الحوار المتمدن - موبايل


-وزنة حامد- سردٌ متعثّر ولغة محكية

صبري رسول
(Sabri Rasoul)

2019 / 5 / 8
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات



كراصدٍ قلقٍ أتابعُ الإصدارات القصصية قدر الإمكان في الجزيرة، كون ذلك يدخلُ نطاق اهتماماتي، وبما أنّ ثمّة أسماء جديدة دخلت الساحة الأدبية عامة والقصصية خاصة بعد الألفية الثانية، فقد يحتاج الأمر إلى المتابعة الحثيثة والقراءة الموضوعية لها ولِما تنتجه، إغناء للقصة القصيرة في الجزيرة. ومن تلك الأسماء برزت أساليب مغايرة لغةً وسرداً، ومنها ما لم يخرج عمّا سبقه من تجارب سردية( في القصة و الرواية).
وكنتُ بصدد إكمال دراستي المتواضعة عن التجارب القصصية في الجزيرة، لولا ظروف السّفر وغيرها التي أوقفَتْها، رغم إنجاز فصلين منها، ربما إلى حين.
وهنا لا بدّ من القيام بقراءة سريعة لمجموعة (صفير القطار) للكاتبة وزنة حامد، الصادرة عن دار حوران – دمشق. وقد تكون المقدمة من حوافز هذه القراءة، حيث قدّمها الأستاذ إدريس الهلالي الم من خلال مقدّمةٍ تتزّيَنُ بأخطاء كتابية وأسلوبية كثيرة، إضافة إلى الرّكاكة والضعف التي تسيطر عليها. رغم عدم قناعتي الشخصية بوجود مقدّماتٍ كتابية للنّصوص الأدبية، إلا أنّ ذلك قد يكون مفيداً إذا تجنَّبَ كاتب المقدمة اعتقال رأي القارئ، واكتفى بطرحه، بشكّلٍ محايد، وكثيراً ما يقع كتَّابُ المقدّمات في مطباتٍ تحليلية، يحوِّلون المقدّمة إلى وثيقة سفرٍ للكاتب المقدَّم إلى عالم الكتابة، وهذا ما وقع فيه الأستاذ إدريس الهلالي، حيث يقول:( هكذا عرفنا وزنة حامد في سبقها الأنثوي الأدبي حين كتبت للعامل.. للموظف.. للفلاح.. للإنسان داخل الإنسان...) فالكاتب هنا يقدّم مدحاً مجانياً دون تدقيق، محاولاً استلاب رأي القارئ. وفي موضعٍ آخر يقول:( ولستُ مادحاً لأنثى عصرتْ ذهنا لرحيق إنسان ولكني أمدح جراءة ((ويقصد جرأة)) أسلوبها على قهر خوفنا...) لا يمدح كاتب المقدمة الأنثى الكاتبة لكنه يمدح جرأتها!!! أليس هذا تناقضاً ؟ ثمّ كيف لكاتبٍ أنْ يقدّم لمجموعة نصوصٍ إبداعية ويرتكب ما يزيد على سبعة أخطاءٍ كتابية وإملائية في ثلاث صفحات؟ ناهيك عن جهله لعلامات التّرقيم والتّصنيف الكلامي. سأذكر بعضاً من أخطائه(مادام حقولنا، مادامت. لتبرهن إنَّ، لتبرهن أنَّ، أيهما أصح؟ . في عطاءها، عطائها. لست مادحاً لأنثى، مادحاً أنثى. أمدح جراءة، جرأة.) وفي مجال الأسلوب كتب إدريس الهلالي( وهل الكاتبة وزنة حامد لإرواء صحرئنا...؟ أم أنّها...) أليست العبارة ركيكة بما فيه الكفاية؟ وهناك عبارات كثيرة مشابهة في المقدمة.
تتضمن المجموعة سبع عشرة قصة قصيرة، وثلاث عشرة ( ق، ق، ج)سأتناول في هذه القراءة القصص القصيرة فقط، والتي تحتل ثلاثاً وتسعين صفحة، من أصل مئة وسبع صفحات، وما يتعلق بتلك القصص، سأقفُ عند أربعة عناصر أساسية( الاستهلال القصصي، السرد، الخاتمة، اللغة الفنية) وأترك العناصر الأخرى( الشخصيات، الزمان والمكان، الحدث) لقراءاتٍ أو دراسات أخرى قد يقوم بها غيري، أو ستتناولها الدراسة القصصية لتجارب كتاب الجزيرة.
