الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


نبيل تومي ، عائمُّ في الأقبية(1) ...

هاتف بشبوش

2019 / 4 / 29
الادب والفن


نبيل تومي ، عائمُّ في الأقبية(1) ...

في آلقوش الآشورية حطت دمى الألعاب بأزيائها للطفولة الزكية للروائي نبيل تومي ثم شربت صباها النزق من مياه الحبانية العذبة ، حتى إكتست جلدا وصبراً في بغداد حيث هناك آلام السياسة وحب الوطن ، فحكم عليه بالإعدام مرتين لإنتمائه السياسي ، تشرد في المنافي حتى أصبح سندياناً عراقيا في السويد ، شارك في أربعين معرضا عالمياً ونال الجائزة الأولى في معرض الدول الإسكندنافية لعام 1991 ، ومن ثم العوم في بحر الكتابة والسرد مثلما نقرؤه في روايته ( العائم) مدار قرائتنا هذه . الرواية إكتملت مسودتها في العام 1989 حتى بزغ نورها في هذا العصر الذي لايزال دامياً في شفقه .
نبيل تومي يمتلك علاقة الكاتب الأصيل والحقيقي بشخصياته الملتبسة والمعقدة ومن الصعب أن تجد في هذا الإرتباط اسقاطات شخصية ذاتية ، بل يتحاور مع النفس ليجد الحلول النهائية لمستوى الإدراك لدى شخصياته حتى نهاية مشاويرها في الحياة النضالية والعامة رغم مانعرفه انّ أي عمل إبداعي هو ذاتي ونتاج الروح المبدعة بالضرورة. كما أنه إستطاع أن يبرز بشكل جلي نسبة الوطنية واليسارية في دمائهم عند التحليل وكأنه يشتغل على الجين والكروموسوم لدى كل منهم إعتمادا على حب التضحية التي ساقتهم الى قبورهم والى هناك في أعالي السماء أو عند النجوم ، لكي نراهم ونحس بهم بشكلٍ سرمدي فيكونوا دليلنا الى جنات فردوسهم العادل وهم يبصقوا من الأعالي على جلاديهم وقاتليهم .
في رواية (العائم) نجد نبيل تومي إتسم بالتوهج والإيجاز والمجانية وكان بعيدا لحد ما عن (الغراموفاميا) فيما يعرف بهوس الكتابة السطحي ، وبهذه المسميات إستطاع أن يزرع في نفوسنا ذلك الشعور حين يتغلغل في الصدور فيمطر مرجانا وزبرجداَ كلماتياً منفرداً . انه الروائي الذي يكتب عن الإنسان هذه الكلمة التي ترن بكبرياء ، عن الهوية الوطنية العالمية على غرار هوية (نيلسن مانديلا) التي لم يكتسبها هذا الثائر لكونه مسيحي ، بل لكونه السجين والموثوق الكوني الذي حمل هموم المنكسرين . الهوية الوطنية هي أنني أستطيع ان اتماهى مع الحب الحقيقي لإمرأة مهما كان عرقها ، الهوية هي أنني أؤمن من أنّ التقبيل له أداء واحد في كل العالم ، أدافع عن انسانيتي أكثر من طائفتي ، أؤمن من أنني سيد نفسي ولا سيد فوقي ، أصرخ بوجه الطغاة الذين لايتورعون في زج الطفولة في السجون كما صرخة الشاعر الفرنسي ( لويس أراغون) حين قال (إني لأعجب من القتلة كيف لا يلقون أسلحتهم أمام الطفولة) .
. الرواية تتحدث عن بلدٍ أصبح فيه الطغيان يخلقُ طغيان ، سجان يسجنُ سجان ، أما المثقف فهو دائما يحلمُ في قانون إخدم نفسك بنفسك ، مثقفُّ يقول الى ربه بعد الجزع واليأس ، ربي أنا لاأريد ملائكة في جنتك تحرسني أو تقدم لي ما لذ وطاب ، أنا أريد تناولَ كأسي بنفسي على طاولة البار دون خدمٍ يدورون حولي .
نبيل تومي يكتب عن تلك الأيام التي إحتوت كل عصارة أخلاق العراقيين في ذلك الزمن والتأريخ المخمليين والعلاقات المنسجمة بين المرأة والرجل بشكلها الحميمي الصادح رغم قساوة الجلواز التي ساقت الشرفاء والأبرياء الى منحرهم الظالم لا لشيء الاّ لكونهم عشقوا أوطانهم حد الفداء والتضحية مثلما فعلتها أم المناضل الشهيد (محمد الخضري) وهي تدافع عن إبنها أمام القاضي بعد الحكم عليه فتقول له( على الله ومايخالف ... تنكضي وتصبح سوالف) فسجنها سنتين بعد إن اعتبر هذا الكلام تهديداً للنظام الحاكم .
