الحوار المتمدن - موبايل


رموز الاحتجاج العالمية الملونة

ساطع هاشم

2019 / 3 / 12
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية



تشهد الحركات السياسية والاحتجاجية حول العالم ومنذ اكثر من ربع قرن ظاهرة جديدة في التعبير الرمزي عن قيمها وأهدافها المطلبية السياسية او الاجتماعية تتمثل في استعمال رمزي جديد للألوان بعيدا عن استعمالها الديني او السياسي الآيديولوجي القديم، وإنما برمزية وآيديولوجية جديدة تستمد افكارها من رموز وعلامات المجتمع الصناعي الاستهلاكي الحديث وقيمه سريعة الزوال، وأشكالها من رموز وإشارات المرور والسلامة العامة او العلامات الصناعية والتجارية او تقاليد الرياضة او ألوان الزهور، وتحويلها الى رموز ذات قيم سياسية بصرية مؤقتة ملائمة للفكرة التي تدعو اليها هذه الجماعة المنتفضة او تلك.

وهذا ما يفرض على الحركات السياسية التقدمية الساعية الى التغيير التفكير الجدي بالاستفادة من هذه اللغة البصرية الحديثة والعمل على جذب الفنانين والمبدعين واستمالتهم للعمل مع هذه الحركات وخاصة الشبيبة منها ذات الطموحات المستنيرة، لتعزيز مواقعها بين الجمهور ولإيصال صوتها بلغة متحضرة معاصرة ومقبولة من قبل الاجيال الحديثة.

فمثلا يتم استعمال ما نطلق عليه في عالم الفنون الجميلة بالألوان الحارة والباردة، كوسائل اتصال بين الاتباع في المنشورات والصور والبوسترات والطباعة ولافتات الاحتجاج ووسائل التواصل الاجتماعي اوالتعبير السياسي البصري وإشاراته، وهي نفسها التي تستخدم في الصناعة والزراعة والتجارة.

وهذه الالوان بهذه المعاني أصبحت أمراً شائعا في السياسة والاحتجاج النقابي او المهني وغير ذلك، وهذا التحول من الرموز الدينية والعقائد الأيدلوجية القديمة الى الرموز المحايدة ذات القيم الاستعمالية في الحياة اليومية، يعد حقا ظاهرة جديدة تعكس ايضا حيادية الكثير من هذه الحركات ومحدودية مطالبهم وطموحاتهم السياسية ايضا.

وقد جربت بشكل فعال قبل ثلاثين سنة في الفلبين وبضع أماكن في جنوب شرق اسيا، ثم أعيد استعمالها في عدة مناطق بالعالم منها الدول الاشتراكية السابقة بعد انهيار السلطة السوفياتية وتونس والعراق، اما الان فقد أصبحت ظاهرة عالمية تتبناها الأمم المتحدة نفسها، بعد ان ثبت فعاليتها المؤقتة والآنية وحياديتها ظاهريا، وصارت لها دلالات ترتبط بعدد كبير من الأفكار والمطالب والعقائد المؤقتة سريعة الاستعمال والزوال، تتلائم بشكل كامل مع ثقافة الاستهلاك واستبدال الأشياء بشكل دوري وسريع بوسائل مؤقتة لخدمة احتياجات مؤقتة، وباختصار فان كل هذه التطورات إنما تعكس الحياة في عالم ومجتمعات تنقرض وتتبدل وتتجدد بسرعة وتسلخ جلودها باستمرار كما الحية عندما تخرج بجلد جديد.

وهذا التصنيف للألوان ليس جديدا، فقد ابتكره الفنانين الغربيين منذ منتصف القرن الثامن عشر وقاموا بتسميتها وتصنيفها الى حارة وباردة لأسباب عملية وظيفية وجمالية تخص طبيعة ووسائل العمل الفني وطرق وأساليب تنفيذه.

والألوان الحارة هي الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر الاصفر والأسود، وسميت هكذا لانها تظهر نتيجة لاحتراق الخشب، اما الالوان الباردة فهي الاخضر والأزرق والبنفسجي وقد سميت هكذا لانها ألوان الأشجار والمياه والسماء والليل والطبيعة عموما.

هذا هو التقسيم المدرسي الأساسي العام ابتكره الغربيون لتسهيل حفظها ودراستها بين الفنانين وهي ليست مبادئ وقيم فنية ثابتة لا تتغير لان جميع هذه الالوان يمكن ان تكون باردة او حارة في نفس الوقت بل ان اللون البنفسجي واشعته هو أحد الالوان القاتلة ومن أسخن الالوان بالغاز المشتعل وبالضوء، لكنه بالأصباغ التي نستعملها بالرسم فهو أبرد الالوان.

غير ان استعمالها كرموز وإشارات في الصناعة والاتصالات على أساس هذا التقسيم الثنائي يساعد المؤسسات والشركات ومهندسي الطرق والمطارات والموانئ وغيرها الكثير من إيصال أوامرهم ورسائلهم البصرية للجمهور بشكل واضح حفاظا على السلامة العامة وتسهيل الخدمات.