جاءت بعض الاستهلالات موفقة لدى وزنة حامد، كونها استخدمت أفعالاً حركية التي تشدُّ القارئ في متابعة القراءة، مثل قصة (في الساعة الثانية..!) حيث بدأت بـ(كانت تهرول.. تضحك، تشرع ذراعيها...ص71) وكذلك في قصة(ثعلب في ثوب زاهد) جاء الاستهلال :( أنفقت الأموال بعثرت الكثير، أهدرت تركتك كاملة...ص15) حيث الفعل (أنفقتَ الأموال )تجعل الحركية القصصية لذيذة. بينما نجدها أخفقت في استهلالات أخرى كقصة حمو:( يروي الراوي وعلى ذمته، أن حمو ...ص67) جعل القصة على لسان راوٍ آخر يُضعفُ من قوة البداية، أما في قصة (اللحظات الأخيرة) جاء الاستهلالُ ( لم يكن بالأمر السهل لعائشة عندما اتخذت قرارها الأخير....ص61) مرتبكاً في صيغته تلك، كون العبارة ركيكة في صياغته الأسلوبية، فلو جعلتْ الكاتبة الاستهلال هكذا مثلاً: ( اتَّخذت عائشة قرارها الأخير) لكانت البداية قويةً، بحيث تشدُّ القارئ إلى متابعة هذا القرار، ومن ثمّ متابعة القراءة لمعرفة القرار وسببه. وفي عنوان ( صفير القطار) جاءت البداية قلقة نتيجة الخطأ اللغوي فيها( لم يغمض لي عين في تلك الليلة المثقلة بالعناء...ص53) العين اسمٌ مؤنَّثٌ والأصح أن تكون العبارة( لم تغمض عينٌ لي) إضافة إلى ضعف التركيب الذي يعمّق الضّعف فيها، فلو صاغت العبارة بالشَّكل التالي: لم تغمض عيني في تلك الليلة) لكانت أقوى. أمّا قصة (حمد يا حمد) فجاءت عبارة الاستهلال جيدة في الجملة الأولى رغم استخدامها جملة اسمية، لكنّ التشبيه في الجملة الثانية جعلها غير موفقةً(القرية نامت يا حمد... كما تنام بقرتك المعلفة...ص21)
وفي قصة (همسة دافئة) جاء الاستهلال قريباً من الشكوى والنجوى(دمشق أرهقني عشقك، وأتعبني هواك) فهذه العبارة أقرب إلى بداية خاطرة أدبية منها إلى بداية قصة قصيرة، والقصّة ذاتها عبارة عن خاطرة وبوحٍ إيمانيٍّ لمدينة عزيزة، وتفتقد إلى روح القصة إن لم نقل إلى العناصر التقليدية المدرسية التي تعيق القصة الفنية الحديثة. وخاتمة هذا النَّص لا تمت إلى روح النّص القصصي( دمشق أنت كالخلافة حلو رضاعك مرّ فطامك.ص13).
وقصة(ثعلب في ثوب زاهد) جاءت عبارة الختام فيها مُقحَمَة في إنهاء القصة، وكان بإمكان الكاتبة تطويل القصة أو تقصيرها تبعاً لرؤيتها للحدث السّردي، وهنا غابَ العنصرُ الفنيُّ في إقناع القارئ بالنهاية. وهذا الأمر ينطبق أيضا – من حيث الفنيّة – على ختام قصة (اللّحظات الأخيرة) حيث انتهت القصة بـ(وما الحياة إلا شعلة ونسمة ولله في خلقه شؤون.ص65). محتوى هذه العبارة يمكن للقارئ أن يستنتجها من خلال القصة، فلا يحتاج المتلقي بوصفه مُنتِجاً وعنصراً ثالثاً في عملية القراءة إلى هذه الحكمة أو إلى هذه الفكرة.
وفي قصة حمد يا حمد، كانت النّهاية طويلة للغاية، وجاءت تقريرية ومباشرة، في حين كان يمكن تكثيفها في بضعة أسطر دون شرح الحالة، لتكون تلميحية تُشعِلُ أسئلة كثيرة لدى المتلقي، لا أن تضع النهاية الحكواتية بين يديه. فالقصة تنتهي حقيقة عند دخول حمد فناء الدار، فيمكن للقارئ أن يفهم الموضوع لو جاءت النهاية برؤية حمد خروج الرجل من الدار، وحالة الريبة غير الطبيعية لسمية، وللقارئ حقّ التَّخَيُّل فيمَ سيفعل حمد؟ فنهاية هذه القصَّة تحتاج إلى تكثيفٍ واختزالٍ كبيرين، فالتكثيف اللغوي والأسلوبي من علامات نجاح القصة عامة، ونجاح الخروج من القصة بطريقة فنية. في قصة (حمو) كانت النهاية موفقة فنيَّاً، حيث جاءت عبارة(ولم ينبس ببنت شفة.ص69) قويَّة لتقفل القصة بنجاح. وقاربت قصة( في الساعة الثانية) النَّجاح الفنّي في خاتمتها، حيث وفَّقت الكاتبة في اختيار العبارة المناسبة( تشابكت أيديهما وخرجا يجوبان الشوارع تحت زخات خفيفة من المطر بخطوات وئيدة وفرحتهما تغمر المكان كله. ص93).

