الحوار المتمدن - موبايل


إنتخابات الرئاسة الإندونيسية ومعركة الديموقراطية

عبدالجواد سيد
كاتب ومترجم مصرى

(Abdelgawad Sayed)

2019 / 5 / 25
مواضيع وابحاث سياسية



وضعت الإنتخابات الرئاسية الأخيرة ، التجربة الديموقراطية الإندونيسية تحت المجهر مرة أخرى، إن التسليم الكامل بنجاحها، والذى تحدثنا عنه فى مقالات سابقة ، يبدو اليوم ليس صحيحاً، كما أثبت الأحداث الدامية التى أعقبت الإنتخابات الرئاسية الأخيرة.
حصلت إندونيسيا على الإستقلال من هولندا سنة 1945م ، ووضع لها زعيم إستقلالها أحمد سوكارنو، الذى أسس حركة عدم الإنحياز مع تيتو وناصر ونهرو ونكروما وبن بلا ، خمس مبادئ دستورية على النمط الأوربى ، تضمن الحريات الأساسية للإنسان، عرفت بإسم البانشاسيلا ، مازلت تعتبر دعائم دستور الدولة الإندونيسية، ومازلت تمثل أيضاً قوام روح الإنسان الإندونيسى العادى، الذى يتلقى تعاليمها منذ مراحل دراسته الإبتدائية الأولى، والتى بدت اليوم فى صراع حياة أو موت ، مع الإسلام السياسى الصاعد فى العالم.
حكم الرئيس سوكارنو إندونيسا حتى 1965، عندما حاول الحزب الشيوعى الإندونيسى، أحد أكبر الأحزاب الشيوعية فى العالم آنذاك ، الإستيلاء على السلطة أثناء مرض الرئيس ، لكن الجيش الإندونيسى ، بقيادة الجنرال سوهارتو- الرئيس الراحل - تصدى للمحاولة وتمكن من القضاء عليها، وفى سنة 1967م أصبح سوهارتو رئيساً لإندونيسيا، وظل حاكماً منفرداً - هو وعائلته - حتى ثار عليه الطلبة الإندونيسيون سنة 1997 ، وتمكنوا من الإطاحة بحكمه سنة 1998م.
حكم حبيبى ، نائب الرئيس إندونيسيا لفترة إنتقالية مدتها سنة واحدة ، تم خلالها الإعداد لأول إنتخابات ديموقراطية فى تاريخ إندونيسيا ، وفى سنة 1999م، فاز عبدالرحمن واحد، رئيس جماعة نهضة العلماء - أزهرية الثقافة - ، بمنصب الرئيس ، بتحالف أصوات الأحزاب الإسلامية داخل البرلمان، والذى كان إنتخاب الرئيس من صلاحياته، قبل التعديل الى نظام الإنتخاب المباشر، وذلك ضد حزب إبنة الرئيس سوكارنو ، ميجاواتى سوكارنو بوترى ، الحزب الديموقراطى الإندونيسى الذى أسسته سنة 1997 ، والتى فازت بمنصب نائب الرئيس مع ذلك.
حكم عبدالرحمن واحد ، أو جسدر، كما كان يعرف، إندونيسيا لمدة سنتين، عجز خلالها عن إدارة شئوون البلاد، بسبب ظروفه الصحية من جهة، وبسبب قضايا فساد شابت حكمه من جهة أخرى، وضغط الطلاب الإندونيسيون على الشارع مرة أخرى، حتى إستجاب البرلمان بعزل الرئيس عبدالرحمن واحد وتولية نائبته ميجاواتى منصب الرئيس بدلاً منه سنة 2001م ، وأيد الجيش الإندونيسى تحرك البرلمان ، وواجه إحتجاج جسدر وحركة نهضة العلماء بحزم وقوة.
حكمت ميجاواتى سنواتها الأربع فى هدوء، وتنازلت عن السلطة سلمياً عندما خسرت الإنتخابات سنة 2005م أمام وزير دفاعها السابق سوسيلو بامبانج وديوينو، رئيس الحزب الديموقراطى الوليد آنذاك، والذى فاز بولاية ثانية وأخيرة ، بدأت سنة 2009م، وإنتهت سنة 2014م ، حققت إندونيسيا خلالها قفزة إقتصادية كبرى ،وإنتقلت من موقع الدول الفقيرة، إلى موقع الإقتصاديات العشرين .وبدا أن الديموقراطية الإندونيسية قد ثبتت أقدامها، وأن شبح الإسلام السياسى قد زال إلى الأبد، وهو ماأثبتت الأحداث الأخيرة تفاؤله المفرط.