موسومية الرواية (العائم) وكإنها توحي لذلك السجين الذي عام ونجا من بحر الدم النازف والعبيط بفعل أداة التعذيب وبعثرة الجسد . ولذلك تجعلنا أن نكون في كامل تعضيدنا مع كل الشخصيات التي طعنت من وراء الظهر ، المغدورة في أوان الفعل وهي دائما على حق مهما كانت الأسباب حتى لو جردناها من النوايا التي أدت الى غدرها ، ولذلك تجتمع الكثير من العناصر الحيوية وغير الحيوية في نصرتها . ينصرها ويبكيها ذويها أو حبيبها أولاً وقبل كل شئ ثم تأتي المتعلقات الأخرى، الرصيف يشتاق لغيابها لكونها واحدة من السابلة الذين مروا فوقه وتركوا آثار أقدامهم وذكراهم وأحزانهم وهي لاتعرف الى أين المسير في حلكة الدروب العسيرة ، علما أن الحياة مهما طالت أو قصرت فهي نسبية دائما لأنّ جميع بني البشر هم لاحقون ببعضهم البعض إعتمادا على ماقاله عمر الخيام ( وكم تساوى راحلُ في الثرى غدا / وراحلُ منذ آلاف السنين ) وهكذا هو مسرح الحياة ، الذي لانعرف من خلاله بشكل أكيد السؤال الذي يقول : لماذا جئنا اليك أيتها ألأرض وماهو هدفنا إذا كنا راحلين حتما ؟.
العالم يحكمه العنف والقوة ورأس المال ، ولتذهب القيم التي مات من أجلها الكثيرون ممن أرادوا بناء الإنسان على أحسن وجه فمادام صاحب رأس المال هو الذي يسن القانون لصالحه فلسوف تبقى الطبقات المعدمة هي الخاسرة على الدوام في ظل عالم دنيء صرخ بوجهه ذات يوم الروائي الشهير (ليون تولستوي) الذي وزع ثروته على المسحوقين مما أدى الى نشوب صراع دائم بينه وبين زوجته حتى مماته .
رواية (العائم) رغم مألوفية احداثها الاّ أننا نستطيع العودة اليها أكثر من مرة وبنفس البهجة والاستمتاع .انها نقطة الإرتكاز لاصلاح الاحوال المجرمة لدى حكامنا . أراها جذلى لما فيها من الأمكنة والزمان والناستالوجيا والحديث عن الطبيعة البسيطة وانزياحات تنقلنا الى عوالم الأمس الساحر ومامدى تأثير تلك الشخصيات العالقة في الأفق لكنّ الموت المارد نتيجة التعذيب الماحق جعلها تتغيب عنا وتتوارى في التراب والى الأبد . بل وكأنهم أرادوا إيصال لغة الموت وحب الفداء كما الهنود حين يعتبرون الموتى فقط هم الشجعان لأنهم يذهبون الى السماء .
الصرح الروائي للعائم يذكرني بما كتبه الفرنسي (فولتير) في روايته الشهيرة ( كانديد) عن الثمن الذي يدفعه العامل في معامل السكر في أوربا ، وكيف يعاقب قانونياً بقطع ساقه إذا مادعست قطعة سكر ، أما نحن وفي سجوننا فيمزق المرء الى اِشلاء إذا دعسَ دون قصدٍ شعارا من شعارات البعث في لافتةٍ بائسة . ومهما يكن من أمر فأوربا مضت قدما في تخطي الظلم وأصبحت في مدارات الحرية بعد إن زبِلت كل حقير على هامش الذاكرة ، أما نحن فلا زلنا على نفس المسرح وكواليسه وما يُخطط به من الخافيات لدمارنا .
تناول الفيض الروائي قضية الدفاع عن الشغيلة بإطارها العام لكن الروائي نبيل تماهى بشكل كبير مع ماحصل من قهر على الأنتلجنسيا ( Intellegentia )هم الطبقة الإجتماعية التي تساهم في عمل فكري معقد يهدف الى تشكيل المجتمع باقتصاده وسياسته ، وهذه تشمل معلمي المدارس والأكاديميين والأطباء والفنانين وغيرهم ممن يطلق عليهم بالنخبة المثقفة الذين لهم دورا مهما في تعزيز حركات المجتمع المتخلفة وهذه ظهرت في باديء الأمر في بولندا وقد استعير المصطلح من الفيلسوف الشهير (هيغل ) في القرن التاسع عشر . ولذلك نرى السبك الروائي عبارة عن تجميع ماكتبه السجناء المثقفون عن حياتهم فيما يسمى أدب السجون وصاحب فكرة تاليف الكتاب هو كل من بطل الرواية (أبرم) مدرس الفيزياء الذي قطعت أصابع يديه وقدميه ويساعده في ذلك صديقه( محسن) و(الهام) خطيبة المهندس (المهزوز) والرفيقة (مريم) زوجة الشهيد صديق ( أبرم) .
في مكنونات الروي السينمائي نجد هناك رسالة بسيطة في علم النفس وبواطنه ومايتلقاه المسجون السياسي من تفتيت لرأسه ومايحمله من حب للوطن والحبيب ، يُحطم وهو أمام سجان أخطبوط مارد يمتلك الأذرع العديدة في الضرب واللكم حتى يغدو السجين منشلاً مصابا بالرهاب وأحيانا يمر وقت موتهِ عليه مراراً ومراراً دون أنْ ينتبه .
يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــع في الجــــــــــــــــزء الثانــــــــــــــــــــــــــــي
هاتف بشبوش/شاعر وناقدعراقي/دنمارك








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فيديو يوثق اعتداء مغني الراب الأميركي ديدي على صديقته في فند


.. فيديو يُظهر اعتداء مغني الراب شون كومز جسديًا على صديقته في




.. حفيد طه حسين في حوار خاص يكشف أسرار جديدة في حياة عميد الأد


.. فنان إيطالي يقف دقيقة صمت خلال حفله دعما لفلسطين




.. فيديو يُظهر اعتداء مغني الراب شون كومز -ديدي- جسدياً على صدي