في القصة القصيرة ينبغي أن تكون اللّغة لغة فنية مليئة بالحيوية والصور الفنية، وزاخرة بالمجازات والاستعارات، عكس اللغة المحكية العامة، وعكس اللّغة التقريرية المباشرة بوصفها لغة الصَّحافة الجافة.
يتوسط مصطلح (السرد) بين كونه خطاباً أدبياً (نصاً نثرياً) يؤديه (سارد ما) وقد لا يكون كاتبه بالضرورة، فهو الوسيط بين الحدث والمتلقي، وارتبط به المصطلح النَّقدي (السّردية) الذي يعنى به: الأسلوب الذي تُُروَى به القصة. وتكون إجابة السّؤال: (ما المقومات الفنية التي تجعل العمل الأدبي- النَّص- أدبياً) هي المعنى الدلالي لمصطلح (السردية). فالذي يجعل القصة أو الرواية، أدباً سردياً، هو طريقة السّرد لأحداثٍ معيّنة بلغة أقرب ما تكون إيحائية منها إلى المباشرة والوصفية الفجّة، مع الرَّبط بين شخصياتها في زمانٍ ومكانٍ معينين؛ والسّردُ ذاك يكون من خلال لغةٍ مميَّزة تعبّر عن الحدث، والوصف، وتؤدّي الغرض الفني.
كانت الكاتبة موفَّقة في اختيار استخدام الضمير المناسب في سرد الحكاية، كما في قصة ( ثعلب في ثوب زاهد) حيث استخدمت الضَّمير الثاني(أنتَ) في بداية القصة(أنفقتَ الأموال، بعثرتَ الكثير، أهدرتَ تركتك كاملة...ص15). لكنها أخفقت في التنقّل بين ضمير وآخر، في مواضع قد لا يدعو الأمر إلى ذلك الانتقال كما في الفقرة التالية( حتى الصّورة المعلقة فوق رأسه أبى أن يودعها أو يشكرها، والآن إلى أينَ أنتَ ذاهبٌ أيها الضّائع...ص17) فالانتقال غير الموضوعي من الضمير الثالث( هو) إلى الضَّمير الثاني(أنتَ) يجعل السّرد متعثراً، فالرّاوي(قد يكون الكاتبة طبعاً أو بلسان راوٍ مفترض متخفٍ) يتحدّث عن الشخصية، وثمّ يخاطبها، وهذا إرباكٌ للسّرد الفنّي. وثمّة تنقُّلاتٌ مشابهة في قصّة(حمد يا حمد) حيث تبدأ القصة باستخدام الضمير المخاطب(القرية نامت يا حمد...وتكمل سرد الحدث إلى: وهل تلد البقرة قرداً يا حمد؟ ) وينتقل السرد إلى استخدام الضمير الغائب مباشرة بدون التّنقّل إلى فقرة جديدة( هفّ لسمعه نقراتٌ على الباب.. فتحَ عيناً واحداة.. تثاءب بكسل تماطى.. اتجه صوب الباب...ص26). وتكثر هذه العثرات السّردية في ثنايا كثيرة من قصص المجموعة. ومعرفة السّارد( الكاتبة) لتسلسل الأحداث عنصرٌ فنّيٌّ هام ونافذة يطلُّ منها السّارد – الكاتب- لسرد الحدث كي يُحْدِثَ استجابةً لدى المتلقي، ولا يكون الأمر كذلك دون نسقٍ فنيٍّ متكامل للنّص.
