الحوار المتمدن - موبايل


وليد الصدفة

شجاع الصفدي
(Shojaa Alsafadi)

2019 / 5 / 27
الادب والفن



لستَ مصارعًا، لكنك ولدتَ صدفةً في الحلبة، حمقى ضخامُ الجثةِ يكيلونَ اللكماتِ لبعضهم البعض،لا يكترثونَ لوجودك، أنت أصغرُ من لفتِ انتباهِهم، تكبرُ بين السيقانِ والأقدامِ الهائلة، يتغيرون، يسقطون، يطحنُ بعضُهم بعضًا، ولا تملكُ من أمركَ شيئًا سوى محاولةِ النجاة، في كل لحظة أنت اللا مرئيُّ تخشى أن تسقطَ فوقكَ جثةٌ عملاقة، تطحنُ عظامكَ الرقيقة ، وما أن تتمالكَ نفسك وتجد فرصةً سانحةً في إحدى الزوايا ، لتقف على أقدامك للمرة ِالأولى ، تتوقف الضجّةُ للحظات، اللكماتُ تتوقف، أنت محطُّ الأنظار ،قزمٌ غريبٌ عن الكوكب، ينظرُ الوحوشُ لبعضهم بعضًا مستغربين ، ثم يقهقهون حتى تهتزَّ أركانُ الحلبة ،ثم يرمِقونكَ بنظرةٍ تدركُ عندها أنك في المكانِ الخطأ، قد تجاوزتَ مرحلةَ العيشِ بين السيقان، وذلك محظورٌ عليك .
تبدأُ الأيدي العملاقة برفعكَ عاليًا وتلقيكَ نحو وحشٍ ما ، يتلقفكَ ضاحكًا ، ويلقيكَ بقوةٍ أكبر نحو خصمه، لقد أصبحت كرةَ لَهْوٍ حيّة ، ينخلعُ قلبكَ رعبًا كلّما رفعوك عاليّا ، تدركُ أن حجمَ السقطةِ سيكون أشدَّ وطأةً، تئنُّ عظامُكَ التي لم تتمرسَ السحقَ بعد ، ثم بفطنةٍ دمويةٍ يقترح أحدُ العابثينَ تعليقكَ في سقف المكان، أصبحتَ مرتَعا للقبضات المتوحشة، تنهالُ عليك من كل صوب ، لا أنت مالكٌ أمركَ لتسقطَ مجددًا بين السيقان، ولا حجمُكَ يحتملُ الوقوفَ بين الوحوشِ الهائلة، تتمنى لو أن برقًا يحرقُ الحلبةً بمن فيها، يأخذكَ خيالٌ جامحٌ فترى نسرًا يحومُ حول جثتكَ المرتقبة ، تتمنى نهايةً ما ، لكنك لا تحظى بشيء، لا تحظى حتى بخروجٍ مشرِّفٍ من الصراع الذي لستَ طرفًا فيه، ولا ركلة تلقيك خارجًا ، أنت في وضعٍ لا يكترثُ للخزيِ من أيِّ طريقةٍ للهروب من هذه الملحمةِ الخائبة ،خلقتَ فيها دون اختيار، فلم تكن وحشًا مصارعًا، ولا استطعت أن تكون متفرجًا خارج الحلبة، لقد ألقاك حظك العاثر هنا صدفةً لتكون الملهاة التي ينشغل بها الوحوشُ عن صراعاتهم الدامية .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سلسلة تحليل الفيلم الروسي العودة (3-1)| كيف عكست الصورة أزمة


.. قصة شارع - شارع المتنبي.. منارة بغداد الثقافية وعبق الحضارة


.. مقتطفـات | عرب في كوريا - لينا تعلم صديقها الكوري اللغة




.. مقتطفـات | عرب في كوريا - لينا تعلم صديقها الكوري اللغة العر


.. مسرحية جورج خباز: أغنية -يا هالعمر شوي شوي-