عاد حزب ميجاواتى ، الديموقراطى الإندونيسى الى السلطة مرة أخرى سنة 2014م ، من خلال الرئيس الحالى جوكو وديدو، الذى يعرف إختصاراً بإسم جوكوى، والذى فاز على بارابويو سبيانتو ، أحد جنرالات الرئيس الراحل سوهارتو وزوج إبنته، ومؤسس حزب جريندا، المتحالف مع جماعات الإسلام السياسى، السلفية هذه المرة ، وليست الأزهرية التى قادها عبدالرحمن واحد قبل ذلك، والتى نأت بنفسها عن السياسة بعد رحيله. أبدى بارابويو إعتراضه على نتائج إنتخابات سنة 2014م ، إلا أنه سلم بنتائجها فى النهاية، لكن الأمر إختلف فى الإنتخابات الأخيرة التى جرت فى شهر إبريل الماضى، والتى أعلنت نتاجئها رسمياً فى 22 من مايو هذا، بفوز الرئيس الحالى جوكوى ، للمرة الثانية بنسبة 55% مقابل 45% ، لحزب جريندا ، رفض حزب جريندا وحلفائه الإسلاميون القبول بالنتيجة ، ووصفوا الإنتخابات بالمزورة ، تماماً مثلما حدث فى الإنتخابات السابقة ، لكنهم هذه المرة هددوا بإستخدام القوة لخلع الرئيس جوكوى، إعتماداً على جماعات الإسلام السياسى السلفية، التى يقودها الإندونيسى من أصول يمنية ، رزق شهاب ، الهارب إالى السعودية ، وأمين رئيس ، الرئيس السابق لحزب بان الإسلامى، وأحد أقطاب الإسلام السياسى الإندونيسى، وبعض قدامى الجنرالات ، ونفذوا ذلك فعلاً بحشود ضخمة نزلت من الأقاليم إلى العاصمة جاكرتا يومى 21-22 بعد إعلان النتيجة مباشرة ، محدثة حالة من التخريب والفوضى ، رافعة شعارات الفتنة الأهلية بين حزب المؤمنين وحزب الكفرة ، فى محاولة لإلغاء نتائج الإنتخابات بالقوة ، لكن جهود رجال الشرطة، والموقف الحازم للجيش الإندونيسى، نجحا فى السيطرة عليها بأسرع من المتوقع، وأجبروا تحالف جريندا على التخلى عن خيار القوة،والإحتكام للقانون واللجوء إلى المحكمة الدستورية. وهكذا حُسمت تلك الجولة من الصراع مؤقتاً ، وليس نهائياً ، لإنه من المتوقع أن يعود تحالف جريندا إلى خيار القوة مرة أخرى، إذا ماجاءت قرارات المحكمة الدستورية فى غير صالحه.
إن التجربة الإندونيسية كتاب مفتوح يمكننا أن نتعلم منه الكثير، إن أهم الدروس المستفادة هى أن الإسلام السياسى لن يموت بسهولة ، ففى البلاد التى لم تعرف تجربة تنوير كاملة، سوف يعود دائماً فى أشكال جديدة، و أن نجاح التجربة الديموقراطية فى البلاد الإسلامية هو شبه مستحيل ، حتى فى حالة وجود أحزاب سياسية قوية ، لإن الإسلام السياسى سوف يحتشد لقتلها مهما كانت قوتها ، وأن دور الجيوش فى هذه الحالة لايمكن الإستغناء عنه، لكن الجيوش التى تنحاز لمصالح شعوبها ، وليست تلك التى تستغل آلامها لتقفز هى على السلطة!!!
عبدالجواد سيد








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الولايات المتحدة: جمهوريون يطالبون بلينكن بضمان مراقبة نووي


.. مسحلون يستهدفون حقل نفط في كركوك


.. الرئيس الإسرائيلي يكلف لابيد بتشكيل الحكومة




.. عشرينية من مالي تضع 9 توائم مرة واحدة


.. نشرة العربية الليلة | بالواقع المعزز تابع آخر تطورات صاروخ ا