أمّا من حيث اللَّغة القصصية بوصفها نظاماً لصوتيات( فونيمات) تحمل المعاني والدلالات، فأنّها في القصة القصيرة تحاكي مقاربات شعرية، لتختلف عن اللغة الحكائية. وفي مجموعة(صفير القطار) توقّعتُ أن ترتقي اللغة إلى مستوياتٍ فنية أعلى كون هذه المجموعة هي الثّانية للكاتبة، لكنّها لم تأتِ كذلك، وإنْ جاءت في عبارات كثيرة جميلة وسلسة. كما أنّ الأخطاء الكتابية والإملائية والطباعية ربما، أساءت إلى فنية نصوصها، وكان بإمكان الكاتبة تفادي هذا الأمر بمراجعة دقيقة قبل الطّباعة، إضافة إلى إهمال استخدام علامات التّرقيم التي تنظّم الجملة في اللغة العربية، وتنسّقها وفق الجمل والمعاني والأفكار والمقاطع التي تُظهِرُ فنيةَ عرضِ وسردِ الأحداث وتسلسلها. وهنا سأشير إلى عينة من الأخطاء الواردة في النّصوص.(كلّما اقرأه، أقرَؤُهُ ص13. الذي يقرف منه العين، تقرف ص15. أتدري لما..؟، لِمَ؟ص19. أضوائها ضوت، أضواؤها ص21. أينَ أخاك ، أين أخوك؟ص30. سقطت نظره، سقطَ ص32.صوت أمها أيقظتها من نومها، أيقظها. ص83 ) كذلك هناك أخطاء كثيرة في همزات الوصل والقطع.
وفي النّهاية هذا مجرد قراءة متواضعة للمجموعة، قد تكونُ موضوعيةً في أمور ما، وقد تكون خاطئة في أمورٍ أخرى لكنّها بغير قصد، لأنّها وجهة نظرٍ شخصية. وتبقى المجموعة جديرة بالقراءة، وتجربة مفيدة للكاتبة.
-------------------------------------
صيف 2009








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بوادر لكسر الجمود بين موسكو وواشنطن بعد اتصال هاتفي


.. الشباب يمثلون الكتلة الأكبر في تصويت الانتخابات المقبلة


.. ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية مع حلول رمضان




.. رمضان في القدس.. أجواء رمضانية مميزة داخل البلدة القديمة


.. محتجون على مشروع كهربائي يقطعون طريقا رئيسيا في جورجيا