فتستعمل الالوان الحارة عموما كرموز للتحذير او المنع او الإيقاف، لانها جميعا ألوان صارخة واضحة يمكن رؤيتها وتميزها عن غيرها بوضوح وسهولة سواءاً بالليل او بالنهار، لانها ذات موجات طويلة يمكن رؤيتها من بعيد، كما في اللون الأحمر مثلا الذي غالبا مايوضع على سطوح البنايات العالية لتحذير الطيارين، فهو في جميع الإشارات تقريبا وفي مختلف الصناعات ووسائل النقل والاتصال بالعالم يعني خطر او ممنوع الاقتراب او العبور كما في إشارات المرور وهكذا، ومثله الاصفر فهو علامة تحذير قوية من خطر قد يقع عند الاقتراب من حدوده، وايضا علامة للحجر الصحي، وغالبا مانشاهده كثنائي مع الأسود او مع البرتقالي او مع الأحمر كعلامة خطر على الشاحنات الضخمة او سيارات الإسعاف والشرطة وغيرها بالعشرات.

وكقاعدة عامة فان الالوان الحارة تستعمل في اغلب الحالات وفي جميع دول العالم حاليا للتحذير من خطر قادم او وشيك او أكيد للحفاظ على السلامة العامة وتوجيه الجمهور للابتعاد واليقظة والحذر.

اما الالوان الباردة الاخضر والأزرق والبنفسجي فتستعمل بالعكس، غالبا ماتكون للدلالة على الأمان او السماح بالقيام بشئ مثل إشارة المرور الخضراء التي تعني الحركة والمسير في وسائط النقل، ومنه جاء القول إعطاء الضوء الاخضر بمعنى السماح بالقيام بفعل ما.


ولإيضاح ما نريد قوله بشكل اوسع نعيد الى الذاكرة بضع احداث من هذا النوع السياسي الملون بإشارات المرور او ألوان الزهور كما جرت العادة على وصفه والدعاية له، والذي استعمل مرة واحدة وانتهى كما نستعمل موس الحلاقة ونرميه:
هل سمعتم بالثورة الصفراء في الفلبين؟ إذا كان الجواب نعم، أين هي الان؟
الثورة البنفسجية التافهة بالعراق؟ أين هي الان؟
ثورة الياسمين البيضاء، الثورة البرتقالية، الانتفاضة الوردية؟
اصحاب الستر الصفراء؟
بنفسجي الرجعي البريطاني نايجل فراج وبنفسجي الحقير توني بلير؟

كل ذلك يقودنا الى التفكير بأهداف وأساليب الحركات السياسية الجديدة التي نشأت وتربت في امريكا واوربا تحديدا, ثم تم ارسالها وتصديرها الى مناطق النزاع الهشة بالعالم ومنها دولنا في الشرق الاوسط, وبطبيعة الديمقراطية التي تسعى اليها لنشرها كقيم عالمية في جميع أنحاء العالم، والجهات المحركة لها والمستفيدة منها، والظاهر منها الينا لحد الان هو القوى الاقتصادية وقوى العمل التي تنظر الى المستقبل لا على كونه خط مستقيم يفضي بالنهاية الى شيئ محددا سلفا قبل اكثر من مئة سنة، بل كونه دائرة مستمرة من العمل والكفاح والارتقاء، فغالبا ما نسمع التحذيرات من داخل النشاطات المطالبة والساعية الى التغيير والتظاهرات الصاخبة حول العالم وهي ترفع الصيحات المدوية:
ارحل، نريد التجديد، ليس الماضي مكانا للعيش به........
إذاً فما هو؟
للإجابة على هذا الاستفهام نقول ان الانتقال السريع من الماضي الى أسلوب جديد بالحياة والتكيف مع الاختراعات والابتكارات الاقتصادية وانعاكاسها على الحياة الاجتماعية صفة مألوفة بالمجتمعات المتقدمة والمستقرة، فما يتعلمه المرء في هذه المجتمعات اليوم سيصبح قديما بعد اقل من أربعة سنوات، وهنا لابد من تحديث ليس المعارف والتكنولوجيا المرافقة له فقط ولكن أسلوب الحياة نفسه الذي أنتج هذه التحديثات.
ولهذا فهناك فرق كبير سيكولوجي واجتماعي بين الإنسان في المجتمعات المستقرة او السلمية التي تأتي منها هذه الافكار والإيديولوجيات والمجتمعات الشرقية المحاربة او الحربية، والتي تقودها العقلية الدينية المؤدلجة بالفاشية والروح العنصرية، وليس عندي كلمة محددة أستطيع ان أصف بها هذا الفارق، لكنه فارق نوعي على أية حال، ويكاد ان يكون من المستحيل ان نطبق عليه مبادئ الايدلوجيات التقدمية القديمة لاستشفاف حالة المستقبل من خلالها.

ولهذا السبب فلا بد من التفكير بابتكار مبادئ وافكار جديدة تساعدنا بالاستمرارية في العمل لدفن الماضي باعتباره وسيلة هؤلاء الطغاة المتدينين الجدد الاساسية لنحر شعوبنا وايقاف مسيرة التاريخ، ورفع شعار:
ليس الماضي مكاناً للعيش
ولنختار اي لون من الالوان الحارة التي تعجبنا نرفعه كعلامة تحذير وثورة








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المطابخ الرمضانية .. ملاذ الفقراء


.. راؤول كاسترو يتخلى عن قيادة الحزب الشيوعي في كوبا


.. فيديو اليوم | المطابخ الرمضانية .. ملاذ الفقراء




.. شعائر صلاة الجمعة من مسجد الشيخ الغنيمي - محافظة الشرقية


.. شاهد: تجدد المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين في ولاية مينيسوت