكر، واستقام لها العلم ، وتهيّأ لها المصطلح الملائم ؛ كلّ ذلك بفضل رجال جمعوا بين قديم اللغة وجديد العصر ، وتضلّعوا منهما معاً . فإذا اضطرب أمر اللغة اليوم ، واختلّ بناؤها على الألسنة والأقلام ؛ فإنّ الدواء لا يكون إلّا بمزيد من العلم بأصولها والوقوف على عيون آثارها ، مع حسن استيعاب ثقافة العصر ؛ على نحو ما صنع الروّاد في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفنانة يسرا: -الله بيحبنا وبيحب مصر- |#مع_جيزال


.. صباح العربية | أربيل توثق مئة عام من الموسيقى


.. الإخواني الذى غدر به زملائه.. الفنان يوركا نجم مسلسل الاختيا




.. كيف كانت تجربة مهرجان -مالمو- للسينما العربية بنسخته الحادية


.. رمضان 2021 - الف ويلة بليلة - الفنانة ناانسي عجرم في ضيافة